مقالات

ليڤ تولستوي في وجهه الفلسفي

رسلان عامر

ليف نيكولايفيتش تولستوي (Lev Nikolayevich Tolstoy)، أو «ليو تولستوي»، أو «ليون تولستوي»، كما هو معروف في بعض الترجمات العربية، هو أحد أكبر أعلام الأدب الروسي، وهو واحد من كبار مشاهير الأدب العالمي ككل، وهو بشكل عام مشهور كروائي، فهو مؤلف روايتيّ «الحرب والسلام»، و«آنا كارنينا»، اللتين تعتبران من أهم روايات الأدب الواقعي عالميًا، وهما تصوّران واقع الحياة الروسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

1- نشأة وشباب تولستوي

ولد ليف تولستوي في 28 أغسطس من عام 1828، في «ياسنايا بوليانا»، وكانت حينها ملكية عائلية تقع على بعد 200 كم جنوب موسكو في مقاطعة تولا الروسية، وكان الرابع من بين خمسة أبناء للكونت نيكولاي إيليتش تولستوي (1794-1837م)، المحارب السابق في الحرب الوطنية لعام 1812، والكونتيسة ماريا تولستايا (فولكونسكايا قبل الزواج)، (1790-1830م)؛ وقد توفيت والدته عندما كان في الثانية من عمره، ثم توفي والده عندما كان في التاسعة من عمره، فنشأ وإخوته في رعاية الأقارب.

في أكتوبر من عام 1844، التحق تولستوي كطالب بقسم الأدب الشرقي (العربي- التركي)، في جامعة قازان، لكنه لم يتمكن من اجتياز اختبار الانتقال في السنة الأولى، فانتقل إلى كلية الحقوق، وتمكن من اجتياز الامتحانات الانتقالية في مايو 1846، بشكل مُرضٍ وانتقل إلى السنة الثانية، لكن مشاكله الدراسية استمرت، فقد «كان من الصعب عليه دائمًا الحصول على أيّ تعليم يفرضه عليه الآخرون، وكل ما تعلّمه في الحياة، فقد تعلّمه بنفسه، فجأة وبسرعة وبجهد دؤوب»، كما تقول زوجته صوفيا أندرييفنا تولستايا في كتابها عن سيرته  ([1]).

ترك تولستوي الجامعة في منتصف دراسته بعد أن قضى أقلّ من عامين في كلية الحقوق، وعاد إلى ياسنايا بوليانا، ثم أمضى الكثير من الوقت في موسكو وتولا وسانت بطرسبرغ، وانغمس في أسلوب حياة متراخ مترف تسبب بإثقاله بالديون بسبب القمار؛ وبدأ الكتابة خلال هذه الفترة، فكتب روايته الأولى «الطفولة»، وهي رواية  خيالية عن فترة شبابه، وقد نُشرت عام 1852؛ وفي عام 1851، ذهب مع شقيقه الأكبر إلى القوقاز وانضم إلى الجيش، وخدم كضابط مدفعية شاب خلال حرب القرم، وكان في سيفاستوبول خلال حصارها الذي استمر لمدة 11 شهرًا بين 1854-1855، واشترك في معركة تشيرنايا، واعترافًا بشجاعته خلال الحرب تمَّت ترقيته إلى رتبة ملازم، لكن عدد القتلى من المتورطين في الحرب روّعه، فغادر الجيش بعد نهاية حرب القرم عام 1855([2]) .


