ترجمة: غيداء العبودي
ازدواجية القلق
إن القلق في كل مكان، أحيانًا سيحيط بك بشأن أمرٍ محدد، ستقلق بشأن عملك، وصحتك، وحياتك الاجتماعية، وزواجك وغيرها من الأمور. وفي أحيانٍ أخرى سيهجم عليك دون أدنى سبب، ويُشعرك بيأسٍ مخيف لا تفسير له، ومهما قاوم المرء، فلن يتخلص من ذلك الشعور. حتى عند شعورك بالسعادة ينتابك القلق كذلك، لأنك خائفٌ من أن تخسر كل ما تملك. إن أسباب انتشار القلق في هذا الزمن يعود لامتلاكه طبيعة ازدواجية: فهو معاصر، ومن طبيعة البشر.
إذا كان القلق يعد مرضًا، فإن المرضى يعتبرونه كأمر شخصي تمامًا. إنه تجربة فريدة ترافق تفكير الناس وشعورهم وتصرفاتهم، وحش قادرٌ على استخدام أساليب سخيفة، يجعل اتخاذ أصغر قرارات حياتك تبدو مخيفة كالاختيار بين الحياة والموت، وبهذا المعنى فإن القلق يعد أمرًا شخصيًّا يصعب حصره ضمن إطار العصر.
مع هذا، لا يمكننا إنكار أننا في عصر يعاني فيه عدد هائل ومتزايد من الأشخاص من اضطرابات القلق. إن أحداث الحياة المقلقة جميعها تشكّل أسبابًا للقلق الشخصي، سواء أكان فقدان وظيفة، أو وفاة أحد أفراد الأسرة أو إنهاء علاقة، وما تغير هو الوجود المستمر لهذه الأحداث في الجيل بأكمله، فازدياد انعدام الأمن الوظيفي، وضغوط تكاليف المسكن، وانعدام الاستقرار الاقتصادي والمالي، وازدياد نسب الطلاق، وانهيار التكافل الاجتماعي وتفكك المجتمع، والعيش في مجتمع محفوف بالمخاطر، كالتغير المناخي والتدهور البيئي والصراعات المستقبلية، قد أدت إلى تحويل التوتر -مصدر القلق- إلى أسلوب حياة، ومعرفة أن الأشخاص حولك يعانون من القلق يزيد من قلقك.
الأسباب العامة للقلق:
أحد أسباب زيادة القلق هو الإدراك المفرط؛ فكلما زاد وعيك زاد قلقك. كشفت العديد من الدراسات وجود علاقة بين الإنترنت والقلق، ففي ثقافتنا التي نكون فيها على اتصال دائم بالإنترنت، آخر ما نفعله قبل النوم هو تفقد الهاتف، وأول ما نفعله عند استيقاظنا من النوم في منتصف الليل للذهاب إلى المرحاض. يوجد العديد من النصائح والتحذيرات في وسائل التواصل الاجتماعي المتعلقة بسوق الأسهم، والأخبار الكارثية للاقتصاد والتوظيف، والأحداث الاجتماعية المرعبة، وقصص نجاح الآخرين.
تُتيح لنا الهواتف الذكية البقاء في أماكن عملنا ودوائر التواصل الاجتماعي على مدار ٢٤ ساعة في اليوم، ولا نستطيع منع أنفسنا من التحقق من تحديثات الحالة، وتفقد الرسائل الجديدة خوفًا من تفويت فرصة أو أي شيء، مما يؤدي إلى مرض “الخوف من فوات الأشياء” (FOMO)، وهو نوع من القلق المستمر الناتج عن التفكير بالمكاسب والخسائر.
عادة ما يشعر الأشخاص المصابون بهذا المرض بحدوث أمر مميز للآخرين في غيابهم، كتكوين علاقات اجتماعية جديدة، أو اكتساب تجارب جديدة لم يختبروها من قبل، أو الحصول على فرص مهمة. يعد الخوف من فوات الأشياء نوعًا من الندم، فيلوم المريض نفسه بشدة قائلًا: “لو كنت موجودًا في تلك اللحظة”. (في مجموعة الويتشات إذا أرسل شخص ظرفًا أحمر ولم تحصل عليه فسيظهر تعليق نصفه ساخر ونصفه جاد: لقد فوّت مئات الملايين).
السبب الثاني للقلق هو أن إدراكنا الذاتي قوي للغاية، ويرجع ذلك إلى ظهور علم النفس الفرويدي. صحيح أن أسلافنا عانوا من الاضطرابات العصبية، إلَّا أنهم لم يعانوا من القلق وعلاجه كما نعاني نحن في عصرنا الحالي. في بداية القرن العشرين، وصف فرويد القلق بأنه “نقطة التقاء أكثر المشكلات تنوعًا وأهمية، النقطة التي إذا حُلَّت فحتمًا ستكشف لغز وجودنا النفسي”. حتى وإن كان قلقنا يُشخّص ويعالج على نطاق واسع، فلا يعني ذلك أننا نعاني من القلق أكثر من أسلافنا، قد يعني ببساطة أننا نتلقى علاجًا أفضل بقليل منهم، فمن الصعب التمييز بين المريض وبين المحلل النفسي إذا كنت تقوم بتحليل نفسي للآخرين باستمرار. بغض النظر عن ذلك، فإن هذا يظهر أننا أكثر وعيًا من أسلافنا، كأفراد وثقافة، بإمكانية فقدان السيطرة على العقل. من المؤكد أننا لا نستطيع إنكار أن عصرنا أسرع ومعيشتنا أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. لا يوجد داعٍ لشغل أنفسنا بعدم اليقين، خصوصًا أن إحدى السمات الرئيسية للقلق هي التكرار. يبدأ القلق مع التوتر، وكلما ركزنا عليه ازداد قوة، وزاد قلقنا. (إذا بدأت تتساءل: “هل ما زلتَ تحبني؟”، فإن شكوكك في الحب ستتزايد كالكرة الثلجية). أفضل ما يمكنك فعله هو أن تتعلم كيفية التخلي عن القلق بشكل كامل، وإن كنت تؤمن بأن القلق أمر حتمي، فمن المحتمل أنك استسلمت قبل أن تبدأ المعركة.
