إن القياس الدقيق للتوفير في التكاليف ضمن سلسلة الإمداد أمر عسير المنال، وإن بدا يسيرًا في القول. غير أن تعلم كيفية معالجة تحديات القياس والتقارير يمكن أن يجعل الأعمال أكثر ربحيةً وأشد منافسةً.
بي. فريزر جونسون وميخيل آر. ليندرس
يستطيع المورّدون أن يسهموا إسهامًا عظيمًا في نجاح أي منظمة، سواء من ناحية الاستراتيجية أو العمليات. ولدى معظم الشركات، تُعد النفقات الكلية مع المورّدين أكبر فئة من فئات التكاليف. ولا ريب في أن الإمداد يمثل ميدانًا خصبًا لمساعي تحسين التكاليف، وتنتظر معظم المنظمات منه تحقيق وفورات كبيرة وزيادات معتبرة في الأرباح. بيد أن تحديد أفضل المجالات الممكنة لتحقيق التوفير في الإمداد، ثم كيفية قياسها والإبلاغ عنها، يمثلان تحديات جسيمة.
إن التقليل أو المبالغة في تقدير فجوات التوفير في الإمداد كلاهما يُوهم بواقع مغلوط، ما يؤدي إلى الإفراط في التركيز على مبادرات توفير التكاليف ذات العائد الضئيل، وسوء توجيه موارد الشركة، ومكافأة الموظفين على سلوك غير محمود. ولعل ما يزيد الأمر إزعاجًا للمديرين أن فجوات التوفير في الإمداد تحجب الأثر الاستراتيجي الذي يمكن أن يقدمه المورّدون. ومع ذلك، فقد أظهرت أبحاثنا عن ممارسات إدارة الإمداد في ثلاثين شركة كبرى في أمريكا الشمالية وأوروبا أن القياس الفعّال والتقارير الدقيقة للوفورات في السلع والخدمات المشتراة أمر يصعب تحقيقه.
تحديات القياس والتقارير
إن السعي وراء الوفورات في صميم عمل كل مختص بالإمداد، ويتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين. وعند بدء أي مبادرة إمداد، ينبغي للمديرين أن يطلقوا حكمًا لتحديد المنافع المرجوة. ثم ينبغي لهم أن يكونوا على استعداد لتقييم النتائج الفعلية مقابل التقديرات والإبلاغ عنها على هذا الأساس. وقد حددنا ستة عوامل رئيسة تعوق قدرة المنظمات على القياس الدقيق والتقاط وفورات الإمداد.
١. الأنظمة التي لا تحتسب الوفورات: إن المحاسبة لا تتدخل عادةً في تدقيق وفورات الإمداد، وقد تمثل القواعد الداخلية للمنظمة التي تحدد ما يعدّ وفرًا وما لا يعدّ كذلك عقبة كبرى. فالقواعد غير الملائمة تولد سلوكًا غير ملائم. فعلى سبيل المثال، في إحدى الشركات التي شملتها دراستنا، كان الضغط التنظيمي لتحقيق الحد الأدنى السنوي للوفورات بالغًا إلى درجة أن المشترين كانوا يدخرون فرص التوفير لضمان استمرار توظيفهم. فكان الحد الأدنى يتحقق سنويًّا، أما الحد الأقصى فلم يُسعَ إليه قط.