 2- اليقظة الروحية

بفضل تجربته في الجيش، ورحلتين قام بهما إلى أوروبا في أعوام 1857- 1860-1861، تحول تولستوي من مؤلف مجتمع مخملي  فاسد إلى فوضوي (أو أناركي anarchist)، سلمي وروحاني، وخلال زيارته إلى باريس عام 1857، شهد إعدامًا عامًا، وقد كانت هذه تجربة مؤلمة أثرت ببقية حياته، فكتب في رسالة إلى صديقه فاسيلي بوتكين: «الحقيقة هي أنّ الدولة مؤامرة مصممة ليس فقط لاستغلال مواطنيها، ولكن قبل كل شيء لإفساد مواطنيها … من الآن فصاعدًا، لن أخدم أبدًا أيّة حكومة في أيّ مكان»، وقد تعزّز مفهوم تولستوي لللاعنف عندما قرأ ترجمة ألمانية لكتاب «تيروكورال»([3])، ثم ساهم بدوره في غرس هذا المفهوم في وقت لاحق لدى غاندي من خلال رده المعنون بـ «رسالة إلى هندوسي»، على غاندي الشاب الذي اتصل به طالبًا النصيحة.

تأثرت فلسفة تولستوي السياسية أيضًا، بزيارة قام بها في مارس 1861، للفيلسوف الفوضوي الفرنسي المعروف بيير جوزيف برودون الذي كان يعيش حينها في المنفى تحت اسم منتحل في بروكسل، وقد اطّلع على عمل برودون المعدّ للنشر باللغة الفرنسية «الحرب والسلام»  (La Guerre et la Paix)، ومنه اقتبس لاحقًا، عنوان تحفته الروائية.

مدفوعًا بالحماس عاد تولستوي إلى ياسنايا بوليانا وأسس 13 مدرسة لأطفال الفلاحين الروس، الذين تحرّروا للتَوّ من القنانة في عام 1861، وقد وصف تولستوي مبادئ هذه المدارس في مقاله عام 1862، «المدرسة في ياسنايا بوليانا»، لكن تجاربه التعليمية كانت قصيرة الأجل، ويعود ذلك بدرجة ما إلى مضايقة الشرطة القيصرية، ومع ذلك، يمكن اعتبار مدرسة ياسنايا بوليانا أول مثال على نظرية متماسكة للتعليم الديمقراطي.

في عام 1860، توفي شقيقه نيقولاي، وقد ترك هذا أثرًا عميقًا في نفسه، وفي سبعينيات القرن التاسع عشر، عانى تولستوي من أزمة أخلاقية عميقة، تبعتها صحوة روحية مماثلة، كما يقول في كتابه «الاعتراف»، المنشور عام 1882.

تبنّى تولستوي تعاليم المسيح الأخلاقية كما هي مطروحة بمعناها المباشر في «موعظة الجبل» من إنجيل متّى، وهذا ما ساعده لأن يصبح فوضويًا مسيحيًا متحمسًا ومقاومًا سلميًا (pacifist)، وقد كان لأفكار تولستوي عن المقاومة اللاعنفية، التي تم التعبير عنها في أعمال مثل «ملكوت الله في داخلكم» المنشور عام 1894، تأثير عميق على شخصيات هامة من القرن العشرين منها غاندي ومارتن لوثر كينغ جونيور، كما أصبح تولستوي أيضًا مدافعًا مخلصًا عن الجورجية([4])، الفلسفة الاقتصادية لهنري جورج (Henry George)، وقد تحدث عنها بشكلٍ خاص في روايته «البعث» المنشورة عام 1899، من كتاباته.

3– من أعمال تولستوي الفكرية والروحية

كتب تولستوي الروايات والقصص والمسرحيات والكتب الفكرية، ومن أهم الكتب التي توضح موقفه الفلسفي من الحياة كتب: «الاعتراف»، و«موجز الإنجيل»، و«ما هي عقيدتي؟» و«ملكوت الله في داخلكم»، و«الفن»، و«طريق الحياة»؛ وغيرها.

3.1 الاعتراف

 

أنجز تولستوي هذا الكتاب بين عاميّ عام  1879- 1880([5])، ولم يُسمح له بنشره في روسيا، فنشره في سويسرا، ثم ترجم إلى العديد من اللغات الحية([6]). في هذا الكتاب يتحدث تولستوي بشكل صريح عن الأيام المظلمة التي قضاها في حياة الترف والعبث والمجون قبل أن يبدأ بحثه الروحي وسعيه إلى الفضيلة وإيجاد معنى وفهم جديدين للحياة، كما ويتحدث أيضًا عن السنوات العديدة التي قضاها في العمل الداخلي المضني، وسار فيها عبر المعاناة الوجدانية المؤلمة للتخلص من فكرة العدمية ومن الأزمة الوجودية، اللتين سيطرتا عليه خلال فترةٍ من حياته، أصبحت فيها الحياة البشرية بنظره عديمة الجدوى.

