تقديم
إذا كانَت للفَلسَفةِ الفرنسيَّة المُعَاصِرَة من مِيزَةٍ اليَوم، فهي أنَّها المَعرُوفَةُ بتأسيسِ تَقليدٍ فِكريٍّ فريد لا تخطئه عَينُ النّاظر. إذ يَصعبُ فهمُ مَسار الفَلسَفة الفرنسيّة المُعاصِرَة بَعيدا عن علاقتها الحميمَة بالأدب، وذلك بمعنَيَين: من جهة كونه مادّة التّفكِير الخَامّ؛ ومن جهة كونه ”الوسيط” الذي تَشَكلت فيه أهمّ الأطروحات الفلسفيّة وأقامَت فيه دعائمها.
لقد انفرَدت فرنسا -من بين بُلدَانِ العَالَم قاطبَةً-بتمازج بين التقليد الفلسفيّ والإرث الأدبيّ والإنسانيّ بعامّة؛ بله دوَرانهما في فلكٍ واحد. وهذا هو مَصدَرُ الصّعوبَة الكامنَة اليَوم في تَصنِيف أعمَالِ مُفكّرِين مُعاصِرين مثل جورج باطاي، وموريس بلانشو، وجاك لاكان، وجاك ديريدا وتلامذته…وقد كانَ النّثرُ عندَهُم مَطبوعًا بمَيسَمٍ تخييليٍّ بارز، و”طابعٍ أدبيّ” يَهدِم مُسبَقا كلَّ تَفرقَة صارمَة بينَ الفلسَفة والمنتوج الأدبيِّ، وبينَ النّظريّة والكتابَة. وإذَا مَا صَرَفنَا النّظرَ عن الأعمَال الكُبرَى والمصَنّفَاتِ ”العُمدة”، يبدو أنّ الشّاهد على هذه المُمَاسَّة بين الحَقلَينِ الأدبيّ والفلسفيِّ مجلة TELQUEL (1960-1982) التي كانَت منبرًا جمَعَ المُبَرّزين من الفلاسِفَة بأعلاَم الأدَب الرُّوّاد في تلك الحقبة. فحينها لم يَكن التّفكيرُ في فرنسَا، أو في باريس على الأقلّ، يَعني سوى الكتابَةِ أوّلاً وقبل كلِّ شيء، وهذا معنًى مختلفٌ تمامًا عمّا سَادَ بداخِل التّقاليد التجريبيّة في العالم النّاطق بالإنجليزية، أو المثاليّة التأمليّة في الفِكر الأَلمانيّ.
مَدارُ هذه الوَرَقة على تِبيَانِ هذا التواشج بين الفلسفيّ والأدبيّ؛ كما يتجلى في أعمال الفيلسوف الفرنسيّ جاك رانسيير، وتتَكثَّفُ دَلاَلاتُه في مَفهومَي ”تَقسيمِ المحسُوس” و”سياسَة الأدَب”. وسوف يُنظَر في هذه المسأَلَة بتوسط ثلاث نِقاطٍ رَئيسَة هي: أولا، الابانة عن مَوقِع جاك رانسيّير في الفِكر الفرنسيّ، ثانيا، إيضاح الانعطاف من نظام التمثيل إلى الأدب، ثالثا، تِبيان دور الأدب في تقسيم المحسوس.
