ففيها تلتقي الشركات الناشئة والباحثون والمستثمرون، وتزداد الفرص لحث الابتكار المؤسسي.
ترجمة: فطيم العتيبي
بقلم: فيليب بودين وفيونا موراي
يشتدّ التنافس بين الشركات على تحقيق الابتكار، بما يحفّزها على البحث عن أفكارٍ جديدةٍ واستقائها من مواردَ متعدّدة. غير أنّ القدراتِ الابتكاريةَ للمؤسسة لا تتوطّد، ولا يظهر أثرُها، لمجرّد رعايتها لفعالية «البرمجان» (الهاكاثون)، أو بسبب تواصلٍ غير مخطّطٍ له مع المسؤولين في مسرّعات الشركات الناشئة. ومع ذلك، تُخفِق شركاتٌ كثيرةٌ وتُقصّر في انتقاء النظم الابتكارية المحيطة بها، فتفوّت فرصًا ثمينةً مواتية.
وتبلغ هذه النظمُ الابتكارية مرادَها بتكثيف أعمال الابتكار وريادة الأعمال والانشغال بها. ولمنظومةِ الأعمال تنظيماتٌ يشترك فيها خمسةٌ من أصحاب المصلحة: معاهدُ الأبحاث، وروّادُ الأعمال، والشركاتُ، والمستثمرون، والحكومات. وتجمع بينهم روابطُ اجتماعيةٌ راسخة، ويحكمهم تحالفُ المصالح، وتُتمّ علاقتَهم تنوّعُ الضروراتِ والثروات، وتشدّ أزرَهم الثقة. (كما في الشكل المرفق).
وتُظهر أبحاثنا نشوء نظم ابتكارٍ جديدة في كل مكان؛ فهي ليست حكرًا على المراكز المعروفة، ومع أن هذه الأعمال التجارية تختلف معارفها وتخصصاتها مقارنةً مثلًا مع مركز وادي السيليكون،[1] فإنها تشتغل بتوسيع الفرص الإقليمية لانتقال الشركات إلى مواقع جديدة، كما يحفّز التواصل الرقمي مشاركةً أوسع للشركات في مناطق مختلفة. وتسعى الشركات لتحقيق أهدافها في مجال الابتكار، فيتعين عليها اتباع طريقة منهجية لتحديد وسائل التنافس وضمان التفوق والنجاح بالعمل مع مؤسسات الابتكار. ونستعرض معكم الإطار الذي طورناه وعملنا عليه مع مئات الشركات من كل حدب وصوب، وهو إطارٌ ذو منهجٍ علمي لفهم التواصل الاستراتيجي،[2] يساعد المسؤولين على تجنب المزالق الشائعة عند تعيين شكل ومكان العمل التجاري قبل أن يحددوا ما يحتاجون إليه، ويساعدهم كذلك على تعيين أطراف هذا العمل والمشاركين فيه، قبل أن يحددوا ذوي الشأن في المنظومة الذين هم الأساس لبناء العلاقات.
الأساليب الركيكة المانعة للاستفادة من نظم الأعمال
تسعى شركاتٌ كثيرة إلى الانتفاع بأنظمة الابتكار، غير أنها تقع في فخاخٍ متعددة، وينتهي بها الأمر إلى محدودية النتائج وقلّتها رغم ما يُبذل من جهد. وينشأ عن سوء التدبير – الناجم عن تقصير المديرين التنفيذيين في صياغة أهدافٍ واضحةٍ لأعمالهم، وفي تنظيم تواصلهم مع الأطراف الأخرى – خللٌ وبلبلة داخل الشركات؛ فلا تجني إلا فوائدَ يسيرة، وتُضيّع فرصًا مهمةً للمنظومة ككل. ولسوءِ هذا التدبير شواهد.
أولًا: نلحظ أن مديري الشركات يُفرِطون في الجهد والبذل – بما في ذلك الاشتغال بأعمالٍ مختلفةٍ في أماكنَ متباينة – فتراهم ينخرطون في أعمالٍ كثيرة ويشتغلون بظاهرها، فتغلب على ممارساتهم سماتٌ تجاريةٌ وسلوكيةٌ تُشابه ما لدى الشركات الناشئة والمستثمرين.