 في «الاعتراف»، يركز تولستوي بشكلٍ رئيس على سعيه الروحي لإيجاد معنىً للحياة، كشخص يعاني من فقدان المعنى في هذه الحياة في مجتمع تسوده الأكاذيب الأخلاقية والدينية لكهنة الدين وسادة المجتمع والمسيطرين على السياسة والثقافة والفن، وكيف أنه عبر المعرفة العلمية وتعاليم الحكماء الهنود والصينيين والعقائد المسيحية وسوى ذلك من الحكمة والتعاليم الروحية الأخرى، وصل إلى أن الجواب على كل الأسئلة المقترنة بمعنى وغاية الحياة الإنسانية نجده في مفهوم الله، وإلى أنّ الإنسان لا يستطيع العيش بدون الله، فمعرفة الله وعيش الحياة هما شيء واحد.

3.2 موجز الإنجيل

كتب تولستوي هذا الكتاب في عام 1881([7])، وقد قام فيه بجمع المعطيات التي تقدمها الأناجيل الكنسية الأربعة عن حياة المسيح، وبرأي البعض هذا الكتاب هو نتيجة دراسة تولستوي الدقيقة والعميقة للعهد الجديد اليوناني الأصلي، وهو يعكس فهم تولستوي الخاص للمسيحية، وهو فيه يركز على تعاليم المسيح الحياتية لأتباعه، ويبتعد عن الأمور الميثولوجية والميتافيزيقية ولا يخوض في المسائل اللاهوتية([8]).

وقد كان تولستوي من أشد المنتقدين للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ما أدى في النهاية إلى «حرمانه» منها أيّ طرده واعتباره خارجًا عليها، وبهذا الشأن يقول سليم قبعين معرب الكتاب: «أما الشيء الخطير الذي أتاه تولستوي، فانقلبت من أجله روسيا ظهرًا لبطن: تخطيئه الكنيسة المسيحية في أكثر أمورها؛ إذ أنكر عليها عقائدها بدعوى أنها من أوضاع البشر، وتخالف أحكام الإنجيل مخالفة صريحة؛ فأثَّرت أقواله في عقول متنوريّ روسيا، وحلَّقت بها الصحف في سماء العالم الأوروبي، حتى اجتمع بسبب ذلك المجمع المُقدَّس في عاصمة الروس برئاسة السيد أنطوني رئيس المجمع المُقدّس ومطران بطرسبرج، وحرَم ذلك الفيلسوف، وعدَّه كاذبًا في دعوته مفتريًا على الكنيسة، وكان لذلك أسوأ وقع في نفوس الطلبة والطالبات، وقاموا بعمل مظاهرات في الكنائس والشوارع، وكاد يُفضي الأمر إلى ثورة داخلية لولا أن أخذت الحكومة الروسية بالحكمة في تهدئة الخواطر وتسكين الاضطراب»([9]).

أما تولستوي نفسه فيقول في كتابه هذا عن موقفه من الكنيسة ورأيه في علاقتها بتعاليم المسيح: «إنّ الشروح التي علَّقتها الكنيسة على تعاليم المسيح وشروح الرسل، مع الإضافات التي أدخلها عليها آباء الكنيسة في المجامع كلها هذيان وبهتان وكذب محض واختلاق ظاهر»، ويضيف أنّ من الواجب رفض تفاسير الكنيسة وإضافاتها المُختلَقة على تعليم المسيح، وأنه في كتابه قد أورد الأدلة القاطعة على أن الكنيسة أفسدت جوهر تعليم المسيح([10]).