إن أعظم إمكانات تحسين القيمة تكمن في مرحلة تحديد الحاجة والمواصفات، إذ إن إشراك الإمداد والمورّدين في وقت مبكر يكشف عن فرص وفورات عظيمة. والتعاون والتكامل الداخلي بين الوظائف المختلفة ضروريان لإيجاد التوافق المناسب بين الاحتياجات الاستراتيجية والتشغيلية الداخلية، على المدى القريب والبعيد، وما يمكن أن توفره السوق. ويصعب تصور تحقيق وفورات في الإمداد دون التعاون والدعم من الآخرين داخل المنظمة. وقد يتطلب الجهد إعادة تصميم سلسلة الإمداد الحالية، أو استخدام مورّدين مختلفين، أو استبدال المواد أو الخدمات، أو تغيير العمليات أو غير ذلك من التعديلات. وفي كثير من الحالات، يحتاج التحليل إلى تطوير أو على الأقل دعم من أشخاص خارج قسم الإمداد. وهذا يثير تساؤلات بشأن مقدار الفضل الذي ينبغي أن ينسب إلى موظفي الإمداد مقارنةً بالأطراف الأخرى المشاركة. حتى إذا كان موظف الإمداد هو من بادر بتحقيق الوفورات، فهل يستحق الفضل كلّه؟
كثير من مديري الإمداد يبحثون عن فرص توفير لا تتطلب إشراك الآخرين، حتى وإن أدى ذلك إلى إغفال مجالات ذات إمكانات عالية للوفورات. ففي شركة إلكترونيات ضمن دراستنا، وُضعت مجموعة معقدة من القواعد لضبط الوفورات التي يُبلَّغ عنها. وكان الهدف التأكد من أن الوفورات “قابلة للإثبات دون أدنى شك” خلال السنة الحالية وأنها نتيجة جهد الإمداد وحده. غير أن مثل هذه القواعد قد تكون ذات أثر عكسي. فعلى سبيل المثال، إذا اقتصر احتساب الوفورات على ما تحقق في السنة الجارية، فلمَ السعي وراء عقود طويلة الأمد؟ وإذا كان لا يُعتد إلا بالوفورات المنسوبة إلى جهود الإمداد وحدها، فلن يكون ثمة حافز للتعاون مع الأقسام الأخرى.
ولمواجهة هذا الخطر، ألغت إحدى الشركات اشتراطها لتخفيضات سنوية شاملة في أسعار المورّدين، واستبدلته بحافز يشجع مشاريع تقليص التكاليف عبر الوظائف المختلفة، وقد حققت تلك المشاريع تحسينات سنوية بلغت ما بين ٨٪ إلى ١٥٪.
٢. التغيرات في الأسواق والتقنيات والحجم: تتغير الأسواق لأسباب شتى، ما يطرح جملة من تحديات القياس، إذ تتأثر المشتريات المختلفة بطرائق متباينة، ويصعب إجراء مقارنات مباشرة مع العام السابق. فعلى سبيل المثال، أثرت تقلبات أسعار النفط الخام في عامي ٢٠٠٨م و٢٠٠٩م في كل شيء، من تكلفة الراتنجات البلاستيكية إلى خدمات النقل.
أما التغيرات التقنية، فتتيح الاستبدال أو خيارات التصميم الجديدة في كثير من المنتجات والخدمات لتحقيق أداء مماثل أو أفضل، بتكاليف أقل، وأزمنة توريد أقصر، وجودة أعلى، وغير ذلك من المنافع. فعلى سبيل المثال، قد يبلغ ثمن مكوّن إلكتروني هذا العام ٣٢ دولارًا، مقارنةً بسعر العام الماضي البالغ ٧٠ دولارًا للمكوّن نفسه وظيفيًّا. فإذا كان هذا التغير نتيجة لتطور تقني جديد، فهل يعد ذلك وفرًا في الإمداد؟
في كثيرٍ من الشركات، إن تغيّر حجم الطلب أمرٌ مألوفٌ معتاد. بل إن من أكثر الاستراتيجيات شيوعًا في إدارة التوريد لتقليل التكاليف، توحيد المتطلبات على مواصفةٍ مشتركة. فإذا اتُّفق على شراء كمياتٍ أكبر من مصدرٍ واحدٍ أو من مجموعةٍ مختارةٍ من المورّدين، غالبًا ما يتمكن مديرو التوريد من التفاوض على أسعارٍ أدنى بكثير. فعلى سبيل المثال، استطاعت إحدى شركات الخدمات المالية الكبرى في أوروبا أن تخفض تكاليفها بنسبة ثلاثين في المئة سنويًّا، عبر تنسيق وتركُّز مشتريات الأجهزة والبرمجيات الحاسوبية. وإن تغيّر الأسواق والتقنيات وأحجام المتطلبات يجعل قياس الوفورات والإبلاغ عنها أمرًا أشد تعقيدًا، إذ يصعب إجراء المقارنات بين سنةٍ وأخرى.
٣. عدم الرغبة في الاعتراف بالوفورات التراكمية: كثيرًا ما تُعرض أسعار المورّدين مقارنةً بمستويات الأسعار السابقة. فإن كانت أسعار المورّد تعكس اتجاهات التضخم السنوي، فليس من الصعب التنبؤ بالأسعار المستقبلية. وعليه، إذا نجح المشتري في خفض سعر التوريد في سنةٍ ما، فإن تلك الوفورات تمتد إلى المستقبل، حتى وإن عادت الزيادات التضخمية في السنوات التالية. وإغفال هذا الأثر المتعدد السنوات يؤدي إلى التقليل من حجم الوفورات المحققة.