ثانيًا، كثيرًا ما تتصرف الشركات دون انتظام واتساق، فلا يوجد ترابط بين ما تسعى إليه الموارد البشرية من اكتشاف للمواهب، وبين العمل الذي تشتغل به وحدات الابتكار للبحث عن أفكار جديدة، أو تحديد فرق الشركات الناشئة في بادئ الأمر، ولذلك قد لا تكون فرق تطوير الشركات والصندوق المؤسسي للاستثمار اللذان يستكشفان صفقات جديدة للاستحواذ أو الاستثمار، يعرفان أو يفطنان للعلاقات التي أبرمها زملاؤهم في قسم البحث والتطوير، ووطدوها في مرحلة مبكرة عند تأسيس الشركات الناشئة، لينتج عن هذا الخطأ فوضى في منظومة الشركة، والسبب فيه غالبًا قلة الوضوح والجهل بالأهداف والناس الذين يجب التعامل معهم.
ومما استنتجنا في أبحاثنا أن مديري الشركات يحظون بأفضل النتائج إذا اتبعوا منهجًا أرتب وأدقّ للمشاركة في نظم الأعمال، ولكن هذا لا يمنع المصادفة المحضة، ولا يعرقل أمر الإبداع عند الابتكار. ورصانة المنهج مصداق للمثل القديم: “الفرصة تُفضّل العقل المتأهب”؛ فهو يهيئ الشركات لتحين الفرص وتُغتَنم فوائدها مع المبتكرين ورجال الأعمال والمستثمرين. ولذا يتعين على الشركات التخطيط السليم والالتزام بالتواصل المتين والمستمر؛ فأصحاب المصلحة المشاركون في منظومة الابتكار، هم من يقررون جدوى الشراكة مع تلك الشركات والثقة بها، ويقررون إذا كانت مجرد شركات متذبذبة لا جدية في تواصلها وتحوم حولها الشكوك. ومفاد الالتزام ببناء العلاقات امتثال الإدارة العليا والمديرين المعنيين في الوحدات المختلفة، وكذلك مسؤولو ريادة الأعمال في المؤسسة.
نركز في هذه المقالة على ما يُشْكل في أمر العلاقة ويصعّبها بين أصحاب المصلحة الخمسة الرئيسين في المنظومة، أي العلاقة بين الشركات ورجال الأعمال، مع أن إطارنا يمكن تطبيقه في مسألة التواصل المباشر مع أصحاب المصلحة الآخرين، بما في ذلك الجامعات التي يبدأ منها رواد الأعمال رحلة بناء مشاريعهم، وكذلك المستثمرون الذين يتعاونون مع رواد الأعمال كالمستثمرين الملائكيين وشركات الاستثمار الجريء. وكذلك أدركنا فائدة الإطار المقترح للحكومات التي تتطلع للتواصل مع رواد الأعمال، لمجابهة أعتى التحديات التي تقف دون تحقيقها لأهدافها.
فما الإطار؟
تتطلب طريقتنا المنهجية في تطوير استراتيجية للتعامل مع نظم الابتكار، أن يجيب مديرو الشركات عن ثلاثة أسئلة مهمة بالترتيب:
1- ماذا يريدون تحقيقه (وتقديمه) من انخراطهم في منظومة الابتكار؟
2- مع من يفضّلون التعامل؟ ومن يرشحون من موظفيهم لهذا العمل؟
3- ما كيفية المشاركة؟ وهل النهج المتّبع يضمن تواصلًا مثمرًا؟
إن تحديد المؤسسة لموارد الابتكار التي تأمل في تحصيلها، لا بد أن يتماشى مع أهم الأولويات الاستراتيجية للابتكار عند القادة، بجانب التقييم الرصين لقدرات الابتكار ضمن الشركة، الأمر الذي يسهم في معرفة الأصول والقدرات التي يمكن للمؤسسة تقديمها لأهم أعضاء المنظومة. وقد يثير السؤال عن موارد الابتكار التي تريد المؤسسة تحصيلها، أسئلة أخرى قبل فهم الأمور، والإجابة عن مشكلها، فمثلًا، هل تحتاج إلى خبراء تقنيين يشتغلون بأولويات التوظيف، أو هل تحتاج ربما إلى رواد أعمال ذوي مشاريع جديدة ومبتكرة يستطيعون إضفاء حلول جديدة لملف للابتكار وافتتاح إدارات جديدة للعملاء؟ أو أنك تتحين الفرص للتواصل مع ثقافة ابتكارية لتكون جزءًا منها، ولتستبقي المواهب أو تشحذ همم أفرادك وتصقل ثقافتهم؟ أو أين هي أبرز المثالب ومكامن الضعف داخل مؤسستك وبين أفرادها؟ كل هذه الأمور والجوانب لها وقعٌ مختلف عند كل فرد وجزء في الشركة، ولذلك فهذا أمر استراتيجي يناقشه أعلى الهرم في الشركة، وينتج عن المشاركة المثمرة في منظومة الشركة الإجابة عن سؤال “ماذا؟”، وتفسيره لأناس كثر في المنظمة، فهو تساؤل يُمعن النظر في إجمالي الفوائد التي تكسبها الشركة.