3.3 فيمَ تكمن عقيدتي؟

 

كتبه تولستوي عام 1884، ويقول عنه في مقدمة كتابه اللاحق «ملكوت الله في داخلكم»: عام 1884، كتبتُ كتابًا بعنوان: “فيمَ تكمن عقيدتي؟”، وفي هذا الكتاب قمت بعرض ما أؤمن به حقًا. من خلال عرض إيماني بتعاليم المسيح، لم أستطع إلا أن أفصح عن سبب عدم إيماني بتلك العقيدة المسيحية المسماة عادة “المسيحية”، وعن سبب اعتباري إياها ضلالًا. من بين الارتدادات الكثيرة عن دين المسيح أشرت إلى الارتداد الرئيس، وبالتحديد إلى عدم الاعتراف بوصية عدم مقاومة الشر بالعنف، والذي يشير، بجلاءٍ أكبر من الارتدادات الأخرى، إلى تحريف التعليم الكنسي لتعليم المسيح»([11]).

وكان تولستوي الذي تحوّل إلى «تعاليم المسيح»، في سن الخمسين تقريبًا، قد تكونت لديه قناعة بأن هذه التعاليم تتعارض مع «تعاليم الكنيسة»، فبرأيه، في الوقت الذي تركز فيه تعاليم المسيح على عن المحبة وغفران الإساءات وإنكار الذات والتواضع، وتتلخص في وصايا بسيطة مثل: «لا تغضب، لا تزني، لا تحلف، لا تحمي نفسك بالعنف، لا تحارب»، على عكس المسيح، تبارك الكنيسة الحروب والإعدامات والاضطهادات والانقسامات بين الناس، وتنهمك في تعاليم غير ضرورية حول الأسرار والطقوس والماورائيات([12])، وبناءً على ذلك قام تولستوي ضد الكنيسة، داعيًا إلى العودة إلى تعاليم المسيح، التي كان يرى أنها تتلخص في تلك المبادئ والوصايا الحياتية المباشرة الجلية.

 

3.4 ملكوت الله في داخلكم

هو كتاب تم نشره لأول مرّة في ألمانيا عام 1894، بعد منعه في روسيا، وهو ثمرة ثلاثين عامًا من تفكير تولستوي، ويأتي عنوانه من القفرة (21:17) في إنجيل لوقا([13])، وفيه يتحدث تولستوي عن مبدأ المقاومة اللاعنفية عند مواجهة العنف، كما يوصي به المسيح الذي يقول: «من ضربك على خدك الأيمن، فاعرض له الآخر أيضًا»([14])، ويؤكد تولستوي أنّ المسيح يريد إلغاء العنف، حتى النوع الدفاعي منه، والتخلي عن الانتقام، ويرفض تولستوي تفسير لاهوتييّ العصور الوسطى الذين حاولوا الحد من نطاق هذا المبدأ.

وفي هذا الكتاب يضع تولستوي أيضًا، أسس تنظيم جديد للمجتمع يقوم على تفسير تعاليم المسيح ويركز على فكرة «المحبّة العالمية»، ويشرح فيه فلسفته في السلم والصلح نابذا فكرة العنف والكفاح المسلح، كما يقدّم مبدأ «اللاعنف» أيضًا، كحلٍّ للمشاكل القومية.

 وهذا الكتاب يعتبر دليل أنصار تولستوي (Tolstoyans) إلى اللاعنف، والمقاومة السلمية، والفوضوية المسيحية، وفيه يقول: «إنّ تاريخ البشرية مليء بالبراهين على أنّ العنف الجسدي لا يساعد على الانبعاث الأخلاقي، وأنّ النزعات الآثمة للإنسان يمكن كبحها فقط عن طريق المحبّة، وأنّ بالإمكان القضاء على الشر بالخير فقط، وأنّ ليس علينا الاعتماد على قوة اليدين لحماية أنفسنا من الشر، وأنّ أمن البشر الحقيقي يكمن في الطيبة والصبر والرحمة، وأنّ الودعاء فقط يرثون الأرض بينما رافع السيف يقتل بالسيف»([15]).

