تؤثر عوامل مثل تقلب أسعار النفط، وارتفاع تكاليف العمالة في الأسواق الناشئة، وتحولات الطلب، في قرارات تحديد مواقع التصنيع المناسبة.
ديفيد سيمتشي-ليفي، وجيمس بول بيروفانكال، وناريندرا مولاني، وبيل ريد، وجون فيريرا
لقد كانت الصين خلال العقد الماضي الجواب عن كثير من الأسئلة التصنيعية، ولم يعد الأمر كذلك على نحو تلقائي في أيامنا هذه.
فإن الاضطرابات التي تصيب سلاسل الإمداد، وتذبذب أسعار الوقود، وارتفاع تكاليف العمالة، وتقدم التكنولوجيا، وتزايد إدراك مزايا القرب الجسدي من العملاء، حملت بعض الصناع على الاستنتاج أن الاستراتيجية الإقليمية التي قد تشمل الصين أو لا تشملها، أرجح لهم وأنفع.
ولا يعني هذا أن الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية ستعودان أبدًا إلى ما كانتا عليه يومًا من كونِهما مركزين للتصنيع، فبالنسبة إلى الشركات التي تمارس أعمالها في الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية، قد تعني الاستراتيجية الإقليمية اللجوء إلى المكسيك أو أوروبا الشرقية، وربما لا يكون لهذا أثر كبير في الوظائف؛ إذ إن التقدم التكنولوجي ونمو الإنتاجية يقللان دومًا من الحاجة إلى اليد العاملة في التصنيع، ومع ذلك، فإن هذا يشير إلى أن الشركات الذكية ستخلص إلى أن الاستراتيجية التصنيعية المثلى تعتمد على حل معادلة دقيقة تشمل المواد الداخلة في المنتج، والمنتج نفسه، والنمو المتوقع لقاعدة العملاء، وينبغي مراقبة هذه المعادلة باستمرار، حتى تكون حلول التصنيع واللوجستيات ديناميكية ومرنة لمواكبة التغيرات المستمرة في السوق.
ومنذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، قامت كثير من الشركات بتعهيد أو نقل بعض عملياتها التصنيعية أو كلها إلى الخارج، وكان النفط الرخيص عاملًا حاسمًا مكَّن ذلك؛ إذ كانت خطوط الإمداد الطويلة مجدية اقتصاديًّا لانخفاض تكاليف النقل نسبيًّا؛ ولهذا، ركزت الشركات على خفض تكاليف التصنيع من خلال: (١) النقل إلى الخارج أو التعهيد الخارجي؛ (٢) ترشيد المصانع (استغلال وفورات الحجم وتقليل الاستثمار الرأسمالي)؛ (٣) دمج مراكز التوزيع والمستودعات لتقليل مستويات المخزون وتقليص تكاليف المنشآت الثابتة.
أما اليوم فقد تغيرت المعادلة، فقد ارتفعت أسعار النفط الخام وتكاليف النقل، وأصبحت ذات وزن أكبر مقارنةً بتكاليف المخزون والإنتاج والمنشآت الثابتة، وقد نتج عن ذلك ثلاث حقائق جديدة لتحسين التكاليف:
١. مراكز التوزيع الإقليمية تزداد جاذبية، فمع ارتفاع أسعار النفط، تزداد تكلفة النقل الخارجي، وبِناءً عليه، قد يصبح من الضروري تقليل المسافات بين مراكز التوزيع ونقاط البيع بإضافة مستودعات جديدة، غير أن زيادة عدد المستودعات تعني زيادة المخزون الاحتياطي وارتفاع مستويات المخزون عمومًا، ولأجل اتخاذ القرار الصائب، يصبح من المهم جدًّا فهْم مقايضتين: تكلفة النفط مقابل تكلفة المخزون، وتكلفة النفط مقابل تكلفة الإنتاج. فحتى تغير بمقدار ٢٥ دولارًا في سعر برميل النفط قد يؤثر تأثيرًا بالغًا في عدد مراكز التوزيع التي ينبغي للمصنع الاحتفاظ بها.
٢. قد يصبح من الضروري تقريب مصادر التوريد والإنتاج من مناطق الطلب، فمع تعويض انخفاض تكاليف التصنيع بارتفاع تكاليف النقل، قد تقتضي الحاجة نقل مزيد من أنشطة التصنيع والتوريد إلى الداخل. ويمكن تحديد جدوى ذلك بإجراء تحليلات إجمالي التكلفة النهائية التي تأخذ في الحسبان تكاليف الوحدة، وتكاليف النقل، وتكاليف المخزون والمناولة، والرسوم والضرائب، وتكاليف التمويل. وتعد تقييمات التكلفة النهائية وسيلة جيدة لحساب تكلفة التوريد أو التصنيع في موضع واحد وخدمة العملاء في مواضع أخرى. وفي هذه التقييمات، يتضاءل أثر تكاليف التوريد والإنتاج كلما ارتفعت تكاليف النقل.