تستطيع الشركةُ دمجَ الحلول المتنوّعة لهذا السؤال في استراتيجيةٍ موحّدة لضمان مشاركةٍ مثمرة، مع إمكان أن تتكفّل إداراتٌ بعينها ببعض تلك الحلول. ومع ذلك، لا بدّ للشركة من وضع خطةٍ كاملة، تُحدِّد فيها احتياجاتَها من المنظومة، وتبيّن كيفيةَ التواصل معها والانخراط فيها، حتى تلقى ممن في منظومة الابتكار ترحابًا وتُبهِرهم برصانة أعمالها، وهذا أقلُّ ما يُبذَل.
ومما جرّبناه أن وضوحَ الضرورات وتحديدَها، ووجودَ وعيٍ مشتركٍ بما يسعى إليه كلُّ جزءٍ في الشركة، كلُّ ذلك يرجّح استفادةَ المنظمةِ بأكملها من مصادر التواصل والتفاعل. وأوضحُ مثالٍ على ذلك شركةُ «ماس ميوتشوال»، وهي شركةُ تأمينٍ مقرُّها في سبرينغفيلد بولاية ماساتشوستس؛ إذ رغب قادتُها في معرفة سبل التعامل المثمر مع الشركات الناشئة المزدهرة في منطقة بوسطن الكبرى. وقد نجحت الشركة في تحقيق الابتكار ضمن منظومتها، لكنها أرادت توسيع أعمالها في قطاع الشركات الناشئة، بما يشمل مشاريع التقنية المالية وتقنية التأمين.
كانت الشركات تتبع أسلوبًا قديمًا؛ فترسل فريقًا متخصصًا في المقايضة والاستحواذ، لشراء بضع شركات ناشئة في مجال التقنية المالية ببوسطن، ولكن قيادة شركة (ماس ميوتشوال) أدركت افتقار الشركة للمشاركة المستدامة التي ستنبئها عن استراتيجية الابتكار داخل الشركة، وستزيد في وتيرتها، مثلما تحرص على الاستعانة بمصادر وموارد من خارج الشركة. وكذلك أدرك القادة أن هذه الضرورات تلزمهم التعامل مع جمعٍ من الشركات الناشئة التي ما زالت في بداياتها، ليتمكنوا من تقييم عدد من القطاعات المختلفة ونماذج الأعمال ومنهجيات الشركات الناشئة. ومما أرادوا فهمه كيف يشتغل رواد الأعمال الجدد بعملية الابتكار، كما حرصوا على معرفة الفرص التجارية في مجال التقنية المالية، ومراقبة ثقافة الشركات الناشئة، ومعرفتها أفضل معرفة لبناء ثقافةٍ أسمى وريادة أعمالٍ أرقى. ولذلك اشتركت مع شركة (ماس تشالينج) المتخصصة في تنمية الأعمال في جميع الأسواق،[3] ومقرها وسط مدينة بوسطن، للتعرف إلى الشركات الناشئة في منظومتها، ولم تفلح شركة (ماس ميوتشوال) في تحقيق صفقات آنية (وهذا أمر دارج في معيار رأس المال الاستثماري أو عمليات الدمج والاستحواذ)، ولكن هذا ليس مقياس الشركة لنجاح هدفها، فقد نتجت عن الالتزام الاستراتيجي لمسؤولي الشركة التنفيذيين، فرص للقاء مجموعة منتقاة من فرق الشركات الناشئة والاستفادة من تجاربهم، وضمنت الشركة مكانةً بارزة وميزة مهمة تمكّنها من منظومة الأعمال في المدينة وتوصلها إلى داخلها، وذلك بتخصيصها مكانًا لفريق (ماس تشالينج) في مبناها الجديد بميناء بوسطن البحري، ما مكّن فريق الشركة من معرفة رواد الأعمال والتواصل معهم رسميًّا كل يوم.
