إن الاستراتيجية الصحيحة للابتكار المفتوح قد تؤدي إلى منافع في الأداء، ولكن ينبغي أولًا على شركتك أن تتغلب على نزعات “لم يُخترع هنا” و”لم يُبع هنا”.
أولريش ليشتنثالِر، ومارتن هوغل، وميريام موثل
في مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة واشتداد المنافسة الدولية، تسعى كثير من الشركات الصناعية إلى استثمار قيمة إضافية من تقنياتها. وعلى وجه الخصوص، تحاول العديد من الشركات جَني الأرباح من الابتكار المفتوح، الذي يقوم على التعاون الفعّال مع الشركاء الخارجيين طوال عملية الابتكار. وقد باتت كثير من الشركات الصناعية اليوم تقتني التقنية من مصادر خارجية لتقوية وتسريع عمليات الابتكار الداخلية لديها، وهو ما نسمّيه الابتكار المفتوح الوارد. كما أن الشركات تنقل على نحو متزايد بعضَ تقنياتها الخاصة إلى شركات أخرى بوسائل كالتراخيص، لتحصيل منافع مالية وغير مالية شتى، ونسمّي هذا النهج الابتكار المفتوح الصادر.
وقد أفادت عدة شركات رائدة، مثل بروكتر وغامبل، وداو كيميكال، وآي بي إم، وهيوليت-باكارد، استفادة عظيمة من انتهاج استراتيجيات الابتكار المفتوح. واتباعًا لهذه النماذج الناجحة، ركز المديرون على ضرورة إرساء استراتيجيات ابتكار مفتوح تقوم على التعاون الفعّال مع الشركاء الخارجيين.
غير أن كثيرًا من المديرين لم يُولُوا التحدياتِ المرتبطةَ بتنفيذ هذه الاستراتيجيات العنايةَ الكافية. فمن دون عملية تنفيذ ناجحة، لن تتحقق المنافع المرجوة من استراتيجيات الابتكار المفتوح، وقد تَفقِد الشركة بعض ميزاتها التنافسية التقنية.
وغالبًا ما تعترض طريقَ تنفيذ استراتيجيات الابتكار المفتوح مواقفُ الموظفين المؤيِّدةُ للابتكار الداخلي، وقد تكون هذه المواقف متجذرة في ثقافة الشركة المؤسسية التي تطورت عبر الزمن، وقد تؤثر بقوة في سلوك الموظفين. وتتميز ثقافة العديد من الشركات بنزعات “لم يُخترع هنا”؛ أي المواقف السلبية تجاه الابتكار المفتوح الوارد. فالموظفون الذين يتبنَّون هذه النزعة لا يرغبون في اقتناء التقنية من مصادر خارجية، ويفضلون التركيز على تطوير المعرفة التقنية الجديدة داخليًّا. وقد تنشأ نزعة “لم يُخترع هنا” من تجارب محدودة أو سلبية مع نقل التقنية إلى الداخل، أو مِن نُظم حوافز غير ملائمة. وقبل أن تتمكن بروكتر وغامبل من تنفيذ استراتيجيتها للابتكار المفتوح الوارد بنجاح، أنشأت نُظم حوافز لتقليل نزعة “لم يُخترع هنا” بين موظفيها.
أما نزعة “لم يُبع هنا” فتصوِّر مواقف سلبية مماثلة توجد في ثقافات العديد من الشركات تجاه نقل التقنية، وقد تنبع هذه المواقف من الخوف من تقوية المنافسين عبر بيع “جواهر التاج” التقنية للشركة؛ أي التقنية ذات الصلة التنافسية. وقد تتعزز نزعة “لم يُبع هنا” بسبب قلة الخبرة في نقل التقنية إلى الخارج، وبسبب عدم كفاءة أسواق المعرفة التقنية. ولتيسير تنفيذ الابتكار المفتوح الصادر، اتخذت بروكتر وغامبل عدة تدابير لتقليل نزعة “لم يُبع هنا” لدى موظفيها، منها إنشاء نُظم مكافآت تقدِّر اكتشاف فرص الترخيص.
وغالبًا ما تكون نزعات “لم يُخترع هنا” و”لم يُبع هنا” حسنة النية؛ إذ يعتقد الموظفون غالبًا بتفوق الابتكار الداخلي المحض. إلا أنه في كثير من الحالات، لا يمكن للشركات أن تطوّر داخليًّا كل المعرفة التقنية ذات الصلة. وبالمثل، فإن التركيز على تطبيق التقنية داخليًّا فقط قد يؤدي إلى استغلال محدود لمحافظ الشركات التقنية.