وتتعزز الحاجة إلى نقل المنشآت التصنيعية من البلدان منخفضة التكاليف إلى أماكن أقرب إلى الطلب في السوق بارتفاع تكاليف العمالة في الدول النامية، وبالضغط المتزايد على الشركات لتقليل زمن الوصول إلى السوق. وهذه القوى الثلاث (تكاليف النقل، وتكاليف العمالة، وضغط تقليص زمن الوصول إلى السوق) دفعت بعض الشركات إلى نقل منشآتها التصنيعية من آسيا إلى المكسيك، فشركة شارب اليابانية لصناعة أجهزة التلفاز، مثلًا، بدأت نقل منشآتها من آسيا إلى المكسيك لتكون أقرب إلى عملائها في الأمريكيتين. وقد جاء هذا التحول بدافع الحاجة إلى إبقاء تكاليف الشحن منخفضة وتقليل زمن الوصول إلى السوق. ومع الانخفاض السريع في أسعار أجهزة التلفاز المسطحة، أدرك المديرون أن تقليص زمن الشحن من نحو أربعين يومًا (حين كان الإنتاج في آسيا) إلى سبعة أيام (حين أصبح في المكسيك) سيكون له أثر كبير في النتائج المالية النهائية.
٣. تصبح مرونة سلسلة الإمداد أكثر أهمية، فعندما يزداد تذبذب أسعار النفط، تزداد أهمية خدمة العملاء من المصنع الأقرب إليهم. غير أن الشركات تعجز عن ذلك إذا كان كل مصنع يختص بإنتاج أصناف قليلة فحسب، وهي استراتيجية تُعرف بالتصنيع المخصص.
إنَّ اتباع نهجٍ مخصَّص في التصنيع كثيرًا ما يؤدِّي إلى خفض التكاليف الصناعية، لما يتحقق من وفورات الحجم، ولقلة الحاجة إلى عمليات الإعداد المتكررة عند الانتقال بين المنتجات المختلفة. غير أنَّ التصنيع المخصَّص قد يفضي إلى طول مسافات التوصيل، ومن ثمَّ إلى ارتفاع تكاليف النقل. وأمَّا الاستراتيجية المرنة في التصنيع، بحيث يكون كل مصنع قادرًا على إنتاج جميع المنتجات التي توفرها الشركة أو معظمها، فقد ترفع تكاليف الإنتاج بسبب تكرار الإعدادات وصغر حجم الدفعات، لكنَّها تكاد تضمن خفض تكاليف النقل، ومن البديهي أنَّ ارتفاع أسعار النفط يجعل الاستثمار في الاستراتيجية المرنة أولى وأجدر.
وقد أظهرت أبحاثنا أنَّه للحدِّ من أثر تقلبات أسعار الوقود، وسائر أنواع الاضطرابات في سلسلة الإمداد، يجدر بالشركات أن تسعى إلى مزيد من المرونة في جميع مفاصل سلسلة التوريد، فمثلًا، القدرة على الاستجابة السريعة بحلول جديدة في التوريد، سواء من مصنع آخر أو من مورد مختلف، تعدُّ وسيلة فعالة لحماية العمليات من التقلبات الملازمة لاقتصاد اليوم، وقد يكون التصنيع المرن هو الأمثل لتقليل اضطرابات سلسلة الإمداد الناجمة عن الكوارث الطبيعية، كالثوران البركاني في أيسلندا في أبريل سنة 2010م، وأمواج التسونامي في اليابان في مارس 2011م، والفيضانات في تايلند في أغسطس من السنة نفسها.
ولا ريب أنَّه إذا كان نوع المنتج أو قيمة الاستثمارات السابقة يصعِّب اكتساب مزيد من المرونة، فلا بدَّ من احتساب ذلك “التصلب” في المعادلة الكبرى. ومع ذلك، يبقى من المهم موازنة قيمة المرونة مع الاستراتيجيات الأخرى الممكنة، حتى تدرك المؤسسة ما تنطوي عليه من مقايضات.