ومثال ذلك، أن كبير مسؤولي التوريد في إحدى كبريات شركات تصنيع المعدات الزراعية تعهّد بتحقيق وفورات سنوية في التوريد مقدارها ثلاثمئة وخمسون مليون دولار. غير أن ذلك كان تحديًا عسيرًا؛ إذ إن نحو ثلثي مكونات الشركة كانت تنتقل من سنةٍ إلى أخرى. ومع أن إدارة التوريد استطاعت التفاوض على أسعارٍ أقل لكثيرٍ من هذه المكونات، فإن الرئيس التنفيذي والمدير المالي لم يقبلا باحتساب الوفورات إلا لسنةٍ واحدة. ولو احتُسبت الوفورات التراكمية خلال خمس سنوات، لبلغت ضعف ما اعترفت به الإدارة العليا رسميًّا.
٤. قصور في تعريف وفورات التوريد: إن تغيير المورّدين وسيلةٌ شائعةٌ للحصول على أسعارٍ أقل، غير أن قلةً من الشركات تبذل الجهد لحساب التكاليف والمخاطر المترتبة على ذلك. فإثبات انخفاض سعر الشراء أمرٌ يسير، لكن ثمة عوامل أخرى كثيرًا ما تُهمل، مثل تكلفة التحوّل إلى مورّد جديد، والمخاطر الإضافية، وأثر ذلك في رضا العملاء، أي التكلفة الكلية للملكية. وتشير الأدلة المستقاة من الشركات الأمريكية الشمالية التي تستورد من مورّدين آسيويين إلى وجود مقايضةٍ واضحة؛ فمقابل الأسعار المنخفضة، تزداد المخاطر في سلسلة التوريد، وتُحمل مخزوناتٌ أكبر، وتُدفع تكاليف نقلٍ إضافية، وتطول أزمنة التسليم.
وهناك حالاتٌ أخرى لا يُعترف فيها بالجهود المبذولة لاحتواء التكاليف. تأمل ما حدث في صناعة الصلب عام ٢٠٠٦م: إذ بلغ متوسط سعر لفائف الصلب المدرفل على الساخن خمسمئة وستين دولارًا للطن، ثم تراوح في ٢٠٠٧م بين خمسمئة وعشرين وستمئة وأربعين دولارًا للطن. ثم في النصف الأول من ٢٠٠٨م، تضاعف السعر أكثر من مرة (من خمسمئة وعشرين دولارًا في ديسمبر ٢٠٠٧م إلى ألف وثمانين دولارًا في يونيو ٢٠٠٨م). فلو أن بعض المشترين ثبتوا سعر مشترياتهم لعام ٢٠٠٨م عند ستمئة دولار للطن، أفليس تجنبهم تلك الزيادة الكبيرة يُعد وفرًا؟ والواقع أن أسعار كثيرٍ من المشتريات تُحركها ظروفٌ سوقيةٌ فريدة لا تؤخذ في الحسبان عند مقارنة وفورات التكاليف أو الأسعار من سنةٍ إلى أخرى. ولذلك، عدّت أغلب الشركات في دراستنا أن احتواء التكاليف أو تجنبها وفورات “مرنة” لا يُعترف بها. ومع ذلك، ففي أوقات ارتفاع الأسعار، يكون تجنب التكاليف عنصرًا أساسيًّا في تعزيز تنافسية الشركات.
٥. العجز عن تحويل الوفورات إلى أرباح: كثيرًا ما تتلاشى وفورات التوريد قبل أن تظهر في صافي الأرباح. فكثيرًا ما يُغرى أصحاب الميزانيات بتحويل وفورات التوريد إلى أغراضٍ أخرى أو مشاريعهم المفضلة، تجنبًا لتقليص الميزانية مستقبلًا. وفي معظم الشركات، لا تعود الوفورات بالنفع على فريق التوريد، بل يستفيد منها آخرون في المؤسسة، ممن يرون وجوب إنفاق “الوفورات” بدلًا من إعلان فائضٍ في الميزانية.
وقد قابلنا أحد الرؤساء التنفيذيين كان قد تلقى تقريرًا عن وفورات التوريد بلغ قرابة مليار دولار، غير أن بيان الدخل للمدّة نفسها أظهر خسارةً تقارب ملياري دولار. فسأل: “أين ذهبت تلك الوفورات؟” وبغياب نفقات استثنائية، ظهر جليًّا أن كثيرًا من وفورات التوريد المعلنة لم تنعكس فعلًا على صافي الأرباح.