مفاهيم مفتاحية: الأدب، المساواة، تقسيم المحسوس، سياسة الأدب،
أولا : موقع رانسيير في الفكر الفرنسيّ
ينتمي الفيلسوف الفرنسيّ جاك رانسيير Jacques Rancière (1940-) إلى تَقليدٍ فَلسَفيٍّ مُعاصِر ضاربٍ في الأصالة بسهمٍ وافر. والمقصود بالكلام تَقليد يَشي بـأنّ كلَّ اسمٍ يَبرزُ في عِدَاد جَمهرَة ِما يُعرَف بـ”النّظريّة الفرنسيّة” لابد أن يُذَكّر بكُتّابٍ وأُدَباء يَكونُ من شَأنهم أن يَتنزّلوا، بهذه الطريقةِ أو تلك، عند الفيلسوف المعنيّ بمنزلة السَّبيل السَّالكةِ لبلوَرة مُشكلاَتٍ مُعيّنة عَسيرَة[1]؛ لم يَكن لهَا أن تتَبلوَر بغير ذلك التّدبِير. ومَعلُومٌ في سياقٍ كهذا أمر علاقة ديريدا النّقدية بأرتو Artaud، وجويس Joyce، والشاعر بول تسيلانCelan ، ومالارميه Mallarme ، وكافكا Kafka…وكذلك لايخفى أنّ كريستيفا بدَأت مَسَارَها في النظريّة بـأبحاثٍ رفيعة همَّت الشعر الطلائعيّ[2] لدى كل من لوتريامون Lautréamont ، ومالارميه. وأما شغف فوكو المشهور بدوستويفسكي Dostoïevski، وبورخيس borges وساد Sade – وهو مؤسّس الأدب الحديث في نظره[3]– بموازاة دراسته لأعمال روسل roussel، فخير دليلٍ يَكشفُ عن الالهامات الأدَبيَّةِ في فكرِه، وقل الشيء نفسه عن دولوز؛ إذ ارتبط مشروعه أكثر بأعمال لويس كارول، وكافكا، و كذا وولف، وملفيل،و وبروست… ولا يَشُذ ليوتار عن هذا التقليد أيضا؛ حتى وإن كان تلميذا للفنُون البَصرية أساسًا…
وبالرغم ممّا أوردنا أعلاه، فإن ألتُوسير-وهو أحد أعلام النظريّة الفرنسيّة أيضا- أراد ومدرَستُه أن يكونا شيئًا ما استثنَاءً من هذا النّمط المتجذر، وخروجًا على هذا التّقليد. إذ بدا أن ألتوسير يكاد يَكون هو الفيلسوف المتفرد من بين هذه الكوكبَة من الكُتّاب الفرنسيِّين بافتقاده للمُيُول الأدَبيَّة. فقد اختار أن يكون أسلوبه في الكتابة جافا وكان هواه التدقيقُ والغوصُ في التفاصيل المفهوميّة، ونادرا ما وُجدت إشارَةٌ إلى أيِّ مَصادِر أدبيّة تُلهِمُه. وآية ذلك أنه في إطار تَقسيم العَمَل الذي وَسَم برنامجه الطَّمُوح لقراءة كتاب رأس المال[4]؛ كانت المسؤوليّات الأدبيّة قد أُلقِيَت على عاتِق بيير ماشيري Pierre Macherey أساسا، وبذلك أصبح الأستاذ ألتوسير في حِلٍّ من كلِّ ”التزَامٍ” أدبيّ إزاء الأسلوب.
ولئن حقّ أن رانسيّير لم يَنل حَظّه من الشُّهرَة كما نال أضرابُه الفَرنسيّون من المحسوبين على ما اصطُلحَ عليه بـاسمfrench theory » «، فإنّه يَظلّ-من بين كلّ الذين أسهَمُوا في المشروع الواعد لإعادة قراءَة رأس المال– هو الفيلسوف الذي أوفى بوعد ”التّفلسف الأدبيّ” حقًّا. وذلك لأنَّ عمَله الفكريّ ليس مُجرّد دراسَاتٍ مُتَفرقة عن هذا الأَديب أو ذاك، يُحرّكها حسّ مُقارَبة ”التّخييل” فِكريًّا أو حتى تَمَلُّكه نظريًّا، وإنما كان في جمُلَته سَعيًا إلى مَحو الّتفرقة بين الميدان الفلسفيّ الأثير والأرضيّة المفتوحة لما سمّاه بـ”الحرف الصَّامت والتّائِه”.