كانت الشراكة مع الوسيط الموثوق (ماس تشالينج) عونًا للشركة، لتخطي مكامن الزلل التي ذكرناها أعلاه، وتجاوز التحديات التي تنتج عن تعامل الشركات الكبرى مع رواد الأعمال الماهرين في المنظومة. ونتاج كل هذا شروع الشركة في العمل المشترك مع شركاء أكثر في المنظومة، ليعرفوا الفرص والتحديات التي تواجه مدينة ماساتشوستس، لتتحول إلى منظومة عالمية ومركز للتقنية المالية، وحالما تعرف الشركة ما تريد أن تحقق من انخراطها في المنظومة، فلا بد أن تشرع العمل في ما يمكن تقديمه وتنفيذه؛ فأساس المشاركة في المنظومة التواصل والتفاعل من الجميع، وليست محصورةً في مسلك واحد لا ثاني له.
وقد فهمنا مما جرّبنا أن التمويل جزء مما تعرضه المؤسسات أحيانًا، غير أن مقداره ليس كما تتوقعه الشركات الأخرى، فالفرق التي تبني مشاريع جديدة تود لو تطلعهم الشركات على احتياجات العملاء، مثلما يريدون التمويل، ويحرص رواد الأعمال على استثمار رأس المال ويضعونه نصب أعينهم، كما تسعى الفرق لاكتساب الخبرة بالتعرف إلى قواعد تنظيمية معقدة، ومعرفة سلسلة الإمداد للوصول إلى المستهلك، والوصول إلى البنية التحتية لدعم مراحل التجربة والتدقيق، وتحديد العملاء، وتوسيع شؤون الشركة، ودعم سلاسل التوريد. وعندما تفشل الشركات في فهم احتياجات الناس -أكانوا رواد أعمال أم مستثمرين أم جامعات- تخفق في التعاون مع الشركات الأخرى وتلبية التوقعات، مهما يملكون من موارد قد تفيد شركاءهم في المنظومة وتلبي احتياجاتهم.
تحقيق العلاقات السليمة
لا بد من تحديد مساعي أي شركة، لتتمكن من اختيار أحسن الشركاء من بين أصحاب المصلحة في المنظومة، فلو احتاجت شركة ما إلى تكوين فرق متنوعة لوضع أفكار جديدة لاستثمار الفرص الثمينة في الأسواق، فربما تتعاون مع الشركات الناشئة، ومع ذلك، فلا بد من معرفة تطور المشاريع الريادية المبتكرة، ومتى يجب على الشركة البدء في التواصل والتعاون.
وننعت الشركات الناشئة التي تستكشف أفكارًا جديدة، أو تقدم حلولًا للمشكلات الطارئة بمؤسسات ابتكار،[4] ويمكن تعريفها بأنها مشاريع ريادية قد تقصد المؤسسات الكبيرة للشراكة معها، لتستعيض بها عن الشركات الناشئة الصغيرة والمتوسطة التي تتبع أساليبَ عفا عليها الزمن، وتُسيّر مؤسسات الابتكار أعمالها وفق مراحل محددة، من التمويل والتجريب والتعلم، أي ما نصفه بحلقة الابتكار، لمعرفة ما يوصلهم إلى مبتغاهم، وتحديد ما يجب استكشافه وفهم كنهه، وما لا بد من نسيانه والانصراف عنه، وكلما طال الزمن، ازداد يقينهم وشمروا عن سواعدهم. ويجتهد المبتكرون في تحسين توافق منتجهم مع ما يبتغيه الناس، ونضج حلولهم وتحسنها، وجاهزيتها للتوسع.