٦. الإحجام عن مراجعة القرارات السابقة: ثمة جانبٌ مظلمٌ في السعي لتحقيق وفورات التوريد، وهو ما عانته أيضًا جهود تحليل القيمة والهندسة. فبعد اكتشاف تحسينٍ كبيرٍ في الوفورات، بدل أن يُحتفى بهذه الفرصة أو يُكافأ مكتشفها، يتحول النظر إلى الوراء، ويسأل المديرون: “كيف صُمم هذا المكون أو صُنع أو نُقل بهذه الكفاءة المنخفضة أصلًا؟”. وفي كثيرٍ من الأحوال، يُنظر إلى من يبحثون عن فرص الوفورات على أنهم يعيبون القرارات أو الممارسات السابقة لزملائهم، ما يشيع جوًّا سلبيًّا في المؤسسة.
فجوات وفورات التوريد
وبالنظر إلى التحديات المتنوعة في تحقيق وفورات التوريد وطرائق الإبلاغ عنها، يصعب تكوين صورة واقعية عن إمكانات الوفورات داخل المؤسسة. وسواء أكانت وفورات التوريد الفعلية أقل من الواقع أم أكثر، فإن إغفال التباين في أي اتجاه ينطوي على مخاطر، وقد يؤدي إلى عواقب غير مرغوبة تقوّض أداء المؤسسة وتنافسيتها.
مشكلة التقليل من شأن الوفورات
بحسب خبرتنا، كثيرًا ما يُقلَّل من شأن الوفورات في الإمدادات أكثر مما يُبالَغ فيها، إذ إن معظم رؤساء أقسام الإمداد لا يُبلِّغون إلا عن تلك الوفورات التي يمكن إثباتها بسهولة. ففي غالبية المؤسسات التي شملتها دراستنا، كانت الوفورات تُقاس بتخفيضات الأسعار سنةً بعد أخرى، ويُشار إليها غالبًا بـ”الوفورات الحقيقية”.
غير أنّ إغفال وفورات أخرى، مثل احتواء التكاليف، أو الحد من زيادات الأسعار، أو تثبيت الأسعار في وجه التضخم أو ارتفاع الأسعار السوقية، قد يؤدي إلى تقليل كبير في تقدير الإسهام الفعلي للإمداد. بل إن تجاهل منافع الإحلال وإعادة التصميم، وحصر المشتريات فيما سبق اقتناؤه فقط، يؤدي إلى تقارير وفورات أقل مما هي عليه في الواقع. فعلى سبيل المثال، قيدت إحدى الشركات حساب الوفورات لديها بوفورات سنة واحدة على سلع كانت مطابقة لما اشتُري في السنة السابقة. ورفض رئيس قسم الإمداد احتساب عوامل أخرى كتحاشي التكاليف، أو نتائج الجهود المبذولة لتقليل أسعار المتطلبات الجديدة، أو تحسين الجودة أو التسليم، أو تقديم العون للوظائف الأخرى التي تواجه تحديات في الإمداد. إذ رأى أن هذه الأنشطة “لا تحظى بالمصداقية في المصانع والأعمال التجارية، ولا يمكننا الترويج لها في أنحاء الشركة”. إن التقليل من شأن الوفورات يخفض من مكانة الإمداد في المؤسسة، ويصعّب استقطاب المواهب والاحتفاظ بها، ويعزز البحث عن مبادرات ضعيفة المردود. وقد يؤدي أيضًا إلى تقليل مكانة الشركة بصفتها عميلًا مفضلًا في نظر المورّدين، إذ لا يُعترف على نحوٍ كامل بإسهامات المورّدين المتميزين، ما يؤثر في علاقات الموردين ودافعهم للإسهام في ازدهار العميل.
إن التقليل من شأن الوفورات يحوّل التركيز من اقتناص الفرص الاستراتيجية إلى تقليل التكاليف الإدارية لإدارة وظيفة الإمداد نفسها. وفي معظم الشركات، تمثل تكلفة وظيفة الإمداد نحو 1% من إجمالي المبيعات. وبدلًا من التركيز على وسائل تقليل تكلفة إدارة الإمداد، ينبغي للإدارة أن تركز على استغلال الفرص الكبرى لتقليل التكاليف الأخرى وزيادة الربحية.