ثانيا: رانسيّير ومبدأ المساواة، أو من نظام التمثيل إلى الأدب
لابد لي من التّنبِيه هنا على أنّ ما سَيَرد في هذه الوَرَقة ليس تَفسيرًا، ولا قولاً شارحًا. وذلك أنّ الفيلسوفَ نفسَه-كما بَيّن أحد البَاحِثين[5]-يَبتَعد عن هذا المنوال، ويمتَعضُ من هذه المسَالك المتّبَعة في التّعامُل مع الفكر، سواء أكان فلسفيًّا أم سياسيًّا أم جَمَاليّا (والخطاب عند رانسيير تَتوزّعُه هذه الأقطابُ الثلاثة). لقد رأَى الفَيلَسُوفُ أنّ مَسالِكَ-أو بالأحرَى مَزاعمَ-التّفسير والشَّرح… تُخاِلف أهمّ ما يَسِم فِكرَه المتنَوّع؛ وهو مبدأ المساواة. إنّ رانسيّير مُعتَرضٌ على نهج التّفسير والمسَلّمات التي يَنطلقُ منها في عَلاقَةِ هذا الفِعل بعُقول الطّلاب والقُرّاء، والمشاهدين؛ في المجال الفنيّ. إن رانسيّير لا يرَى نفسَه إلا قارئًا، ولذلك فإني لستُ أكبر منه مقامًا، فكلُّ ما سأقدمه مُختصرًا في هذه الورقة لن يكون سوى مفاتيح لقراءة رانسيّير، لا شروحًا أو تَعاليقَ بالمعنى المدرسيّ، ولا حواشي تُضَاف على المتن… وبالرغم من ذلك، وجب تَقريرُ أن رانسيّير ليس بالقارئ العاديّ، لأنّه يَقلبُ مَنظورَنا المُعتاد للأشيَاء، ويَتبيّن ذلك في نُقطَة الخِلافِ الأُولى مع أستَاذه ألتوسير.
أعلن رانسيير القطيعة مع أطروحاتِ أستَاذه ألتوسير رسميًّا بصدور كتابه المُسمّى دَرس ألتُوسير[6] سنة 1974. وأكثرُ ما أثارَ اعترَاضَ رانسيّير في فكر أستاذه هو صورة الفيلسوف الملك ( la posture du philosophe roi ) التي يَتبنّاها، ومُختصرُها كائنٌ ”يُحَلق” فوق المجتمع- بتعبير كلود لوفور[7]– ويرصده من علٍ، ويَزعم القدرَة على كَشف حَقيقَة هذا المُجتمَعِ للنّاس. ويأتي بعد هذا سبَبٌ آخر لابتعادِ رانسيّير عن أستاذه مُتَّصلٌ بذاكَ؛ وهو أن ألتوسير قد أشاع في سنوات الستينيّات فكرةً مُفادُها أنه إذا كان المسيطَر عليهم قد خَضعُوا للسَّيطرَة فذلك لأنّهم يجهلون قوانينَ السّيطرَة. ولذلك، فمن شأن العلماء أن يُزودوا الجماهير بالحقيقة؛ بعدمَا كانَت تعمَه في غيَاهِب التّغميض والتجهيل الممَنهَج، فالجمَاهير عاجزَةٌ عن تمَلُّك مَصيرها بأيديها. والدافع إلى الاعترَاض على هذا النهج في النّظر عند رانسيّير أنه لا يجوز لنا أن ننطلق مبدئيًّا من ”اللامُسَاواة ثم نسلكَ فيما بعد طريق إبطالها”.
إن المساواة ينبغي أن تكون مُسلَّمَة، أو لا تكون شيئًا البَتّة. وبدلا من ذلك، يدافع رانسيير عن فرضية تقول إنّ ما يُقلِقُ السِّيَاسَةَ ليس نقصا في المعرفة، ولا سوء التكوين المعرفيّ لدى الطبقات المهمشة، ولا سُوء الأحوال في اللحظة التاريخيّة المعيشة، بل إنّ مُشكلتَها الأساس، وداءَها العويص هو الفشل في اعتناقها المساواة قَبليًّا وتجسيدها، تلك المساواة التي نَسعى جُهدَنا-و ياللمفارقة !-لتحقيقها في العالَم باتخاذ كلّ الوسائل المتاحة (الثورة الاجتماعيّة مثلا).