أنواع أربعة متميزة من ثقافات الابتكار المفتوح
كشفت نتائج دراسة مقارنة واسعة النطاق عن وجود أربع مجموعات من الشركات ذات مواقف مختلفة تجاه نقل التقنية عبر الابتكار المفتوح. (انظر “حول البحث”). المجموعة الأولى، وهي الأكبر نسبيًّا، نسمّيها “الانعزاليون تقنيًّا”، وبلغت نسبتهم ٣٦٪ من عينة الدراسة. ويتميز هؤلاء الانعزاليون بارتفاع نزعات “لم يُخترع هنا” و”لم يُبع هنا” معًا، وتركّز هذه الشركات على الابتكار المغلق دون إيلاء اهتمام خاص بمبادرات الابتكار المفتوح.
أما المجموعة الثانية، “ينابيع التقنية”، فبلغت نسبتها ٢٦.٦٪ من الشركات في العينة. وهذه الشركات هي مصادر للمعرفة التقنية، وتنقُل بعضَها إلى شركات أخرى، إلا أنها لا تزال تتسم بقوة نزعة “لم يُخترع هنا”. ومثال ذلك شركة كيميائية كبيرة تنشط في ترخيص بعض تقنياتها لشركاء خارجيين اعتمادًا على محفظتها التقنية الداخلية القوية، غير أن الشركة لا تزال تتسم بوضوح بنزعة “لم يُخترع هنا”؛ مما حدّ كثيرًا من تنفيذ الابتكار المفتوح الوارد.
الفئة الثالثة من الشركات، التي نُسميها “إسفنجات التقنية”، شكّلت نسبة ٢١٫٣٪ من الشركات في العينة. فهذه الشركات تمتص التقنيات الخارجية بنشاط، لكنها لا تنقل الكثير من تقنياتها إلى شركاء خارجيين. ومثال ذلك شركة أدوية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الابتكار المفتوح الوارد؛ إذ تتعاون مع شركات أدوية أخرى، وشركات التكنولوجيا الحيوية الصغيرة، وعدة معاهد أبحاث وجامعات. وتسعى الشركة أيضًا إلى انتهاج استراتيجية تصدير مفتوحة نسبيًّا، غير أن تنفيذ تلك الاستراتيجية يواجه عقبات شديدة بسبب نزعة “عدم البيع للغير”. ومن ثمّ، شَرَعَت الشركة في دراسة سُبل متعددة لتقليل مواقف موظفيها من هذا النوع.
أما الفئة الأخيرة من الشركات، وهي “وسطاء التقنية”، فهي أقل عددًا؛ إذ شكّلت نسبة ١٦٫١٪ من العينة. ويسعى وسطاء التقنية بنشاط إلى كلٍّ من الابتكار المفتوح الوارد والصادر، ولا يظهر بينهم إلا مستوى محدود جدًّا من نزعات لم يُخترع هنا” و”لم يُبع هنا”. وقد أقر موظفو هذه الشركات بفوائد الانفتاح في عملية الابتكار؛ إذ سبق لهم أن لمسوا الآثار الإيجابية لمبادرات الابتكار المفتوح. ومثال على ذلك شركة إلكترونيات متوسطة الحجم فتَحَت عملية ابتكارها بشكل كبير، وتستخدم أنماطًا تعاقدية متنوعة للتعاون مع الشركاء الخارجيين؛ كالمشاركات، وصفقات الترخيص، واتفاقيات الترخيص المتبادل. وتشمل هذه التعاونات نقلًا نشطًا للتقنية إلى الداخل والخارج.