مشكلة المبالغة في تقدير الوفورات
إن المبالغة في تقدير الوفورات مشكلة أيضًا، ولها أسباب شتى، أوضحها إغفال المخاطر والتكاليف المصاحبة لتحقيق الوفورات. إن الإبلاغ عن الوفورات دون الإفصاح عن الإضافات إلى التكلفة الإجمالية للملكية يوهم بأن الشركة تحقق مكاسب مهمة من الإمداد، في حين أنّ الواقع غير ذلك. وإن عدم إدراك الآثار الحقيقية للتكاليف المترتبة على المبادرات الكبرى في الإمداد يُثقل كاهل الشركة بتكاليف إجمالية أعلى. وعلى المدى البعيد، تكافئ الشركة السلوكات التي تزيد من هيكل التكاليف بدلًا من تقليله.
كذلك فإنّ الإبلاغ عن الوفورات الناجمة عن انخفاض الأسعار السوقية أو التغيرات التقنية أو الحجم دون أي مبادرة من الإمداد يُعد مضللًا. فمع أن المنظمة تستفيد من هذه التطورات، فإنه ينبغي الإبلاغ عنها لا بوصفها وفورات إمداد، وعندما تُحسب ضمن وفورات الإمداد، لا سيّما في المؤسسات التي ترتبط فيها المكافآت والترقيات بتلك الوفورات المبالغ فيها، تكون النتيجة تعويضات وتقديرات مبالغًا فيها.
ومن الممارسات الشائعة أيضًا الإبلاغ عن الوفورات دون الإشارة إلى زيادات الأسعار، ما يوهم بأن إجمالي إنفاق المنظمة مع الموردين قد انخفض، في حين قد يكون العكس هو الصحيح. وقد يُقال إن الوفورات أُبلغ عنها على نحوٍ صحيح، إلا أن النتيجة -مع الأسف- هي معلومات مضللة أو قابلة لسوء الفهم.
وبالمبالغة في تقدير الوفورات، قد يُعدّ المورّدون غير المتميزين استثنائيين، ويُغفل عن الموردين الحقيقيين ذوي التميز. وكلتا العاقبتين غير مرغوب فيهما استراتيجيًّا ومن حيث علاقات الموردين. وقد تؤدي المبالغة في وفورات الإمداد إلى دائرة مفرغة، إذ تُشكك شرعية المبادرات، ويصاب أعضاء فريق الإمداد بالإحباط لغياب التقدير، وتنخفض مصداقية وظيفة الإمداد بأسرها. ومع الأسف، كثيرًا ما يكون الرد على ذلك بالتقليل من شأن الوفورات بالإبلاغ فقط عن تلك التي لا يرقى إليها شك، ما يزيد المشكلة تعقيدًا.
تعظيم وفورات الإمداد
ولتحقيق وفورات الإمداد، ينبغي للمديرين التنفيذيين تجاوز تحديات القياس والإبلاغ المذكورة آنفًا. ولمعاونتهم في ذلك، من المهم التركيز على ما يأتي: النظر إلى التكلفة الإجمالية للملكية، وتصنيف أنواع الوفورات، وربط الوفورات بالميزانية.
التركيز على التكلفة الإجمالية للملكية. ينبغي أن تركز مبادرات الوفورات على التكلفة الكلية للملكية، دون تسميتها “وفورات إمداد”. إن أعظم الفرص لتحقيق الوفورات تنشأ من التعاون والتنسيق بين الوظائف المختلفة. وإن الاعتماد على النفس وحده قد يزيل الجدل بشأن مقدار التحسين ومن يستحق الفضل، لكنه يغفل فرص تحقيق وفورات أكبر. وينبغي لمديري الإمداد أن يكونوا مستعدين لاستبدال تركيزهم على وفورات الأسعار بالتركيز على وفورات الشركة ككل، لا وفورات الإمداد فحسب، وهذا يتطلب منح الفضل للآخرين في المؤسسة ممن يسهمون في المبادرات الكبرى للإمداد.