وبناءً على ما تَقدَّم بنا، يرى رانسيّير أن العُمّال، والكادحين بعامّة، قادرون على التّفكير. وتَقتَضي منّا هذه المصادرَة التخلي عن طريقة ألتوسير في تعريف العلاقة بين الممارسة السِّياسيّة والنّظرية، كما أنّ افترَاضَ المساوَاة عموما يقتضي أشكالاً جديدة في القراءة، وأنماطا جديدة في الكتابَة والتّنظيم أيضًا. لا يُوجَد أبعد من قلب رانسيّير-كما يرى جوزيف تانك JOSEPH J. TANKE [8]– أكثر من أولئك الذين يُريدون إقامَة خُطُوط التَّفرقَة وتَشييد صُرُوح التراتُبيّات، بكلّ أشكالها، سواء أكان ذلك بين النّظرية والممارَسَة، أو بينَ العِلم والأيديولوجيا، أو بين المفكرين والعمّال، بدلاً من الاقرَار ببداهَة أنّ العالَم غيرُ قابل للقسمَة على أسَاس العقل أو القُدرَة العَقليّة.
يقوم تصور رانسيّير للأدب إذًا على هذه المسلمة الأساسيّة(المساواة) فما هو هذا الأدَب القائم على مُسَلمّة المساواة؟ وما سياسَة الأدب؟ وما علاقتها بتقسيم، أو توزيع، المحسُوس؟
يبدو أنّ ”ما الأدب؟” فلسفيّا، في العصر الحديث، سُؤالٌ سارتريّ[9] في المقام الأوّل. وأوّل جَوابٍ قدّمَه رانسيّير على سُؤال سارتر بسيط: أنّ الأدب كما نعلمُه اليوم قد نَشأ في بدايَة القرن التاسِع عشر، في إطار” الانعطاف في النّموذج” الذي أحدثَته الرُّومانسيَّة الألمانيّة في ذلك الابّان. ليس مُصطلح الأدَب مُصطلحًا عابرًا للتاريخ يُشير إلى مجمَل نتاج فنون الكلام والكتابة، فاللفظَةُ لم تَكتَسب معناها المعروف اليوم إلا في وَقتٍ مُتأخّر، حيث فقدَت معنَاها القديم بما هي مَعرفَةٌ خاصَّة بالمتعلمين في القرن التّاسع عشر فقط في أوروبا، وصارَت تَعني فنّ الكتابة بحد ذاته. ويُعدّ كتابُ مدام دوستايل الذي يحمل عنوان « de la littérature considérée dans ses rapports avec les institutions sociales »؛ والصادر سنة 1800 بيانًا شاهدا على هذا الاستعمال الجديد للكلمة في مُعظَم الأحيَان. مع أن العديد من النُّقاد قد تصرّفُوا وكأنّ الأمر يتعلق باسم لشيء آخر.”[10]وسوف نفهم هذا التّحوُّلَ في النموذج حين نَتَبيّن مُقتَضيَات نِظامِ التَّمثِيل المورُوثِ من أرسطو.
يُعدّ أرسطو أبرَز من دافع عن نظام التمثيل(la représentation) القديم، فالشعر في رأيه لا يَتحدَّدُ بحسَبِ استعمَالٍ خاصٍّ للغة، بل وفقا لمبدأ التّخييل. وما التَّخييل إلا محاكاة أناس فاعلين. ويُؤكد رانسيّير أنّ هذا المبدأ البسيط في ظاهرِه يُحَدّد سياسَةً ما للقصيدة. ومعنى ذلك أنه يَضعُ العقلانيَّةَ السّببيَّة للأحدَاثِ في مُقابِل تَجريبيَّة الحياة. كما أنه يجعل تَفوقُ القصيدَة (التي تُسَلسل الأفعال) على الحكايَة (التي تَروِي تَتَابُع الوقائع) نظيرًا