دلالات على الأداء المالي
تُظهر الشركات في المجموعات الأربع مستويات مختلفة من الأداء المالي؛ فقد أظهرت دراسة المقارنة وجود فَرق كبير في متوسط العائد على المبيعات، وأقل متوسط عائد على المبيعات كان من نصيب “ينابيع التقنية”. فهذه الشركات تركز على تطوير التقنية داخليًّا أكثر من اعتمادها على مصادر خارجية، لكنها تنقل بعض تقنياتها بنشاط. ويبدو أن هذا التركيز الحصري على الابتكار المفتوح الصادر، مع رفض قوي لتبنّي الابتكار المفتوح الوارد، يضر بالأداء المالي. وتوضح هذه النتائج خاصةً مخاطر الابتكار المفتوح الصادر، الذي قد ينجم عنه تقوية المنافسين من خلال نقل “جواهر التاج” المؤسسية. فإذا فتَحَت الشركات عمليات ابتكارها فقط باتجاه الخارج، فإنها تَحرِم نفسها من فوائد الابتكار المفتوح الوارد، ويصبح هذا الانفتاح غير المتوازن نحو نقل التقنية للخارج أمرًا خطيرًا. أما “انعزاليّو التقنية”، أي الشركات التي لا تعتمد تقريبًا على الابتكار المفتوح، فقد كان متوسط عائدها على المبيعات أعلى من ينابيع التقنية، لكنه أدنى من إسفنجات التقنية أو وسطاء التقنية. ورغم أن انعزاليي التقنية يفوِّتون على أنفسهم فوائد كبيرة من الابتكار المفتوح، فإن نهجهم التقليدي المغلق في الابتكار يبدو أفضل من التركيز الحصري على الابتكار المفتوح الصادر.
وعلى النقيض، حققت إسفنجات التقنية عائدًا أعلى من ينابيع التقنية أو الانعزاليين. فهذه الشركات تجني فوائد الابتكار المفتوح الوارد، لكنها مترددة جدًّا في السعي نحو الابتكار المفتوح الصادر. وتؤكد هذه النتيجة مجددًا أن الابتكار المفتوح الوارد ضرورةٌ لكثير من الشركات؛ إذ إنه يقلل من مخاطر تطوير المنتجات، وقد يسرّع من وتيرة تطويرها، ويبدو أن هذه الفوائد تفوق الآثار السلبية المحتملة.
أما أعلى متوسط عائد على المبيعات فقد حققه وسطاء التقنية، فهذه الشركات تتبع نهجًا متوازنًا في الابتكار المفتوح؛ إذ ينفتح موظفوها على الابتكار المفتوح الوارد والصادر، وتنخرط الشركات في نقلٍ نشطٍ للتقنية إلى الداخل والخارج، ويشير المستوى العالي لمتوسط العائد على المبيعات في هذه الشركات إلى فوائد مهمة من تطبيق استراتيجية ابتكار مفتوح تجمع بين العمليتين الواردة والصادرة. وقد تنشأ تآزُرات خاصة من الاعتماد المتزامن على الابتكار المفتوح الوارد والصادر. فبعض المبتكرين المفتوحين الناجحين أكدوا في مقابلاتهم فرصًا إضافية للابتكار المفتوح الصادر، اكتشفوها من خلال عمليات الابتكار المفتوح الوارد، والعكس بالعكس.
تحويل مواقف الموظفين
تؤكد نتائج دراسة المقارنة الحاجةَ إلى تغيير مواقف الموظفين إذا أراد المديرون تطبيق استراتيجيات الابتكار المفتوح. وتوحي أمثلة الشركات الرائدة المستفيدة من الابتكار المفتوح بالإجراءات الخمسة التالية لتقليل نزعات لم يُخترع هنا” و”لم يُبع هنا”:
١. ينبغي للمديرين أن ينقلوا استراتيجية الابتكار المفتوح في جميع أرجاء الشركة؛ ففي كثير من الشركات، تتعارض مبادرات الابتكار المفتوح مع الاستراتيجيات التقليدية المغلقة؛ لذا، من الضروري أن تُشرَح استراتيجية الابتكار المفتوح وتركيزها الخاص على العمليات الواردة والصادرة لكل الموظفين المعنيين بالابتكار. وعلى وجه الخصوص، يجب على المديرين توضيح الفوائد التي يمكن تحقيقها من فتح عملية الابتكار.
٢. تحتاج مبادرة الابتكار المفتوح إلى دعم كبار التنفيذيين، ولتقليل تحيزات الموظفين ضد نقل التقنية، فإن دعم المديرين رفيعي المستوى أمر حاسم؛ إذ يمكن لكبار التنفيذيين أن يكونوا رعاة ودعاة للابتكار المفتوح.
٣. ينبغي للمديرين أن يضعوا نُظُم حوافز ملائمة؛ ففي كثير من الشركات، بروزُ نزعة لم يُخترع هنا” و”لم يُبع هنا” إنما تدعمه نُظم الحوافز التي تُفضِّل الابتكار الداخلي، كالحوافز الممنوحة لتسجيل براءات الاختراع للتقنيات المطوَّرة داخليًّا، وقد يُعيد المديرون النظر في نُظم الحوافز ليقللوا من التركيز على الابتكار الداخلي، أو قد يصمّمون آليات حوافز مالية وغير مالية مخصوصة لدعم نقل التقنية، كجائزة الابتكار المفتوح.