واجه أحدُ مصنّعي الأجهزة الإلكترونية هذا التحدّي بأن أنشأ عمليةً يجتمع فيها فريقٌ من تخصصاتٍ شتّى شهريًّا، لمتابعة التكاليف جميعها والأرباح المرتبطة بمنتجٍ معيّن. وكان الفريق يحدّد الأسعار والتكاليف المستهدفة للمدّة المقبلة، ويقارن الأداء الفعلي للأرباح بالمستهدف، ويبحث في أسباب الانحرافات. وكان الهدف تحسين الهوامش وجعل الجميع مسؤولين معًا عن نجاح المنتج أو الخدمة. وكانت المكافآت الممنوحة لأعضاء الفريق مرتبطةً مباشرةً بتحقيق أهداف الأرباح.
وأمّا مفهوم تكلفة دورة الحياة والموازنة بين المنافع عبر سلسلة الإمداد، فقد يؤدّي إلى حلولٍ أفضل للمؤسسة بأسرها. فبالنسبة إلى إحدى الشركات الرائدة في السلع الاستهلاكية المعلبة، أتاح تحويل التركيز في الإمداد من أدنى سعرٍ إلى أفضل قيمةٍ إجماليةٍ للفريق أن ينظر في الموازنة بين استمرار التصنيع، والسعر، وثبات التسليم، ومستويات المخزون، والحصول على مساحات العرض في المتاجر والاحتفاظ بها. ولما كان تقييم أعضاء الفريق قائمًا على نتائج الفريق، صار لكل فردٍ باعثٌ على التعاون. وزيادةً على ذلك، فإن إدخال اعتبارات المورّدين والعملاء في المعادلة وسّع سلسلة الإمداد لتتجاوز نطاق الشركة الضيّق.
وصُنِّفت أنواع التوفير المختلفة، إذ لا يصلح نهجٌ واحدٌ لأنواع التوفير في الإمداد جميعها، لأن هنالك أنواعًا متعدّدةً من التوفير، لكلٍّ منها منافع متمايزة. فمثلًا، قد ينشأ التوفير من تجنّب التكاليف أو من تخفيضات التكاليف سنةً بعد أخرى. وقد يكون نتيجة تحسين أسعار القطعة الواحدة، أو رأس المال العامل، أو التكاليف المتغيّرة والثابتة، أو الطاقة الاستيعابية، أو الجودة، أو إيرادات المبيعات وهوامش الأرباح. غير أنّ مديري الإمداد كثيرًا ما يجمعون ذلك كلّه في خانةٍ واحدة ويعلنون: “لقد وفّرنا للشركة خمسين مليون دولارٍ العام الماضي!”.
وأحسن ما يُبدأ به هو وضع مجموعةٍ معقولةٍ من القواعد داخل مجال الإمداد، تُبيّن ما يُعدّ توفيرًا يُبلّغ عنه، ومتى وكيف يُبلّغ عنه، وما دور التوفير في أهداف إدارة الإمداد. ومن المهم الحصول على موافقة الآخرين في المؤسسة على هذه القواعد والأساليب، وأن يُتفق أيضًا على نظامٍ خارجي للإبلاغ عن التوفير، يشمل ماذا وكيف ومتى يُبلّغ عن التوفير.
وينبغي التفصيل في كيفية احتساب التوفير وتصنيفه.
وأبسط تقسيمٍ هو أن تُفصل التوفيرات في أربع فئات: تقلبات السوق، والجهود الروتينية في الإمداد، والمبادرات المشتركة بين الوظائف، واحتواء التكاليف أو تجنّبها. فإن تخفيضات الأسعار الناتجة عن تقلبات السوق غالبًا لا تتطلب جهدًا خاصًّا من الإمداد؛ وينبغي الإبلاغ عنها إذا كانت كبيرة، مع توضيح السياق. وأمّا التوفير الروتيني في الأسعار والتكلفة الإجمالية للملكية، فمن المتوقع أن ينتج عن جهود المهنيين في الإمداد في عملهم اليومي، وينبغي أن يتراوح سنويًّا بين واحدٍ وخمسة في المئة، ويُبلّغ عنه كل ربع سنة. وأما التوفير الناتج عن جهود مشتركة بين الوظائف، فيُبلّغ عنه عند اكتمال المبادرات. وأخيرًا، ينبغي تتبّع التوفير من احتواء أو تجنّب زيادة الأسعار، والإبلاغ عنه كذلك كل ربع سنة.