3.5 ما هو الفن؟

هذا الكتاب أتمّه تولستوي عام 1897، لكنه نشره بالإنكليزية في الخارج بسبب الرقابة في روسيا حينها، وفيه يركز تولستوي على ماهية الفن الحقيقي ودور الفن في الحياة، وكيف ينبغي للفن أن يكون. في نظرته للفن يعترف تولستوي بأنه «من الصعب أن نقول ما هو المقصود بالفنّ ، وخاصةً ما هو جيد، فنّ مفيد، فنّ من أجله قد نتغاضى عن مثل هذه التضحيات التي تُقدم في ضريحه»([16])، وهو بذلك يشير إلى التكاليف الكبيرة من الجهد والوقت والمال العام التي تنفق على الفن والفنانين، والاحترام الكبير الذي يحظون به، في وقت لا تتوفر فيه الدقة في الآراء العامة حول الفن.

في تقييمه للفن، يعتمد تولستوي على أخلاقه المسيحية الراديكالية، ويرفض استخدام الجمال كمعيار في تعريف الفن، ويصوره على أنه كل عمل يمكن للإنسان بواسطته نقل المشاعر، فيقول: «يبدأ الفن عندما يستدعي الإنسان شعورًا اختبره في داخله مرّةً أخرى بغرض التواصل مع الآخرين، ويعبر عنه بعلامات خارجية معينة»، ويشير إلى أن النجاح في هذا الأمر يرتبط بـ«صدق الفنان»، أيّ المدى الذي يشعر فيه الفنان «بالشعور الذي ينقله» ([17]).

ويرى تولستوي بأنّ وظيفة الفن والغرض منه هما المساهمة في تطور البشرية، عبر تطور المشاعر، الذي يمكن أن يحدث عن طريق الفن، وتستبدل فيه المشاعر السفلية غير الطيبة التي لا تخدم خير الإنسانية، بالمشاعر الطيبة التي تحتاجها الإنسانية([18]).

حظي هذا الكتاب بعد نشره باهتمامٍ وترحيب كبيرين من الأدباء والفنانين داخل روسيا وخارجها في الغرب، فقد قال عنه الناقد والمؤرخ الفني ف. ف. ستاسوف -مثلًا-: إنه «كتاب لا نظير له»، وهو «بمثابة اكتشاف أمريكا بالنسبة للفن» ([19]).

3.6 طريق الحياة

كتاب «طريق الحياة»، هو آخر كتاب أنجزه ليف تولستوي، وقد أتمّه في عام 1910، وهو العام الذي توفي فيه. هذا الكتاب هو استكمال لبحث تولستوي الديني والروحي يكمل فيه مسار حياته، وهو يتضمن خلاصة تأملاته حول معنى الحياة البشرية، ويمكن اعتباره وصيته الروحية، وقد سبقته عدّة كتب، منها: «أفكار الحكماء»، و«دائرة القراءة»، و«لكل يوم»، التي تضمنت مجموعات من أقوال حكماء العالم.

 في هذا الكتاب يطرح تولستوي مرّةً أخرى فكرة تحرير الروح مما يعيق فهم الله ومحبة الناس، إنها «الخطايا، أيّ الانغماس في شهوات الجسد، والإغراءات، أيّ الأفكار الخاطئة عن الخير، والخرافات، أيّ التعاليم الكاذبة التي تبرر الذنوب والإغواءات»، كما يركز فيه على أهمية فهم ومعرفة الإنسان لنفسه وللعالم الذي يعيش فيه، فـ«لكي يعيش الإنسان حياته بشكلٍ جيد، يجب أن يعرف ما يجب عليه وما لا يجب عليه فعله، ومن أجل معرفة هذا، يحتاج إلى فهم ما هو نفسه وما هو العالم الذي يعيش فيه»([20]).