وخلاصةُ القول هنا: يتعيّن على المؤسساتِ الكبيرة حصرُ النظر في الشركات الناشئة التي تشتغل بابتكاراتٍ بعينها أو تقنياتٍ مهمّة، وتحديدُ مستوى استعداد تلك الشركات للابتكار. والسؤالُ هنا: أتهتمُّ الشركةُ بالمشاريع التي ما تزال في بداياتها ولم تندمج بعدُ في غيرها، مثل فريقٍ جامعيٍّ يملك فهمًا دقيقًا لنموذجٍ أوليٍّ وكيفية التعامل مع مشكلاته، غير أنّه لا يمتلك أدلةً كافيةً على جودة ذلك النموذج وفاعليته؟ أم إنها معنيّةٌ بالشركات الناشئة التي تحوّلت إلى كياناتٍ قانونية تمتلك رأسَ مالٍ محدودًا تستثمره، ولديها أدلةٌ على تحقيق نتائجَ مثمرة؟ أم إنها تفتّش عن شركةٍ ناشئةٍ أكثر خبرةً وتجربةً، تملك مقوّماتِ العمل التجاري وعواملَه، ولديها حلولٌ لمشكلاتٍ محدّدة، وتتمتع بالقدرة على جذب المستهلكين، لتجعلها هدفًا لها أو ترجّحها شريكًا لتحقيق رأس مالٍ استثماري، أو لتنفيذ أسلوبي الدمج والاستحواذ؟
وترتبط الإجابة عن هذه الأسئلة بما إذا كانت للشركة أهداف واضحة لما تحتاج إليه من الانخراط في منظومة الابتكار. وقد تسعى الشركات، التي تدرك وجود ثغرة استراتيجية في رؤيتها وفهمها للابتكارات المستقبلية والأفكار الجديدة، للارتباط بمشاريع في باكورتها، فيما تبحث الشركات التي تعاني خللًا بيّنًا في محفظتها الاستثمارية الآنية، عن التعاون مع بضع شركات ناشئة لها باع طويل وتجربة طويلة وقادرة على إصلاح هذا الخلل.
وأحسن مثال لشركة تتبنى هذه الطريقة المنهجية شركة (فيليبس)؛[5] شركة الإلكترونيات الهولندية، التي نجحت في التركيز الاستراتيجي على تقنيات الرعاية الصحية في العقد الماضي، وزادت أهمية أعمالها التجارية في الولايات المتحدة -بالأخص في منطقة بوسطن الكبرى- ومساعيها العالمية في مجال الابتكار، لتجتهد في تحقيق هذه الغاية. وقد أدرك مسؤولو شركة (فيليبس) أن مشاريعها الابتكارية لن تغتنم الفرص المتنوعة في قطاع الرعاية الصحية، وكانوا متشككين من عجز الشركة على تحديد أهداف الاستثمار والاستحواذ والشراكة حينئذٍ، فقرروا إشراك المؤسسين والشركات الناشئة الذين يمكنهم جلب مزيد من الابتكارات والمفاهيم الإبداعية إلى قطاع الرعاية الصحية، واستكمال الاستراتيجية الرقمية التي تتبعها وحدات أعمال الشركة ومختبراتها.
وأدركت شركة (فيليبس) أن مثل هذه المشاريع لن تتحول لشركات ناشئة مكتملة التكوين ومدعومة برأس مال استثماري شامل، غير أن هذا عزّز قوتها في المنظومة؛ فيمكنها استكشاف أفكار شتى عند الشركات الناشئة التي تنتجها المواهب المتدفقة بما تملك من آراء مختلفة عن الرعاية الصحية والنقاهة، فانخرط كبار المسؤولين التنفيذيين في شركة (فيليبس) في برنامج (ساند بوكس)[6] -الجديد حينها- بمعهد ماساتشوستس للتقنية،[7] الذي يدعم باكورة أفكار الطلبة في ريادة الأعمال. ولم يسهموا فقط في تمويل مشروع (ساند بوكس)، بل عملوا على إرشاد رواد الأعمال والتواصل معهم، ولذلك تمكنت الشركة من تحديد ومساعدة الشركات الناشئة التي يرجّح أن تساعدها في التحول إلى قطاع الرعاية الصحية، ما أكسبها سمعة طيبة في المنظومة، ووثقت بها الشركات الناشئة التي ما زالت في بدايتها. وتحترس الشركات الناشئة من رأس المال الاستثماري للشركات، ومن فرق الدمج والاستحواذ. ولم تحرص شركة (فيليبس) على التعامل مع الشركات الناشئة، لكن الشركات استفادت من التعاون معها، فاستفادت من بعض الموارد المحدودة في كل مرحلة، وبالأخص المشاركة التنفيذية، والتوجيه الذي هذّب أفكار رواد الأعمال الناشئين ومعرفتهم بالأسواق، والتحديات التنظيمية، وسلاسل الإمداد.
أدركت شركة (فيليبس) أن هؤلاء الرواد بحاجة إلى دعم إضافي لفهم الابتكار، فاستفادت الشركة من هذه العلاقات، وأنشأت برنامجًا لتسريع الأعمال (فيليبس هيلث ووركس)،[8] لدعم بضع شركات ناشئة لتجاوز البدايات، وبما أن تركيزها الواضح على شركائها من رواد الأعمال الذين ما زالوا في بداياتهم، فهذا تطلّب وضع خطة تفصيلية عن مسرّع الشركة وبرنامجه المفصّل، ليساعد الشركة في الانتقال إلى مرحلة ثانية واضحة المعالم، والتواصل مع مجموعة مصطفاة من الشركات الناشئة وتزويدها بموارد متعددة، كما أعان الشركة لتوثيق علاقاتها مع الشركات الناشئة وإرشادها وتوجيهها.
والوجهُ الآخرُ للسؤال: مَن الذي ينبغي إشراكُه في المنظومة؟ وجوابُه بيدِ الشركة؛ فهي التي تختار أجدرَ موظفيها لقيادة مسألة انخراطها في المنظومة. فالمديرون التنفيذيون القائمون بهذا الأمر، إذا افتقروا إلى المعرفة العميقة بالشركة ومواردها، أخفقوا في الغالب، لأنهم لا يستطيعون خوضَ الصعاب، في حين يفطن المبتكرون وروّاد الأعمال من خارج الشركة لأنظمة الشركة ومشاريعها ويحسنون الانشغال بها.
ولذلك أسندت شركةُ «فيليبس» هذا العملَ إلى أحد مسؤولي الابتكار فيها، براين روسنوف، الذي كان حاصلًا حينئذٍ على الماجستير التنفيذي في إدارة الأعمال من معهد ماساتشوستس للتقنية، وكان رائدَ أعمالٍ في برنامج المسرّع الرقمي لدى «فيليبس» في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، بعد أن عمل أكثر من عشر سنوات في تدبير مسار الإنتاج بالشركة. وقد أدار روسنوف ملفَّ برنامج «هيلث ووركس»، ونسّق التعاون بين الشركة ومعهد ماساتشوستس للتقنية لإطلاق برنامج الشركة لتسريع الأعمال. وقد أعانته خبرتُه الطويلة داخل الشركة على اختيار مرشدين أكفّاء من داخلها، ليشرفوا على فرق المشاريع ويحرصوا على جودة العمل وسلاسته، بما في ذلك تمكين الفرق من مصادر الشركة وما ينفعها في تلك المشاريع.
تحسين سبل المشاركة والإنتاجية
نعرف ضرورة التخطيط لأمر مشاركة الشركة في نظم الابتكار بعدما تنظر في احتياجاتها وأسماء شركائها، ويخفق المسؤولون كثيرًا في تقدير الأمور، فمثلًا: قد يُنشئون مؤسستهم، وينخرطون في المنظومة بتوفير الوسائل البراقة والاحتفاء بها، غير أنهم لا يكسبون سوى النزر القليل من هذه المساعي، اللهم ما عدا شيئًا من السمعة، ولقد لحظنا انخراط الوكالات الحكومية والشركات في نظم الأعمال بتمويل جمع كثير من البرمجانات (الهاكاثونات) المختلفة، ومسرعات الأعمال، والمسابقات الجامعية، والتحديات، وما شابه ذلك. ويُخفق هذا النهج العشوائي في تحقيق النتائج، لأنه غير مركّز، ويُربك أصحاب المصلحة في المنظومة، ويَتم دون النظر فيما إذا كان الوقت والجهد الكبيران المستثمران سيتماشيان مع احتياجات المنظمة، ومع من ينبغي لها أن تتعاون وتتواصل.
لقد وقفنا عند كثير من الشركات التي اعترتها الدهشة وخيبة الأمل، حينما رعت فعاليات البرمجان (الهاكاثون) وبرامج خطط الأعمال في مراحلها المبكرة، وأدركت أن برنامج عرض المشاريع لا فائدة منه، مقارنةً بما لديها من نماذج مالية رصينة وخطط تقنية اعتادت ممارستها واتباعها في الشركة. ويوضّح هذا التباين في التوقعات جهل صاحب المصلحة بالأمور، وسوء فهم الأهداف، ومنهم أنسب فئة من الشركاء، وهذا لا يعني أن البرمجان (الهاكاثون) مضيعة للوقت؛ بل قد يكون وسيلة مثمرة للمشاركة والتعاون، عندما تتضح أهداف صاحب المصلحة؛ مثلًا، عند اكتشاف الأفكار الملهمة والمواهب الجديدة، وعندما يكون الحدث مخططًا له.
إن الاشتغال بالمسابقات المبكّرة ومسرّعات الأعمال، نهج صحيح للشركات التي تبحث عن فرق مشاريع صغيرة تتعلم منها وتستنير برأيها، وستلبي مسرعات الأعمال في مراحلها المتقدمة احتياجات الشركات التي تسعى إلى إيجاد حلول سديدة في سبيلها، للاستعداد والاستفادة مما تحقق. وتكمن الإشكالية في تحديد أسلوب المشاركة الذي يتوافق مع الإجابات الدقيقة والممحصة لسؤالي “ماذا؟” و”من؟”، وينبغي للشركات أن تبتدئ عملها بالاستفادة من التجمعات القائمة التي يلتقي فيها رواد الأعمال، فتميل الشركات الناشئة للتجمع في أماكن عمل مشتركة وتجمعات ذات اهتمام واحد، والانخراط في برامج لنظم الأعمال. ورغم الاضطرابات المستمرة التي سببها فيروس (كوفيد-19)، فالتواصل مع تلك المجتمعات يسهّل على المنظمات الكبيرة توسيع علاقاتها مقارنة بقدرتها على استهداف فرادى الشركات الناشئة، ومشاركة الشركات للانغماس في مكان مخصوص، تساعدها كذلك على ضمان التوافق بين متانة بنية الشركة وما يحصل من مصادفات كثيرة.
خيارات هيكلة المشاركة وبنائها كثيرة متعددة، وقد ناقشنا كيف وظّفت شركتا (ماس ميوتشوال) و(فيليبس) جزءًا من تلك الخيارات، وأحسن مثال للمشاركة المثمرة والاستراتيجية السليمة التي تتبع طرائق مختلفة للعمل في نظم الابتكار؛ هي الشركة التابعة لشركة أنظمة الدفاع البريطانية،[9] ومقرها الولايات المتحدة، فقد حاول قادة الشركة بناء علاقات مع منظومة الأعمال بمدينة بوسطن الكبرى، وكانت أهدافهم واضحة؛ فكانوا يريدون التواصل مع فرق الشركات الناشئة التي تعهدت في ابتكاراتها بجلب خصائص وظيفية جديدة لمحفظة الشركة للابتكار، وبالأخص مشاريع مختبرات الأبحاث والتطوير في التقنية المتقدمة والدفاع، والتي تركز على التقنية الناشئة في المستقبل القريب.
وقد استأجرت الشركة البريطانية مقرًّا في مركز كامبريدج للابتكار، ليكون مركز عمل مشتركًا لتشجيع أكبر تجمع للشركات الناشئة كمًّا وعددًا في العالم، وكان هذا القرار بديلًا من إنشاء متجر في ساحة كيندال بكامبريدج، على أمل أن يتحسس رواد الأعمال طريقهم إليه. واستطاعت الشركة التواصل مع الشركات الناشئة وأنسب المؤسسين، للتعرف إلى التقنيات التي قد تتوافق مع أولويات البحث والتطوير في الشركة، ونجحت في إدارة برنامج (مقهى فينتشر)[10] في ليلة كل خميس بمركز كامبريدج للابتكار، وكوّنت فرقًا متنوعة من مديري ريادة الأعمال، ليدير تلك الفرق خريجو معهد ماساتشوستس للتقنية.
كذلك تفطّن قادة الشركة البريطانية لأهمية البرامج الرئيسة -كالبرمجانات (الهاكاثونات)، والمسابقات، والمسرعات- في تشكيل منظومة الأعمال، مع المشاركة المثمرة والمنتظمة في مجتمع ريادة الأعمال، فعرفوا أن تخصيص برامج باسم الشركة لا داعي لها، وقد تقوّض أعمال المنظومة القائمة، واستعاضوا بالتواصل الدائم مع المسرعات المحلية ودعمها، خصوصًا الشركات الناشئة التي تتوافق أهدافها مع أهداف الشركة في الاستفادة من منظومة الأعمال، وممن تتشارك معهم الخطط والأفكار، على غرار ما درجت عليه شركة (فيليبس).
وتعاونت الشركة البريطانية مع مسرعات الأعمال مثل (تيك ستارس)[11] للبحث عن الشركات الناشئة، التي قد تكون لتقنياتها استعمالات عسكرية واستخباراتية ومدنية، والشركات التي تحرص على الشراكة مع مقاول دفاعي ذي خبرة والتعلم منه، وأوجدت فرصًا لهذه الشركات الناشئة للاستفادة من علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة ووزارة الدفاع. ونجاح الشركة في الانخراط في المنظومة دليل على ميزتها التنافسية. ومع أن دلائل هذا النجاح لا نعرفها لأسباب تجارية، فإن أعمالها المستمرة تدل على نجاح جهودها، وعندما تجتهد الشركات لتحديد استراتيجية منظومتها، فإنها تتهيأ لجني ثمار عملها مع مجتمعات الابتكار.
إن طريقتنا في طرح الشركة لأسئلة “ماذا؟” و”من؟” و”كيف؟”، طريقة منهجية سليمة لضمان الميزة التنافسية بالمشاركة الاستراتيجية في نظم الابتكار.
وإن خيبة أمل الشركات عند فشل جهودها، لها أثر بيّن في من يتعامل معها من رواد أعمال ومبتكرين. وعندما يطمعون في التواصل مع الخبراء في الشركات الكبرى والهيئات الحكومية، أو حتى في الاستثمار الجريء، فغالبًا ما يقف في طريقهم المحامون وخبراء الموارد البشرية وأقسام المحاسبة، وكل هذه الوظائف المؤسسية ذات قيمة للشركات الناشئة الطموحة، غير أن غياب المشاركة المثمرة مع أهم الأعضاء في الشركة، قد يقوّض فرص التعاون المثمر.
قد يصعب الجوابُ عن أسئلتنا الثلاثة، مع أنها يسيرةُ التركيب؛ إذ يَعسُر ذلك على الشركاتِ الكبيرة التي قد تتعدّد لديها الحلولُ والبدائل، فتُفضِّل – تبعًا لذلك – أساليبَ مختلفةً للمشاركة في منظومة الأعمال. ولذا ننصح بتوسيع نطاق العمل داخل المؤسسة، واستثمارِ الوقت في التوافق بين أجزاء الشركة على ما تريد الحصولَ عليه من موارد، وما يمكنها تقديمُه، ومع مَن تتشارك وتتعاون. وتكفل هذه الطريقةُ انسجامَ النتائج مع أسلوب الشركة في العمل والانخراط في منظومة الأعمال، وبذلك تُحقّق لها غاياتِها في الابتكار.
مواضيع مشابهة:
الابتكار، استراتيجي الابتكار.
التعريف بالكتّاب:
- فيليب بودين؛ محاضر بكلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتقنية، ومتخصص في الابتكار التقني وريادة الأعمال والإدارة الاستراتيجية.
- فيونا موراي؛ وكيلة عميد كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتقنية، ومتخصصة في الابتكار ودمج المشاريع، وعضوة المجلس الوطني لأبحاث الاقتصاد، ومديرة مركز الابتكار بالمعهد.
[1] Silicon Valley.
[2] لقد درسنا وتعلمنا من قادة الشركات في معهد ماساتشوستس للتقني ومن برنامج ماجستير إدارة الأعمال التنفيذي ومن برنامج مسرّعة ريادة الأعمال العالمي بمعهد ماساتشوستس ومن البرامج التعليمية العالمية بكلية سلون للأعمال وتحديد برامج الابتكار المؤسسي.
[3] MassChallenge.
[4] B. Aulet and F. Murray, “A Tale of Two Entrepreneurs: Understanding Differences in the Types of Entrepreneurship in the Economy,” PDF file (Kansas City, Missouri: Ewing Marion Kauffman Foundation,2013), www.issuelab.org; and P. Budden, F. Murray, and O. Ukuku, “Differentiating Small Enterprises in the Innovation Economy: Start-Ups, New SMEs & Other Growth Ventures,” MIT Lab for Innovation Science and Policy working paper (Cambridge, Massachusetts: MIT Sloan School of Management, January2021), https://innovation.mit.edu.
[5] Philips.
[6] Sandbox.
[7] MIT.
[8] Philips HealthWorks.
[9] BAE Systems.
[10] Venture Café.
[11] Techstars.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