سوق القلق:
السبب الثالث لزيادة القلق هو تجار القلق، فقد أدّت تجارتهم إلى ازدهار سوق القلق. في أواخر السبعينيات، لاحظ العالم النفسي الوجودي رولو ماي زيادة هائلة في الكتب والدراسات والبحوث المتعلقة بالقلق، وعلَّق “خرج القلق من مكتبه الكئيب ودخل الأسواق”. ازداد ازدهار هذه السوق بشكل غير مسبوق بفضل الإنترنت، وكما يظهر في “الخوف من فوات الأشياء”، يزداد القلق عند الاتصال بالإنترنت، ويصبح القلق خارجه أشد، لذلك أصبحت محاولات تخفيف القلق أو تحفيزه خلال الإنترنت عملًا مربحًا للغاية.
عند ذكر تلك النقطة، قد يتبادر إلى ذهنك ظاهرة الدفع مقابل المعرفة في الصين. خلال بضع سنوات، تحول الدفع مقابل المعرفة من وسيلة لزيادة المعرفة ورفع الكفاءات وتعزيز إنتاج المعرفة، إلى الوقوع في فخ اتهامات “منتجات الصحة العقلية”. لا يسعني إلَّا القول إن كلًا من مؤيدي الدفع مقابل المعرفة وناقديه لديهم مخاوفهم الخاصة.
من ناحية، فإن أفراد المجتمع في عصر المعلومات يعانون القلق المعرفي؛ الشعور بالجهل العميق في مواجهة المعرفة التي تنمو بشكل هائل، والشعور بالقلق من الرغبة الملحة في التعلم، لكن عدم القدرة على تقبّل المعرفة بحرية. يتعهد بالدفع مقابل المعرفة بتقديم طريق مختصرة لذلك. من ناحية أخرى، فإن النخبة المثقفة التقليدية تشعر بالقلق من عجزها عن حماية باب المعرفة، أو بالأحرى القلق من الرغبة الملحة في إنشاء سلطة معرفية جديدة باستخدام وسائل جديدة عند انهيار السلطة المعرفية القديمة.
إذا اتُبعت القواعد الذهبية لعلاج القلق، فلا ضير من التخلي عن الطرفين. على الأشخاص الذين يتوقون لإثراء نفسهم بالمعرفة خلال مدة قصيرة أن يدركوا أن المعرفة كالحليب، لها مدة صلاحية قصيرة، وحتى في الجامعة إذا اخترت مادة تقنية في سنتك الأولى، فإن معظم ما تعلمته سيصبح قديمًا في سنتك الرابعة. الخلاصة هي: لا تقلق بشأن ما إذا كانت معرفتك كافية أم لا، وابحث أكثر عن الفرص التي تتناسب مع اهتماماتك.
إن المعرفة ليست مهمة بقدر أهمية الاستمرارية الفكرية، والتي تعد سمة دائمة للعقل وعادة فكرية. حذَّر البروفيسور أندرو أبوت من جامعة شيكاغو طلابه مرارًا وتكرارًا: “لستم صيصانًا صغيرة تفتحون أفواهكم بانتظار المعلم ليطعمكم طعامًا نصف ممضوغ، التعليم لا يتعلق بالمحتوى أو القدرات، بل هو عادة روحية وطريقة تفكير”، وما يثير القلق هو الافتقار لهذه العادة الروحية.
بالنسبة لأولئك الذين يحتقرون الدفع مقابل المعرفة، ويشبهونه بـ”منتجات الصحة العقلية”، يمكن القول إن هذا التشبيه غير مناسب، ففي كثير من الأحيان يكون المال الذي ينفقه الناس مقابل المعرفة عبارة عن علاج وهمي، فليس بالضرورة أن يكون له تأثير علاجي للقلق، لكن من المؤكد أن له تأثيرًا بديلًا ومريحًا، لذا فإن ضرورة وجود هذا العلاج الوهمي أمر حتمي.
حتى لو كان مجتمع الحاضر يعاني من معضلة معرفية، فيجب اعتبارها جزءًا لا مفرّ منه من العملية المؤلمة في إضافة الطابع الديموقراطي على المعرفة. نظرًا لأن كهنة المعابد لا يتحكمون بطريقة البشر في الحصول على المعرفة بعد الآن، فسنحتاج إلى مهارات التفكير النقدي أكثر من أي وقت مضى.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