4– تولستوي والكنيسة

عدا عن العلاقة غير الإيجابية مع الرقابة الرسمية الروسية، التي منعت نشر كتب تولستوي المعتقدية أكثر من مرّة، فلم تكن علاقته أيضًا إيجابية مع الكنيسة الأرثذوكسية الروسية، التي كانت الكنيسة الرسمية في الإمبراطورية الروسية القيصرية، فقد اعتبرت الكنيسة الأرثذوكسية أنّ أفكار ليف تولستوي «تدمر الإيمان الأرثوذكسي»، ولذلك، أعلنت هذه الكنيسة في 24 فبراير 1901، طرده أو حرمانه منها بقرار من السُّلطة العُليا فيها المسماة بـ«المجمع المقدس»، وقد «اتهم كبار رؤساء الكهنة الأرثوذكس الكاتب بإسقاط جوهر الإيمان المسيحي، وردًا على ذلك، أعلن تولستوي أنه يؤمن بالله كما يفهمه هو، ولم يتم رفع الحرمان الكنسي عن تولستوي منذ ذلك الحين ولا يزال ساري المفعول حتى يومنا هذا»([21]).

ومن المهم ذكره في هذا السياق أنّ تولستوي الذي كان ينتقد المسيحية الكنسية الأرثذوكسية وغير الأرثذوكسية، كان أيضًا ينكر سِر الفداء والثالوث الأقدس وألوهية المسيح([22]).

5– تولستوي والإسلام

كان ليف تولستوي محبًّا للتراث العربي، وكان يكنّ للإسلام احترامًا كبيرًا، ولم يكن يرضيه قط ما كان يروجه بعض الناس في روسيا عن سوء فهم أو سوء قصد عن الإسلام من روايات كاذبة مسيئة باطلة، كما كانت تفعل بعض الجمعيات التبشيرية في مدينة قازان، التي عاش فيها الكاتب عدة سنوات، وردًا على ذلك دافع تولستوي عن الحق، وسعى لتقديم الإسلام في صورته الحقيقية، فاختار مثلًا في إحدى كتاباته عددًا من الأحاديث النبوية وأرفقها بـ «مقدمة جليلة الشأن واضحة البرهان»، كما يقول مترجمها إلى العربية الأستاذ سليم قبعين، الذي ترجمها ونشرها في كتاب بعنوان: «حِكـَم النبي محمد للفيلسوف تولستوي وشيء عن الإسلام»، وفيها يقول تولستوي: «هذه تعاليم صاحب الشريعة الإسلامية، وهي عبارة عن حكم عالية ومواعظ سامية، تقود الإنسان إلى سواء السبيل»([23]).

كما يقول إنّ نبي الإسلام قد هدى أمّة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح إلى السكينة والسلام وتفضل عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء، وفتح لها طريق الرقي والمدنية([24]).

ويقول أيضًا عن الأخلاق الحميدة للمسلمين الأوائل بأنهم اشتهروا بالزهد وطهارة السيرة والاستقامة والنزاهة والتواضع وحب العمل والقناعة، وبذل الجهد لمساعدة الإخوة في الإيمان عند حلول المصائب، ولذا أدهشوا المحيطين بهم بما هم عليه من كرم الأخلاق والوداعة وفضائل الدين الإسلامي([25])، الذي انتشر بصورةٍ كبيرة على يد هؤلاء المؤمنين، الذين لم يمض عليهم زمن طويل حتى أصبح الناس المحيطين بهم يحترمونهم احترامًا عظيمًا ويعظمون قدرهم، وغدا عدد المؤمنين يتزايد يومًا بعد يوم([26]).

وتجدر الإشارة إلى أنّ تولستوي عندما كان يجتهد «في البحث عن الدين وعن نفسه في الدين»، تراسل مع مفتي مصر المعروف يومها الشيخ محمد عبده، كما تواصل مباشرة مع العديد من التتر المسلمين المحافظين والإصلاحيين في قازان([27]).