٤. تستطيع الشركات أن تصوغ هياكلها التنظيمية بما يُيسِّر الابتكار المفتوح؛ فقد أنشأ كثير من الشركات الرائدة هياكل تنظيمية تشجّع مبادرات الابتكار المفتوح وتنظّمها. فبعض الشركات تتخذ نهج التكامل وتؤسس وظائف مخصَّصة لتنسيق الابتكار المفتوح الوارد والصادر، بينما أنشأت شركات أخرى وحدات أكثر تخصيصًا لإدارة أنشطة الترخيص الخارجي أو التحالفات الاستراتيجية في البحث والتطوير، وكلا النهجين التنظيميين يُسهم في تقليل تردّد الموظفين في تنفيذ استراتيجيات الابتكار المفتوح.
٥. يجب على المديرين أن يُرسِّخوا اتجاهات نقل التقنية المفتوحة في ثقافة الشركة المؤسسية؛ فبعد إتمام الخطوات السابقة، ينبغي للمديرين أن يحرصوا على أن تحقِّق شركاتهم بعض الإنجازات السريعة التي تُظهر فوائد الابتكار المفتوح داخل المنظمة. فمثل هذه الخبرات الإيجابية مع الابتكار المفتوح تُعد وسيلة ممتازة لتقليل نزعات لم يُخترع هنا” و”لم يُبع هنا”.
مواجهة التحديات المقبلة
لقد أرست كثير من الشركات استراتيجيات الابتكار المفتوح، لكنها أخفقت في تنفيذها بنجاح. وقد أظهر بحثنا المقارن أن تحديات تنفيذ استراتيجيات الابتكار المفتوح تنبع من نزعات “لم يُبتكر هنا” و”لم يُبع هنا” بين موظفي كثير من الشركات. وتشير هذه النتائج إلى أنه لا ينبغي للمديرين أن يُبسّطوا تحقيق فرص الابتكار المفتوح عبر التركيز المفرط على صياغة الاستراتيجية، بل إن سعت الشركات إلى جَني ثمار الابتكار المفتوح، فإن حياد اتجاهات الموظفين يُعد أساسًا حاسمًا، وتغيير تلك الاتجاهات يتطلب بعض الوقت. وتُظهر الآثار الإيجابية لأداء بعض استراتيجيات الابتكار المفتوح أن التنفيذ الناجح لعمليات الابتكار المفتوح الوارد والصادر قد يكون ذا فائدة، ومن المتوقع أن تزداد الحاجة إلى تطبيق الابتكار المفتوح أهمية في المستقبل؛ إذ إن الاقتصار على الابتكار الداخلي لن يكون خيارًا ممكنًا.
المراجع
1. O. Alexy, P. Criscuolo and A. Salter, “Does IP Strategy Have to Cripple Open Innovation?,” MIT Sloan Management Review 51, no. 1 (2009): 71-77.
2. L. Huston and N. Sakkab, “Connect and Develop: Inside Procter & Gamble’s New Model for Innovation,” Harvard Business Review 84, no. 3 (2006): 58-66; and U. Lichtenthaler, “Open Innovation: Past Research, Current Debates, and Future Directions,” Academy of Management Perspectives 25, no. 1 (2011): 75-93.
3. F. Siebdrat, M. Hoegl and H. Ernst, “How to Manage Virtual Teams,” MIT Sloan Management Review 50, no. 4 (2009): 63-68; and U. Lichtenthaler, H. Ernst and J. Conley, “How to Develop a Successful Technology Licensing Program,” MIT Sloan Management Review 52, no. 2 (2011): 17-19.
4. Lichtenthaler, Ernst and Conley, “How to Develop a Successful Technology Licensing Program.”
5. Lichtenthaler, “Open Innovation.”
6. D. Kline, “Sharing the Corporate Crown Jewels,” MIT Sloan Management Review 44, no. 3 (2003): 89-93.
7. U. Lichtenthaler, H. Ernst and M. Hoegl, “Not-Sold-Here: How Attitudes Influence External Knowledge Exploitation,” Organization Science 21, no. 5 (2010): 1054-1071.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