لتَفوُّقَ البَشر المشَارِكين في عالَم الفِعل على أولئك المحبوسِين في عالم الحياة؛ أي عالم إعادة إنتاجِ الوُجُود فحسب. ومن هنا يرى رانسيّير أن التَّخييلُ يَنقسِم، بحسَب هذه التّراتُبيّة، إلى أنواع: فهناك الأنواع النَّبيلة المُكرَّسَة لتصوير أفعال وشخصيَّات نَبيلَة، وهناك الأنواع الوضيعة المكرّسة لحكايَات العوام. وفضلا عن ذلك، تُخضِعُ تَرَاتُبيّة الأنواع تلك الأسلوبَ لمبدأ اللياقة: إذ يجب على الملوك أن يتكلموا كالملوك، وعلى العوَام التّكلم كالعَوام.[11]
ثالثا: سياسة الأدب وتقسيم المحسوس
تعود فكرة رانسيير عن الأدب-المشار إليها أعلاه- إلى ما وَرَد عند جان لوك نانسي وفليب لاكو لابارت في كتاب لهما مُتقدِّم بالزّمَان حمل عنوان ”المطلق الأدبيّ” L’absolu littéraire [12] . وهو كتابٌ يشمَلُ إصدارَهمَا لنصوصٍ مَفاتِيح في الرومَانسيّة الألمانيّة. وعندهما أنّ ما يُحَسب لهذه الحركة الفكريّة والأدبيّة وما ابتدعته هو تصور عن الأدب مُهيمِن مازلنا نعيش على آثاره إلى اليوم. إنه الأدب بما هو فن الكتابة بالمعنى المطلق، الذي حلّ في محلّ الشعرية الكلاسيكيّة الجديدة للتمثيل، التي كانت مطبوعة بمبادئ تصنيفيّة عن تقسيم الأعمال المكتوبَة إلى أجناس مختَلفَة وأجنَاس فرعيّة(أنواع)، والتي اشترطت مبادئ معياريّة للنحو الذي تكون به أعمالٌ داخل هذا الصنف أو ذاك ممثلةً لمَوضُوعهَا.
لقد تَصوَّر الرُّومانسيُّونَ الألمان الأوَائِل فنّا شاملاً بما هو كذلك، وهو الأدب. أكد نانسي ولاكو لابارت بأنه حتى وإن كان الرومانسيّون الألمان الأوائل قد استعمَلوا ألفاظا أخرى غير ‘الأدب” (مثل رواية، عمل، شعرية،) فإن ما قصدوا إليه كان هو هذا المفهوم الجديد الشّامل عن الأدب بالمعنى المطلق للفظ. وقد ظهر تأثير نانسي ولاكو لابارث واضحًا في تصور رانسيير للأدب. كما ظهر تأثير النقد الأدبي الماركسيّ في أعماله عمومًا. والرأي الذي يقول إنّ فكرة مفهوم الأدب قد ظهرَت نهاية القرن التاسع عشر كان قائمًا قبلا في أعمال رايمون وليامز raymond williams وبيير ماشيري، غير أنه لمّا كان الأخيران قد عُنينَا أساسا بوصف كيفيّة انبثاق الأدب من رَحم التغيّرات الاجتماعيّة والاقتصادية والجماليّة المتداخلة، فإنّ رانسيّير كان أقلّ اهتمامًا بالشّروط الاجتماعيّة. ومع أنّ مفهوم الانعطاف من التّمثيل إلى الأدب ليس فريدا عند رانسيّير فإنه يقدم تفسيرا مفصلا للعلاقات بين المبادئ الجديدة للأدب والقواعد القديمة للتمثيل، كما هو الشأن بالنسبة إلى التناقضَات الداخليَّة في هذه المبادئ الجديدة.[13] ومختصر هذا الانعطاف هو ما يحاول رانسيير التعبير عنه من خلال استعمال عبارة ”سياسة الأدب”.