القرب من العميل
تعلم معظم الشركات أهمية الاقتراب من العميل، سواء أكانت تبيع منتجاتها للمستهلكين أو لسائر الشركات، وغالبًا ما يكون “القرب” مجازيًّا لا حرفيًّا. غير أنَّه يتضح يومًا بعد يوم أنَّ الموقع الفعلي لمنشآت التوريد والتصنيع له بالغ الأثر في مسائل القرب من العميل، كإتاحة المنتجات المخصصة، والاستجابة الفعالة لطلبات العملاء، وضمان التسليم الموثوق رغم تقلبات الطلب.
وإذ كان للقرب المجازي والحرفي معًا شأن، فإنَّ السؤال الرئيس التالي يصبح: “من أين يأتي (وسيأتي) دخلنا؟” وتشير بيانات حصلت عليها “أكسنتشر” إلى أنَّه كلما كبرت الشركة، زادت نسبة إيراداتها المتولدة من خارج الولايات المتحدة، وينطبق الأمر نفسه على جانب التوريد الصناعي، أي حيث تُنتج المكونات والمواد الخام، ويتجلى ذلك بوضوح في صناعات معينة كالإلكترونيات وعلوم الحياة.
ولدى الشركات الكبرى التي تحقق بالفعل جزءًا كبيرًا من إيراداتها خارج الولايات المتحدة، يتبع التوريد الطلب. (انظر: “في الشركات الكبرى، التصنيع يتبع الطلب”). وللعجب، وجدنا أيضًا أن أكثر من خمسين في المئة من التوريد الصناعي للشركات التي تتجاوز إيراداتها عشرة مليارات دولار يُنتج في الولايات المتحدة.
وفي كثير من الصناعات، يُتوقع حدوث تحولات إضافية في الطلب تدفع سلاسل الإمداد جنوبًا وشرقًا. وقد حلل فريق البحث بيانات حصلت عليها “أكسنتشر” من شركات في سبعة عشر قطاعًا صناعيًّا، وقارنَّا توزيع الإيرادات والتصنيع الحالي بحسب المناطق مع توقعات عام 2013م التي قدمتها الشركات المستطلعة. ويُرتقب أن يأتي نمو الإيرادات (الطلب) والتوريد الصناعي من آسيا وأمريكا اللاتينية، بينما ستتراجع حصة أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية من الطلب والتوريد الصناعي كليهما. (انظر: “كيف يُتوقع أن يتحول الطلب والتوريد الصناعي”).
وهذا الاتجاه يكاد يشمل جميع القطاعات السبعة عشر التي درسناها، باستثناء قطاع البرمجيات؛ إذ يُتوقع أن ترتفع حصة أمريكا الشمالية من إيرادات هذا القطاع وتوريده قليلًا بحلول 2013م، بينما ترتفع حصة الهند من التوريد كثيرًا، وتنخفض حصة الصين انخفاضًا ملحوظًا.
إنَّ الصناعة اليوم تمرُّ بمرحلة تحول عميق، تدفعه على نحو خاص زيادة تكاليف العمالة في الدول النامية، وتحول أنماط الطلب، وارتفاع الأخطار، وتزايد تقلبات السوق، وارتفاع أسعار النفط.
وعلى الشركات الصناعية أن تعترف بأنَّ هذه العوامل قد تكون باعثًا لتحول في كيفية تصنيع السلع وأماكنه.
قبل عقدين من الزمان، كان اختيار الصين مركزًا بديلًا للتصنيع يحتاج إلى قفزة فكرية كبرى، أما اليوم، فكثير من المخططين في الشركات يقفون على أعتاب قفزة مماثلة، من التصنيع منخفض التكلفة إلى استراتيجية أكثر إقليمية. ولا تعني هذه الاستراتيجية بالضرورة نقل الأنشطة الصناعية إلى الولايات المتحدة، بل يكفي أن تقترب من مناطق الطلب في السوق.
ولا ريب أنَّ على الاستراتيجية الجديدة أن تحتسب، إلى جانب العوامل المذكورة، أثر السياسات الضريبية والحوافز الضريبية، وقوة اقتصاد السوق المحلية للشركة، وانخفاض قيمة العملات المختلفة. وأخيرًا، يتعين على الشركة أن تجد الكفاءات والمهارات المحلية اللازمة لدفع الإنتاجية والابتكار. ولعل هذا هو أكبر عامل تقييد يواجهه كبار التنفيذيين اليوم حين يسعون إلى ترشيد استراتيجيتهم الصناعية؛ إذ لا تنجح الاستراتيجية الإقليمية إلا إذا وُجد الأشخاص المناسبون لتنفيذها، وذلك ليس بالأمر اليسير في كثير من المواقع.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