وينبغي مشاركة تقارير التوفير مع الآخرين في المؤسسة، مع تقارير منتظمة عن التقدّم في المبادرات الكبرى وتغيرات السوق. وعند الحاجة، ينبغي تقييد التوفير بتقديم نطاقات: “على الأقل نرجو توفير كذا، وقد يبلغ الحد الأقصى كذا، وقد ترتفع المبيعات إلى كذا، لكن ينبغي أن تبلغ كذا”. وينبغي الإبلاغ عن التوفير الكبير فورًا في تقريرٍ منفصل.
واربط التوفير في الإمداد ربطًا مباشرًا بالميزانية. فقد نجح مدير مشترياتٍ في إحدى الشركات في التفاوض على خفض أسعارٍ بنسبة عشرين في المئة مع إحدى شركات الطيران الكبرى، منتظرًا توفيرًا سنويًّا يقارب مليوني دولارٍ في نفقات السفر. ومع أنّ رئيس الإمداد أبرز هذا التوفير في تقريره السنوي للمدير التنفيذي، فإنّ منافع العقد الجديد لم تظهر في النتائج النهائية، لأن ميزانيات السفر للأقسام لم تُعدّل. وغالبًا ما يُحسم الجدل بشأن صحة التوفير وكيفية استخدامه بالنظر إلى آثاره في الميزانية. ويمكن إسكات المشككين إذا ارتبطت ادعاءات التوفير مباشرةً بالميزانيات والإنفاق. وقد أنشأت أربع شركاتٍ في دراستنا وظائف جديدة للمراقب المالي، تكون مسؤولة عن التحقق من التوفير وربطه بميزانيات تشغيل وحدات الأعمال.
وليس ربط التوفير في الإمداد بالميزانية بالضرورة تعديلًا دولارًا بدولار، بل يمكن التشاور مع مديري وحدات الأعمال بشأن أفضل السبل لاستخدام التوفير، وكيف وأين يُعدّل في الميزانيات. فعلى سبيل المثال، في المثال المذكور آنفًا عن شركة الطيران، كان يمكن للإدارة أن تقرر إبقاء ميزانية السفر كما هي، على أساس أن زيادة السفر تتيح فرصًا لمبيعاتٍ إضافية. أو قد يُستثمر التوفير في أجزاءٍ أخرى من المؤسسة، مثل ابتكار المنتجات أو الخدمات. وينبغي للمؤسسات أن يكون لها نهجٌ لاتخاذ مثل هذه القرارات.
عند الإبلاغ عن الوفورات في الإمدادات، فإنه من المفيد لمسؤولي الإمدادات أن يكون لديهم إدراك لطبيعة الفجوات المحتملة وحجمها، وأن يكونوا قادرين على وضعها في سياق ذي معنًى. وعلى الرغم من أن في الأمر شيئًا من التخمين، ينبغي للرئيس الأعلى للإمدادات أن يكون قادرًا بقليل من التحليل على تحديد هل كانت الوفورات المبلغ عنها واقعية، وهل كان التقدير مبالغًا فيه أو ناقصًا، ولماذا توجد الفجوة. وإن الإلمام بأنواع الوفورات المذكورة آنفًا يُعين على ذلك. وإضافة إلى ذلك، فإنه من المهم لمسؤولي الإمدادات أن يكون لديهم نظام للإبلاغ عما جرى لتلك الوفورات بعد تحقيقها: هل انتقلت إلى صافي الأرباح، إذ يمكن استخدامها لتقديم أسعار أقل للعملاء، أو لشراء معدات إضافية، أو لتعويض فروق التكاليف في الميزانيات؟ أو أُعيد توجيه الوفورات في الطريق لدعم أولويات استراتيجية، مثل زيادة الحصة السوقية، أو تطوير منتجات أو خدمات جديدة، أو الارتقاء المهني؟ ومن دون هذه المعلومات، يصعب تقدير الأثر الكامل للوفورات.
المراجع
1. The price for West Texas intermediate crude oil declined from $145.29 per barrel on July 3, 2008 to $31.41 per barrel on December 22, 2008. On November 4, 2009, the price stood at $80.18 per barrel. “Spot Price Graph for West Texas Intermediate Crude Oil,” Bloomberg November 4, 2009.
2. “Spot Price Graph for Hot Rolled Steel Coils,” Bloomberg November 4, 2009.
3. For example, after the CEO at one company decided to use return on net assets as a new measure of supply performance, the supply organization was successful in moving hundreds of millions of dollars of inventory off its balance sheet by negotiating consignment inventory agreements with major suppliers. In freeing up cash, the company was able to reduce its high debt load and stave off bankruptcy.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