 6- الحركة التولستوية

ظهرت الحركة التولستوية كحركة اجتماعية تقوم على وجهات النظر الدينية والفلسفية لتولستوي، ورغم أن تولستوي أعرب عن فرحه بظهور مجموعات من الناس في روسيا وفي مناطق أخرى من أوروبا تشاركه الآراء، إلا أن كان  يرفض أن تسمى أية حركة أو تعاليم  أو مذهب باسمه، وكان يعتبر أنه لا يوجد أيّ «تعليم» له، ولا يوجد سوى التعليم الأبدي الشامل للحقيقة، والذي يعبّر عنه بوضوح خاص بالنسبة له ولمن يلتقون معه في الأناجيل([28]).

اعتبر التولستويّون أنفسهم مسيحيين مسالمين بالمعنى الروحي والأخلاقي والاجتماعي للمسيحية، وليس بالمعنى الكنسي، فهم لم يتبعوا أية كنيسة محددة، ولم يكن لديهم أية كنيسة خاصة، وقد ظهرت مجموعات منهم في روسيا وأوروبا وأمريكا وإفريقيا. وبشكل عام كانت معتقداتهم تركز على المبادئ التالية:

– أحبّوا أعداءكم،

– لا تغضبوا،

– لا تحاربوا الشر بالشر، بل رددوا الشر بالخير،

– لا تشتهوا،

– لا تحلفوا الأيمان([29]).

وعدا عن ذلك، فقد أصبح تولستوي نباتيًا في عام 1885، وكانت نباتيته جزءًا من فلسفة اللاعنف التي كان يتبناها، وقد كان له تأثير بارز على الحركة النباتية.

وقد تركت فلسفته اللاعنفية تأثيرًا كبيرًا على العديد من الشخصيات البارزة وحركات المقاومة اللاعنفية، ومن أشهرهم غاندي محرِّر الهند، ومارتن لوثر كينغ المدافع عن حقوق السود في أمريكا، وسيزار تشافيز الناشط الأمريكي في حركة الحقوق المدنية، والفيلسوف النمساوي البريطاني لودفيغ فيتغنشتاين، ودوروثي داي، الناشطة الاجتماعية الأمريكية ومؤسّسة حركة العمال الكاثوليكية السلمية، وسواهم([30]).

وحتى اليوم مايزال هناك أتباع لتولستوي في أوروبا الغربية، وأمريكا الشمالية، واليابان، والهند، وبلغاريا ودول أخرى، وفي روسيا أُعيد إنشاء منظمة جديدة مرخصة، يعتبر أنصارها أنفسهم ممثليّ «التولستوية الجديدة»، ويحاولون فيها الموافقة بين فلسفة تولستوي ومستجدات الحاضر([31]).

7– خلاصة

عدا عن كونه روائيًا كبيرًا، كان تولستوي أيضًا مفكرًا استثنائيًا، وقد تميزت فلسفته بميزتين جوهريتين رئيستين، فهي من ناحية الشكل كانت فلسفة معيشة أو طريقة حياة، ولم تكن فلسفة من النمط الأكاديمي الرسمي، ولم تكن فكرًا لاهوتيًا على غرار اللاهوت الكنسي التقليدي؛ أما من ناحية المضمون، فقد كانت فلسفة روحية أخلاقية سلوكية، وكانت تركز على المحبة واللاعنف والزهد والتساوي بين الناس، ومع أنها كانت ترتكز بشكلٍ رئيس على تعاليم المسيح الحياتية، فقد كانت فلسفة منفتحة على كل المعتقدات ومذاهب الحكمة والتعاليم التي تلتقي معها على هذه المبادئ البسيطة في مفاهيمها، العظيمة في قيمتها. وهذا ما يجعلها فلسفة حياتية إنسانية مميزة، ويبقيها مهمة وقيّمة حتى اليوم.