وجبَ التَّنبيه هاهنا على أنّ هذه العبارة عند رانسيير لا تعني أثر الأدب في السياسة، والفكر السياسِيّ وتكوين الرأي العام، ولا تمثيل الأحداث السياسية، والبني الاجتماعية في الأدب، ولا الرّؤَى السياسيّة والالتزامات السياسية للكاتب، ولا علاقة الأدب بأشكال التعبير السياسيّة الأخرى، فسياسة الأدب عند رانسيير تقدم منظورا فريدا بخصُوص عَلاقة الأدَب بالسياسة. ونفهم ذلك عندما نتبَيّن أنّ مَوضُوع السّيَاسَة، في تقدير رانسيّير، هو ما نَرى وما يَسعنا أن نقوله عنه، ومن له الكفاءَة لرؤيته، والجدَارَة ليُفصِح عنه، ومَوضُوعُهَا أيضًا هو خَصَائِصُ الأمكِنَة وإمكَانَاتُ الأزمنة.[14]
من هذا المنطَلَق يَرى رانسيّير الأدَبَ بمنظَارٍ يَكونُ بموجبِه ضربًا من الفِعل السّياسيِّ؛ لا فقط انعكاسًا للعالَم. إنَّ الأدَبَ يُدخِل الاضطرَابَ على نظامِ الأشيَاءِ القائم من خلال مُسَاءَلة تَقسِيم المحسُوس[15]؛ وهو النحو الذي يوزّع به المجتمع، أو يُقسِّم، ما يمكن أن يُرَى، وما يُسمَع وما يُقَال. إن الثورة الأدبية في القرن التاسع عشر كانَت حدثا سياسيًّا؛ بحكم أنها تسائل التراتبيّات التقليدية المتجذرة في الثقافة والمجتمع. حيث عمل كُتّابٌ مثل فلوبير، وتولستوي، وملارميه، من خلال التجريب الذي انخرطوا فيه بتوسط اللغة، والشكل، على إزعاج الأنماط القائمة في فهم العالم. ومن هنا يؤكد رانسيير أنّ الأدب يَستطيع أن يبتدع مواضيع سياسية جديدة من خلال منح صوت لأولئك الذين قد تعرضوا للتهميش، واستُبعدُوا من دائرة الخطاب المهمين.
يَرفُضُ رانسيّير تأويلَ سارتر لهذه الثورة السِّياسيَّة التي أحدَثَها رُوّاد الأدَبِ الحديث في القرن التاسع عشر. وذلك أنَّ سَارتر لم يرَ لهم من إسهَامٍ في حَركيّة الفكر سوى التّحجّر اللغويّ الذي أنتج أدَبًا خالِصًا. وهو إسهَامٌ لهم يَندَرجُ في استراتيجّية الطبقة البرجوازيّة. إذ رأى رانسيير أن فلوبير وملارميه وزُملاؤُهما-في تقدير سارتر- يَدَّعُون رَفض أسلوب التّفكير البرجوازي ويحلمون بأرستقراطيّة جَديدَة تحيا في عالم من الكلمات المتطهرة هو أشبه بحيِّز حميم من الحجارَة والأزهار النّفيسة. وفي هذا المعنى يورد: ”ويُلَخِّص باربي دوريفيلي نَقد هؤلاء بالقول إنّ فلوبير كان يقود عباراته ويدفعها أمامَه كما يَفعَل عامِلُ الحفر والرّدم بالحجارة على نَقّالَته. ”[16]
لكن رانسيير يرى، بخلاف سارتر، أنّ ”تحجير اللغة” وفقدان حسّ الفعل والدلالة الانسانيَّين قَوّضا هذه التراتبيّة الشعريّة المتوافقة مع نظامٍ محَّدد للعَالَم. وأكثر ما يتبدى في هذا التقويض هو إلغاء كلّ أشكال التراتبيّة بين الموضُوعَات والشخصيّات، وكلّ أشكال التطابق بين الأسلوب والموضوع أو الشخصيَّة، ولقد دفع فلوبير مبدأ هذه الثورة، الذي تمّت صيَاغته مع بداية القرن التاسِع عشر في مقدمة قصائد غنائية للشاعرين وردزورث wordsworth وكولردج colridge، إلى حُدودِه القصوى. فلم تعد هناك موضوعات جميلة ولا موضوعات رديئة… بل لم يعد هناك موضوع على الاطلاق. وقد كانت إطلاقيّة الأسلوب الصيغة الأدبيّة لمبدأ المساواة الديمقراطيّ، وهي تتَوَافَقُ مع إلغاء التفوق القديم للفعل على الحياة ومع الترقية الاجتماعيّة والسياسيّة للعوامّ، أي لأشخاص منذورين لتكرار الحياة العارية وإعادة إنتاجها[17].
ختامًا:
أشَرتُ فيما تَقدَّم بنا إلى أنّ رانسيّير يُعرّف نفسَه قارئًا لتاريخ الفكرِ الفلسفيّ والجمَاليِّ والسياسيّ، ويتعلق الأمر في هذا السّياق بإعادة قراءة الأحكام التي أطلقها سارتر في كتابه ”ما الأدب؟” على أبطَال الأدَب في القرن التاسع عشر، وفلوبير منهم بخاصّة (الانكفاء العدميّ وتحجير اللغة). وربما يكون رانسيير ملتزما على غرار سارتر، لكنه مُلتَزمٌ على طريقته الخاصّة؛ لأنّه يبتعد عن مفهوم التمثيل، والتمثيلية في الأدب، ويُعنَىبالنّحو الذييُسِهم به الأدَبُ في تقسيم المحسوس، أي النّحو الذي يُدخل به النص الأدبيّ الاضطراب على الأنحاء التي تتم بها رؤية الأشياء والكلام عليها. والجدير بالذكر أنه لست هناك لحظةٌ تَقريريَّةٌ في مسلَك القراءة هذا، إذ لا يوجد إلا انفكاك لعُرَى الروابط بين الكلمات والأشياء. وهو ما يدعونا إلى أن ننظر إلى الأدب من جهة ما هو قوّة ديناميّة لها منطقها الخاصّ، بإمكانها أن تُغيِّر الوضع القائم وتَخلُق إمكانات جديدة للفعل السياسيّ. أما الغاية البعيدة في قراءة رانسيير تلك فهي تَقويضُ الحواجز التي تحاول الفلسفة أن تضعها بين ”حقائقها”، وحشود الأنام المُستبعَدَة منها. وخلاصة القول مما ذُكِر آنفًا أنّ الفلسفة هي الكتابة، والكتابة-بما هي لغة-تنتمي إلى الديموس؛ وذلك حين تكون كتابَةً مُصمَّمَةً على شاكلة آلة لإنطاقِ الحيَاة؛ كتابةً تَفُوق الكلاَم الديمقراطيّ بُكمًا، وفي الوقت نفسِه تَفُوقه نُطقًا: أي كلامًا مَكتوبًا على جَسد الأشيَاء، مُنتزعًا من أبناء الدهماء على حَدِّ تَعبير رَانسيّير نَفسِه.
[1] .Julian Murphet & grace Hellyer (ed), Rancière and literature, (UK: Edinburgh University Press Ltd, 2016)
[2] Voir Julia Kristeva, la révolution du langage poétique. L’avant-garde à la fin du XIX siècle, Lautréamont et Mallarmé, (Paris : Seuil, 1974).
[3] Michel Foucault, « Folie, Littérature, Societé » ]1970[, dans dits et ecrits I,1954-1975,éd D.Drefet et F.Ewald, (Paris :Gallimard,2001),p.977.
[4] Voir Louis Althusser et al. Lire le capital, (Paris : PUF, 1965).
[5] Joseph j. Tanke, Jacques Rancière : an introduction, (India : continuum, 2011) p.1.
[6] Voir Jacques Rancière, la leçon d’Althusser, (Paris : La fabrique, 2012] [1974).
[7] CF. Claude Lefort, Essais sur le politique, XIXe-XXe Siècles, (Paris : Seuil, 1986).pp.275-329.
[8] Joseph j. Tanke, Jacques Rancière : an introduction, op.cit., P.15.
[9] Voir J.P Sartre, qu’est-ce que la littérature, dans : jean–Paul Sartre, situations II (Paris : Gallimard, 1947-1948).
[10] جاك رانسيير، سياسة الأدب، ت. رضوان ظاظا، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،2010)، ص 17.
[11] رانسيير، سياسة الأدب، مرجع مذكور، ص.24.
[12] Philippe Lacoue-Labarthe & J.L Nancy, L’absolu littéraire, théorie de la littérature du romantisme allemand, ( Paris : Seuil, 1978).
[13] Olivier Davis, Key contemporary thinkers: Rancière, (Cambridge: Polity Press, 2010), p.102 .
[14] Jacques Rancière, Le partage du sensible, esthétique et politique, (Paris : la fabrique,2000), p.14.
[15] هذه فِكرَةٌ أفلاطونيَّة في الأصل تَقُول: يجبُ أن يَكونَ كلُّ شيءٍ في مَكانِه الخاصّ بحسَب مُؤَهِّلات الطَّبيعَة، وأن يؤدي كل فرد الدور المنوط به بناءً على قدراته الطبيعيّة.
[16] رانسيير، سياسة الأدب، مرجع مذكور، ص.21.
[17] نفسه، ص.25.