[1] -Толстой, Лев Николаевич, Википедия, https://rb.gy/wjljta

[2] – Leo Tolstoy, Wikipedia, https://rb.gy/q4be08

[3] -Tirukkuṟaḷ ، أو «كورال»  اختصارًا، نصّ كلاسيكي بلغة التاميل، يتكون من 1330، مقطعًا قصيرًا أو كورالاً، كل واحد منها  يتألف من سبع كلمات، و ينقسم النصّ إلى ثلاثة كتب بها تعاليم حكمية عن الفضيلة والثروة والحبّ، ويرجع تاريخ النصّ إلى ما بين القرنين الخامس والثالث قل الميلاد

https://en.wikipedia.org/wiki/Kural

[4] – الجورجية (Georgism)، هي أيديولوجية اقتصادية تنصّ على أنه في حين يجب أن يمتلك الناس القيمة التي ينتجونها بأنفسهم، يجب أن تنتمي القيمة الاقتصادية المستمدة من الأرض (بما في ذلك جميع الموارد الطبيعية والفرص الطبيعية)، بالتساوي إلى جميع أفراد المجتمع. يسعى النموذج الجورجي، الذي تمّ تطويره من كتابات الاقتصادي الأمريكي والمصلح الاجتماعي هنري جورج، إلى إيجاد حلول للمشكلات الاجتماعية والبيئية، بناءً على مبادئ حقوق الأراضي والتمويل العام التي تحاول دمج الكفاءة الاقتصادية مع العدالة الاجتماعية.

https://en.wikipedia.org/wiki/Georgism

[5] -A Confession ,Wikipedia, https://rb.gy/1cogrk

[6] – اعتراف تولستوي، ترجمة أنطونيوس بشير، دار سؤال للنشر، ط1، بيروت، 2015، ص 7.

[7] – Лев Толстой , «краткое изложение Евангелия» 1881, tolstoy.ru, https://rb.gy/4wc4fc

[8] – The Gospel in Brief , Wikipedia, https://rb.gy/kr7nc9

[9] -سليم قبعين، إنجيل تولستوي وديانته، مؤسسة هنداوي، 2020، https://rb.gy/eooxcq

[10] -المرجع السابق، https://rb.gy/ouyv2c

[11] – ليف تولستوي، ملكوت الله في داخلكم، ترجمة هفال يوسف، دار معابر للنشر والتوزيع، دمشق 2010 ، ص 7.

[12] -В чём моя вера, Википедия, https://rb.gy/m3ffso

[13] – لوقا (21:17)، موقع الأنبا تكلا هيمانوت، https://rb.gy/pvyr9x

[14] – لوقا (29:6)، موقع الأنبا تكلا هيمانوت، https://rb.gy/zzl3ie

[15] – ملكوت الله في داخلكم، مرجع سابق، ص 12.

[16] – What Is Art , Wikipedia, https://rb.gy/k1f3a5

[17] – المرجع السابق.

[18] – المرجع السابق.

[19] – ليف تولستوي، ما هو الفن؟، ترجمة د. محمد عبدو النجاري، دار الحصاد للنشر والتوزيع، ط 1، دمشق،1991، ص 6.

[20]–  Лев Толстой , «Путь жизни» 1910, tolstoy.ru, https://rb.gy/czspo7

[21] -Дмитрий Окунев, 120 лет назад церковь сообщила об отлучении Льва Толстого, 24 февраля 2021, Газета.Ru, https://rb.gy/nlwvlp

[22] – سليم قبعين، مذهب تولستوي‏‏، مؤسسة هنداوي، 2013، https://rb.gy/tij9jw

[23]– حكم النبي محمد للفيلسوف تولستوي وشيء عن الإسلام ، ترجمة سليم قبعبن، ط 3، مصرية للنشر والتوزيع، القاهرة، 1987، ص 5.

[24]– المرجع السابق، ص 10.

[25]– المرجع السابق، ص 10.

[26]– المرجع السابق، ص 9-10.

[27]– Лев Толстой и Ислам, Ислам Сегодня, https://rb.gy/szg1xr

[28] -Tolstoyan movement , Wikipedia, https://rb.gy/u7yrqx

[29] -المرجع السابق.

[30] – المرجع السابق.

[31] – Толстовство- Википедия, https://rb.gy/3io54i

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى