بول إس. أدلر
لقد غدت الاستعانة بمصادر خارجية أمرًا يزداد جاذبية لدى كثير من المؤسسات. ففي مثل هذه العلاقات، تتعاقد الشركة مع مزوّد يؤجر مهاراته ومعارفه وتقنياته وخدماته وقواه العاملة لقاء ثمن ومدّة متفق عليهما، لأداء وظائف لم يعد العميل يرغب في فعلها. وقد انصبّ كثير من الاهتمام في الآونة الأخيرة على الاستعانة بمصادر خارجية في مجال التوظيف، بما في ذلك العمالة المؤقتة والعقود، وكذلك المتخصصون في تقنية المعلومات. وأما مجال الاستعانة بمصادر خارجية لعمليات إدارة الموارد البشرية، أو ما يُعرف بـ HR-BPO، فهو أقل شهرة وإن كان في ازدياد. فقد ابتدأ الأمر بمعالجة كشوف الرواتب المتواضعة، ثم صار المزوّدون يعرضون تولّي أي نشاط من أنشطة الموارد البشرية؛ بل حتى الوظيفة بأسرها. وفي عام 2000م بلغت إيرادات صناعة الاستعانة بمصادر خارجية للموارد البشرية 21.7 مليار دولار، وهو ما يمثل أكثر من 8% من إجمالي الإنفاق على الموارد البشرية.
ويرى بعض المراقبين أن الاستعانة بمصادر خارجية تمثل توجهًا رئيسًا (وربما التوجه الرئيس) الذي يشكّل مستقبل الموارد البشرية؛ إذ يتصورون إدارات للموارد البشرية تقتصر أعمالها على الأنشطة الاستراتيجية كافة، ويجريها طاقم داخلي صغير من كبار المساهمين، وربما يقتصر الأمر على المستشارين الداخليين ومصممي أنظمة الموارد البشرية وكبار التنفيذيين فيها، وتُترك سائر الأنشطة الإجرائية والإدارية لمزودين تعد تلك العمليات جوهر عملهم. غير أن آخرين يشككون في إمكان الفصل التام بين الجوانب الاستراتيجية والتشغيلية للموارد البشرية. فرالف كيميش، مدير التعويضات والمزايا في شركة خطوط ساوث ويست الجوية، على سبيل المثال، يبدي تشككه في الاستعانة بمصادر خارجية للموارد البشرية، إذ يقول: “يبدو لي أنه متى فعلت ذلك، فقد تخلّيت عن دورك كصاحب عمل في قيادة موظفيك”. ولهذا السبب، عمدت خطوط ساوث ويست الجوية إلى تعزيز قدراتها الداخلية في مجال الموارد البشرية.
والحق أن الاستعانة بمصادر خارجية لأي نشاط تجاري تخلق مخاطر محتملة كما تخلق فوائد؛ فقد تجد الشركات نفسها معتمدة اعتمادًا مفرطًا على المزوّدين، وقد تفقد القوة في الكفاءات الجوهرية الاستراتيجية. ومن اللافت للنظر، بالنظر إلى أهمية قرار الاستعانة بمصادر خارجية وكثرة الأدبيات الأكاديمية والعملية حوله، أن ثمة قلة في الإجماع حول هذا الموضوع، ولعل ذلك راجع إلى تعدد العوامل الداخلة فيه وتعقيدها. وهذه المقالة تلخّص أقوى ما جاء في البحوث المتاحة وتحدد العوامل الستة الرئيسة التي ينبغي للشركات مراعاتها عند اتخاذ قرارات الاستعانة بمصادر خارجية مهمة. ويمكن تطبيق هذا الإطار، الذي يعين على تقويم مزايا وعيوب الاستعانة بمصادر خارجية، على وظائف الموارد البشرية بوجه خاص. كذلك يمكن أن يوضح المسائل الإدارية في اتفاقيات الاستعانة بمصادر خارجية، مثل الاتفاقية البارزة الأخيرة بين شركة BP وشركة Exult Inc، التي بلغت قيمتها 600 مليون دولار مدة سبع سنوات، وتكشف عن كثير من الفرص والتعقيدات في مجال الاستعانة بمصادر خارجية للموارد البشرية. (انظر: “حول البحث”).
بيئة متغيرة
لقد أثرت التغيرات في البيئة التجارية العامة في جلّ جوانب إدارة الشركات لمواردها البشرية، وأعادت تشكيل ميزان الإيجابيات والسلبيات في الاستعانة بمصادر خارجية لعمليات الموارد البشرية.
أولًا، لقد أظهرت الضغوط المتعارضة في سوق العمل دور الموارد البشرية إلى الواجهة. فمن جهة، شهدت تسعينيات القرن الماضي ما يسمى “حرب المواهب”. ويتوقع علماء السكان مستقبلًا تضييقًا طويل الأمد في سوق العمل الأمريكية. ومن جهة أخرى، أجبرت الضغوط التنافسية المتزايدة الشركات على أن تكون أكثر شراسة في خفض التكاليف، غالبًا عن طريق تقليص أعداد الموظفين. وقد كان على إدارات الموارد البشرية أن تدير مثل هذه التقليصات، وهي في الوقت نفسه تحاول أن تبدع في جذب الموظفين ذوي القيمة والاحتفاظ بهم. ولئن لم تعد الموارد البشرية تُعد كفاءة جوهرية، فإن ترابطها مع العوامل الاستراتيجية في ازدياد.
ثانيًا، أصبحت إدارات الموارد البشرية نفسها هدفًا لمساعي تقليص النفقات، وصارت مطالبة اليوم بإيجاد سبل لتقديم قيمة أكبر بتكلفة أقل. وقد جادل كثيرون أن المفتاح يكمن في التركيز على الأنشطة الأساسية والاستعانة بمصادر خارجية فيما عدا ذلك.
ثالثًا، ازداد تعقيد البيئة القانونية للموارد البشرية، وكافح مديرو الموارد البشرية لمواكبة التغيرات التنظيمية، لا سيما في مجالات الرعاية الصحية، والتعويضات المرتبطة بالأسهم، واحتساب أجر العمل الإضافي، وإصلاح أنظمة المعاشات، وأهلية المزايا للعمالة المؤقتة، وضريبة الزواج. وقد دفع ذلك إلى زيادة الطلب على خدمات الموظفين المقدمة من مزودين خبراء في تلك الموضوعات.
رابعًا، باتت عمليات الاندماج والاستحواذ أكثر تواترًا، ما خلق تحديات ضخمة للموارد البشرية. فكثيرًا ما يُناط بالموارد البشرية مهام دمج أعداد كبيرة من الموظفين، وإدارة عمليات التسريح الناتجة عن توحيد الطواقم، والمساعدة في دمج ثقافات الشركات المختلفة. وغالبًا ما تجد الشركات، عند مواجهة تحدي دمج أنظمة موارد بشرية متباينة، أن الاستعانة بمصادر خارجية أمر جذاب، إذ إن الأفراد المتخصصين المطلوبين للمهمة سيكونون غالبًا فائضين عن الحاجة بعد إتمام المشروع. وتفرض العولمة تحديًا مماثلًا، إذ تتطلب من إدارات الموارد البشرية تلبية احتياجات الموظفين في بلدان متعددة وفيما بينهم.
أخيرًا، من بين القوى المتعددة التي تؤثر في إدارة الموارد البشرية، يُعد تطوّر التقنية أبرزها وأعظمها شأنًا. فقد أحدث الإنترنت وأجيال البرمجيات الجديدة ثورة في نظم معلومات الموارد البشرية، فحسّنت إنتاجية الإدارة تحسينًا بالغًا، وزادت من السيطرة على منافع الموظفين، ويسّرت جهود الامتثال ، وسهّلت إدارة شؤون الرواتب. ، وقلّلت من كلفة التوظيف، وصارت المعلومات المستخرجة من تلك النظم أيسر تقسيمًا وتجزئةً من تلك المستخرجة من النظم الورقية، ما جعل الاستعانة بمصادر خارجية أمرًا أكثر جاذبية. كذلك أفضت التقنية الحديثة إلى ظهور بوابات إلكترونية لإدارة الموارد البشرية، تتيح للموظفين الوصول إلى المعلومات من مصادر شتى على مدار الساعة، مثل جهات التأمين، ومقدمي الخدمات الصحية، ومديري الأصول، فضلًا عن أحدث معلومات الشركة (مثل أدلة السياسات والإجراءات)، وبيانات الموظفين (ممكّنة الأفراد، على سبيل المثال، من تغيير عناوينهم أو إعفاءاتهم الضريبية عبر الإنترنت)، وأدوات الإدارة (مثل نماذج تقييم الأداء). غير أن كثيرًا من الشركات ترى في التحديات التقنية المرافقة لبناء مثل هذه النظم وتشغيلها انشغالًا مكلفًا لا يجلب ميزة تنافسية ولا يَعِدُ بريادة مستدامة، فكانت الاستعانة بمصادر خارجية خيارًا مغريًا لديها.
صناعة مقسّمة
ومع شيوع الاستعانة بمصادر خارجية في عمليات إدارة الموارد البشرية، برزت ثلاثة قطاعات رئيسة في الصناعة: المستشارون، ومقدمو الخدمات الإدارية، وممكّنو التقنية. فالمستشارون في الموارد البشرية يقدّمون الخبرة في قضايا مثل التعويضات، وتصميم خطط خيارات الأسهم، ومنافع الموظفين، وتنوّع بيئة العمل. ويشمل هذا القطاع مؤسسات كبرى مثل: “هيويت أسوشيتس”، و”تاورز بيرين”، و”ميرسر للاستشارات في الموارد البشرية”، و”واتسون وايات العالمية”، إلى جانب عدد من الشركات الصغرى المتخصصة.
أما مقدمو الخدمات الإدارية فيتولّون معالجة الرواتب والمنافع، وقد يستعينون هم أنفسهم بمصادر خارجية لبعض الأنشطة المتخصصة كإدارة تعويضات العمال ونظام “كوبرا”. ويضم هذا القطاع شركات تركز على المعالجة الخلفية مثل: “أوتوماتيك داتا بروسيسينغ” (ADP)، وشركات تركز على الحلول الإلكترونية الأمامية مثل: “إي-بنفِتس”. ومن اللافت أن مقدمي الخدمات الإدارية الذين بدؤوا في مجال الرواتب، مثل: “ADP”، و”سيريديان كورب”، و”باي تشيكس”، و”بروبيزنس سيرفيسز”، قد توسعوا إلى خدمات الاستعانة بمصادر خارجية للمنافع ومجالات أخرى.
أما ممكّنو التقنية فيساعدون الشركات التي ترغب في مواصلة إدارة عمليات الموارد البشرية الداخلية بنفسها (بعد اقتناء برامج مخصصة أو جاهزة) لكنها تحتاج إلى العون في ذلك. ويشمل هذا القطاع شركات مثل “يو إس إنترنتووركينغ” و”كوريو”، التي تتقاضى رسومًا شهرية مقابل حلول إلكترونية تعتمد على برمجيات “بيبل سوفت”. وفي هذه الترتيبات، يكون ممكّن التقنية مسؤولًا عن التنفيذ وصيانة البرمجيات وإدارة البيانات وإتاحة الشبكة والدعم المتواصل، في حين يوفّر العميل المتخصصين في الموارد البشرية اللازمين لتشغيل النظام. ويدخل في عداد ممكّني التقنية أيضًا مستشارو تقنية المعلومات التقليديون ممن أقاموا شراكات للحصول على قدرات الموارد البشرية (مثل “يوني سيس” مع “إكسلت”، و”آي بي إم” مع “سينيرجي لتقنيات الموارد البشرية”).
وفي كل قطاع من القطاعات الثلاثة، نجد بعض البائعين متخصصين، وآخرين عامّين. فبين مقدمي الخدمات الإدارية، مثلًا، نجد المتخصصين مثل “جيلكو إنفورميشن نتوورك”، أكبر شركة للاستعانة الخارجية في إدارة نفقات السفر، و”ريواردز بلس” التي توفّر منافع اختيارية لموظفي عملائها. أما العامّون فيشملون شركات مثل: “إكسلت”، و”إمبلوييز”، و”إي-بيبلسيرف” (التي صارت جزءًا من “أكسنتشر”) و”سينيرجي”، القادرة على دمج كامل منظومة عمليات الموارد البشرية.
ويختلف البائعون أيضًا في عدد القطاعات الأساسية التي ينافسون فيها؛ فمثلًا، تُعد “برايس ووترهاوس كوبرز” التابعة لـ”آي بي إم” شركة عامة متكاملة رأسيًّا، تعرض مجموعة كاملة من خدمات الموارد البشرية تشمل الاستشارات والخدمات الإدارية والتقنية. أما “باي تشيكس”، المتخصصة في معالجة الرواتب والضرائب للشركات الصغيرة، فلا تبني نظمًا لعملائها ولا تقدّم خدمات استشارية.
اتجاهات الاستعانة بمصادر خارجية في عمليات الموارد البشرية
ولما كانت عمليات الموارد البشرية تختلف من منظمة إلى أخرى، فإن تطوير حلول مصممة خصوصًا لكل شركة قد يكون باهظ التكاليف. لذا، اعتمد كثير من البائعين استراتيجية التخصيص الجماعي. فعلى سبيل المثال، حين عملت “بروبيزنس” مع فريق “فينيكس صنز”، قدّمت حلولًا ضريبية للرواتب تراعي اختلاف قوانين حجز الضرائب في كل ولاية، كي يكون الفريق الرياضي محميًّا في أثناء تنقلاته عبر البلاد. وقد وجدت “بروبيزنس” أن السبيل الوحيد المجدي اقتصاديًّا لمواجهة هذا التنوع هو توحيد مجموعة من الوحدات الأساسية وتجهيزها بمفاتيح بسيطة تتيح التكيف مع طيف واسع من الحالات.
ومن الاتجاهات الأخرى التي ظهرت، الميل نحو التكامل والتوحيد. فقد قدرت مؤسسة جارتنر/داتاكويست أن نسبة حلول الموارد البشرية المتكاملة من مجمل عمليات الإسناد الخارجي في الولايات المتحدة لم تتجاوز ١٠٪ في عام ٢٠٠٢م، غير أن المتوقع أن تزداد هذه النسبة مع ازدياد رغبة الشركات في الحصول على خدمة شاملة من مزود واحد. وبناءً عليه، فإن كثيرًا من كبار مزودي الخدمات المعتمدين على العمليات، كـ”إيه دي بي” و”بروبيزنس” و”سيريديان”، أخذوا يقدمون حلولًا أوسع نطاقًا وأعلى مستوى من التكامل. ومن خلال بيع خدمات إضافية للعملاء، يستطيع هؤلاء المزودون الاستفادة من وفورات النطاق الكبيرة، فيزيد دخلهم عن كل موظف وتتوزع التكاليف العامة على خطوط خدمات أكثر. وهذا يشير إلى أن بعض عقود الإسناد الخارجي ستتوحد غالبًا من خلال البيع المتقاطع القوي الذي يمارسه اللاعبون المهيمنون، ما يؤدي إلى تركّز الصناعة. ومن المخاطر المحتملة أن ترتفع الرسوم وتصبح الحلول شديدة النمطية وقليلة المرونة. وقد بدأت فعلًا شركات كثيرة تتوجس من تسليم أنظمة الموارد البشرية الخاصة بها جميعها إلى مزود واحد. والواقع أن الشركات تستخدم حاليًّا في المتوسط ٤,٥ مزودين خارجيين لتلبية احتياجاتها في مجال الموارد البشرية.
وفي سياق متصل، فإن التحالفات تعد اتجاهًا آخر مرجحًا. فإذا كان مزود الخدمة يفتقر إلى قدرات قوية في مجال معين، أمكنه الوصول إليها عبر شراكات مع مزودين آخرين. ومن السيناريوهات الممكنة نمو الوسطاء الذين يقيمون تحالفات أو مشاريع مشتركة مع مزودين متخصصين ليقدموا للعملاء طيفًا واسعًا من الخدمات. كذلك تتيح التحالفات للمزودين وسيلة لتعزيز قنواتهم البيعية. ووفقًا لتقرير صدر عام ٢٠٠٠م، فإن نحو ٥٥٪ من عملاء “إيه دي بي” من الشركات الصغيرة يأتون عن طريق إحالات من مستشارين موثوقين في الأعمال، وأكثر من ٣٠٪ من مبيعات “باي تشيكس” الجديدة تأتي من شركاء، أغلبهم من المحاسبين القانونيين.
متى يُسند العمل إلى الخارج ومتى لا يُسند؟
إن إسناد وظائف الموارد البشرية إلى الخارج ينطوي على فوائد محتملة عدة: فهو يحرر موظفي إدارة الموارد البشرية الداخليين للتركيز على أنشطة استراتيجية تضيف قيمة أعلى من المهام الإدارية التشغيلية، ويمكّن الهياكل اللامركزية التي تدعم معدلات أعلى من الابتكار والمرونة، ويخفف العبء البيروقراطي لإدارة الموارد البشرية المركزية، ويسمح لقسم الموارد البشرية بأداء دوره في جهود تقليص حجم الشركة، ويسهّل الوصول إلى أفكار جديدة وأساليب مبتكرة من خارج المؤسسة.
لكن ثمة مخاطر وعقبات. فقد كشفت دراسة شملت ١٢٥ شركة متوسطة وكبيرة عام ٢٠٠٠م أن أكثر العوامل التي تثني عن إسناد الموارد البشرية إلى الخارج كانت ارتفاع التكلفة المتصورة وتدني الجودة، والخوف من فقدان السيطرة. وكشفت دراسة أخرى شملت ١٥٠ شركة عام ٢٠٠١م أن أبرز مشكلات الإسناد الخارجي للموارد البشرية تمثلت في سوء الخدمة، وتكاليف أعلى من الموعود بها، ومقاولين يفتقرون إلى المعرفة الكافية بالعميل، وموارد غير متوقعة مطلوبة لإدارة العلاقة.
وتتجلى هذه الإيجابيات والسلبيات بطرائق مختلفة لدى الشركات باختلاف أحجامها ونوعية عمليات الموارد البشرية المعنية. فمن إجمالي سوق الإسناد الخارجي للموارد البشرية، تستأثر الشركات الكبيرة (التي تزيد إيراداتها على ٥٠٠ مليون دولار) بنسبة ٥٥٪، والمنظمات المتوسطة (من ٥٠ إلى ٥٠٠ مليون دولار) بنسبة ١٧٪، والشركات الصغيرة (أقل من ٥٠ مليون دولار) بالنسبة المتبقية وهي ٢٨٪. وعمومًا، فإن الشركات الكبرى هي الزبائن الرئيسون لخدمات الموارد البشرية المتكاملة، في حين تميل الشركات الصغرى إلى إسناد وظيفة الرواتب إلى الخارج فحسب.
فكيف إذن ينبغي للشركة أن تقرر ما الذي تسنده إلى الخارج ومتى؟ لقد حددت مراجعة موسعة للأدبيات ستة عوامل مهمة:
مخاطر الاعتمادية.
إذا اضطرت الشركة إلى تكييف عملياتها من أجل التعامل مع مزود، فقد تجد نفسها عندئذٍ معتمدة عليه. غير أنه إذا اضطر المزود إلى تكييف عملياته مع احتياجات عميل بعينه، فقد يصبح هو أيضًا معتمدًا على ذلك العميل. وفي بعض الأحوال، يكون الطرفان عرضة لمثل هذه المخاطر؛ أي إن الاعتمادية قد تكون متبادلة. وتزداد مخاطر الاعتمادية (مما يثني عن الإسناد الخارجي) عندما تتطلب العملية المسندة إلى الخارج وجود المرافق في مكان واحد، أو معدات متخصصة، أو طاقة مخصصة، أو تدريبًا خاصًّا. والعامل الحاسم هنا هو مدى ترابط العملية المسندة إلى الخارج مع الأنشطة الأخرى في المنظمة. فلو أخفق المزود في أداء الوظيفة المسندة إليه، فكيف سيؤثر ذلك في العمليات الأخرى؟ لكن ينبغي التنبه إلى أن الترابط قد يحمل جانبًا إيجابيًّا أيضًا: وفورات الحجم الناجمة عن الاعتماد على أنظمة أو روتينات أو تطوير مشترك. لذا، إذا كانت الأنشطة شديدة الترابط، فقد تتردد الشركة في إسناد أي منها منفردة، بل قد تفضل إسنادها جميعًا دفعة واحدة.
مخاطر التسرب.
قد يؤدي التعاقد مع مزود إلى تعريض الشركة لاحتمال تسرب معلومات سرية، وربما حتى إلى المنافسين. وتزداد المخاطرة حين تنطوي العملية المسندة إلى الخارج على تكنولوجيا جديدة ذات أهمية تنافسية، وحين تكون الحماية القانونية لها (مثل قوانين البراءات مثلًا) ضعيفة أو غير واضحة، ويكون من السهل تقليد الابتكار. كذلك فإنّ الترابط بين العمليات يثير القلق أيضًا؛ فمخاطر التسرب تتفاقم حين يكون التداخل بين العملية المسندة إلى الخارج والوظائف الداخلية الأخرى معقدًا، ما يضطر الشركة إلى كشف معلومات خاصة لضمان التوافق بين الطرفين.
الثقة
لدرء مخاطر الاعتماد وتسرّب النتائج، قد تعتمد الشركة على عقود قانونية مفصّلة مع المورِّدين. غير أنّ مثل هذه الوثائق تستغرق وقتًا طويلًا وتكلّف كثيرًا في التفاوض، كذلك فإنّ إنفاذها غير مضمون ومكلف، ما يثبط العزيمة عن الاستعانة بمصادر خارجية، بل إنّ الاستعانة بالمصادر الخارجية تتيسّر كثيرًا إذا وُجدت الثقة بين الطرفين، لا سيما إذا حرص كلا الكيانين على صون سمعته بوصفه شريكًا جديرًا بالثقة. غير أنّ احتمال تباين المصالح التجارية يجعل الثقة بين الشركات المستقلة بطبيعتها مشروطة. وينبغي أيضًا أن تُقارن جدارة الشركاء الخارجيين بالثقة بجدارة المورّدين الداخليين، الذين قد يكون تقييمهم ضعيفًا أحيانًا.
الكفاءة النسبية
يستطيع المورّدون الخارجيون أن ينتفعوا باقتصاديات الحجم والتنوّع عبر جمع حاجات عملاء عدّة، فيقدّمون بذلك تنوّعًا وجودةً عاليةً بتكلفة منخفضة. وفوق ذلك، في الأنشطة الكثيفة المعرفة، قد يكون المزوّدون المتخصصون أكثر قدرة على استقطاب الخبراء النادرين والاحتفاظ بهم. غير أنّ الشركات ينبغي أن تزن كفاءتها مقارنةً بكفاءة المورّدين في كل حالة على حدة. ولا سيما في كبرى الشركات ذات الحجم الكافي، قد يكون العميل بالغ الكفاءة، ومع ذلك، قد ترى الشركة أنّ النشاط غير استراتيجي بما يكفي، وثمّة اعتبار آخر، وهو مدى براعة العميل في إدارة المورّدين، وهو أمر كثيرًا ما يكون عقبة غير متوقعة.
القدرات الاستراتيجية
ينبغي للشركة ألّا تستعين بمصدر خارجي في أي نشاط يسهم مباشرة في ميزتها التنافسية الاستراتيجية. وإلى جانب هذه القدرات الجوهرية، ينبغي للمنظمة أن تتروّى في الاستعانة بمصادر خارجية في أي نشاط حيوي، حتى وإن لم يمنحها ميزة مباشرة، إذا كان شديد الارتباط بالأنشطة التي تمنحها تلك الميزة. فإن رأت الشركة أنّ بإمكانها بناء تفوّق مستدام في نشاط يمنحها أفضلية طويلة الأمد، وجب عليها أن تمتنع عن الاستعانة بمصدر خارجي فيه، وأن تكرّس جهودها لبناء قدرة متفوّقة، حتى وإن كانت كفاءتها الحالية متواضعة، وسائر العوامل تغري بالاستعانة بمصادر خارجية. أمّا إذا لم تؤمن الشركة بإمكان تحقيق تفوّق مستدام، فقد يكون من الأفضل الاستعانة بمصدر خارجي، حتى وإن كانت كفاءتها الحالية عالية، وسائر العوامل تثبط ذلك.
الالتزام في مقابل المرونة
قد يكون الالتزام الذي لا رجعة فيه (في نشاط جوهري مثلًا) سلاحًا قويًّا تشير به الشركة إلى منافسيها بعزمها على الدفاع عن ميزتها. غير أنّ للمرونة الاستراتيجية قيمة عظيمة أيضًا. فمثلًا، قد تميل الشركة إلى الاستعانة بمصدر خارجي حين يكتنف الغموض القيمة المستقبلية لمخرجات ذلك النشاط. وفوق ذلك، فإنّ غموض مستقبل تكنولوجيا ما قد يجعل الشركة أقل ميلًا للاستعانة بمصدر خارجي في عملية تعتمد على تلك التكنولوجيا إذا كان النشاط جوهريًّا أو حيويًّا، وأكثر ميلًا إذا لم يكن كذلك.
تختلف أهمية هذه العوامل الستة باختلاف الظروف، وينبغي على الشركات أن تقيّم كل عامل منها على حدة، وفقًا لوزنه وأثره، لتكوّن رؤية شاملة ومتوازنة. ويمكن عدّ العوامل الأربعة الأولى (الاعتماد، والتسرّب، والثقة، والكفاءة النسبية) عوامل قصيرة الأمد أو تشغيلية، إذ تعتمد جزئيًّا على تقدير الظروف الراهنة للعلاقات والتقنية. أمّا العاملان الأخيران (القدرات الاستراتيجية، والالتزام في مقابل المرونة) فهما طويلَا الأمد أو استراتيجيان؛ إذ يعتمدان على آفاق المستقبل، وينطويان على نظرٍ في تغيّرات بعيدة الأمد يمكن للشركة أن تؤثر فيها استراتيجيًّا (وتلك التي لا يمكنها التأثير فيها).
وأمّا في مجال الموارد البشرية، فإنّ نشاطًا كمعالجة الرواتب يُستعان فيه غالبًا بمصادر خارجية، لأنّ مخاطر الاعتماد والتسرّب فيه منخفضة، ولتوفر المورّدين الموثوقين، ولما راكموه من خبرة، ولأنّ وظيفة الرواتب لا تمنح ميزة تنافسية تُذكر، ولأنّ العملاء يستطيعون تغيير المورّدين بغير عناء شديد. وعلى النقيض، فإنّ أنشطة كالتخطيط للموارد البشرية قلّما يُستعان فيها بمصادر خارجية؛ لما تنطوي عليه من مخاطر اعتماد عالية، وأهمية استراتيجية كبيرة، وترابط شديد مع العمليات الجوهرية الأخرى.
وتفسّر هذه العوامل الستة سبب اختلاف أنشطة الموارد البشرية التي تستعين فيها الشركات بمصادر خارجية بحسب حجمها؛ فالشركات الصغيرة والمتوسطة، مقارنة بالكبيرة، أكثر ميلًا للاستعانة بمصادر خارجية في الرواتب، لافتقارها إلى اقتصاديات الحجم اللازمة لأداء تلك الوظيفة بكفاءة. وعلى العكس، تميل الشركات الكبرى إلى الاستعانة بمصادر خارجية في معالجة المنافع، إذ تعرض عادةً طيفًا أوسع من المنافع، ما يقلل من اقتصاديات الحجم لمعالجة تلك الوظيفة داخليًّا.
مثال تطبيقي: صفقة BP مع Exult
كانت العوامل الستة للاستعانة بمصادر خارجية في صلب الاعتبار في صفقة بارزة أبرمتها BP مع شركة Exult في ديسمبر سنة 1999م. وبموجب هذا الترتيب، الذي كان حينئذٍ أكبر عقد للاستعانة بمصادر خارجية في مجال الموارد البشرية، وافقت BP على دفع 600 مليون دولار لشركة Exult لتتولى خدمات الموارد البشرية لديها جميعها بدءًا من منتصف سنة 2000م. وقد نص العقد، الذي امتد سبع سنوات، على أن تتولى Exult إدارة العمليات الإدارية والمعاملاتية للموارد البشرية جميعها لدى BP على مستوى العالم، وتتحمل مسؤوليتها وملكيتها.
مِن سوابق شركة BP في اتخاذ التعهيد خيارًا استراتيجيًّا ما يعود إلى ثمانينيات القرن العشرين، إذ ابتدأت BP Exploration آنذاك بتعهيد عمليات تقنية المعلومات انتقائيًّا. ثم، وبعد سلسلة من الاندماجات في أواخر التسعينيات، كانت BP تسعى إلى تقليل التكاليف وتحقيق الكفاءة، فكان من بين المجالات التي خضعت للفحص الموارد البشرية. وفي أثناء نمو الشركة السريع، وجدت نفسها أمام مئة ألف موظف جديد، وتعدد في الأنظمة غير المتوافقة، فعلى سبيل المثال كان لديها عشرات الأنظمة المختلفة للتعويضات والتقييم. ووفقًا لما ذكره نِك ستاريت، نائب الرئيس التنفيذي للمجموعة آنذاك لشؤون الموارد البشرية: “كانت تكلفة تقديم أنشطة الموارد البشرية لدينا غير قادرة على المنافسة، وجودة التنفيذ كانت محل شك. علاوة على ذلك، كان عبء الإدارة على إدارات الموارد البشرية في الوحدات التشغيلية يمنع الوظيفة من أداء دورها بفاعلية في الخدمات الاستراتيجية للموارد البشرية”. ولمعالجة هذه القضايا، بحث مسؤولو BP عن سبل لتحويل الموارد البشرية من تكلفة ثابتة إلى تكلفة متغيرة تتحملها الوحدات التشغيلية. من حيث المبدأ، كان بوسع BP تنسيق أنظمة الموارد البشرية وتبسيطها بإنشاء مجموعة خدمات مشتركة ضخمة. غير أن هذا النهج كان صعب التنفيذ من الناحيتين السياسية والمالية؛ لذا بدأ البحث الجاد عن شريك تعهيد عام 1998م.
وهنا برزت شركة Exult، ومقرها إيرفاين، كاليفورنيا، إذ تتولى مسؤولية كامل أو جزء من طاقم الموارد البشرية لدى العميل وعملياته وتقنياته وعلاقاته القائمة مع مزودي الخدمات الخارجيين الآخرين. وتقدم Exult برامج قائمة على الويب تربط العميل بشبكة تعمل من أربعة مراكز خدمة خارجية. وتستهدف الشركة العملاء ذوي العمليات في أكثر من خمس دول، ولديهم على الأقل خمسة وعشرون ألف موظف وإيرادات سنوية تتجاوز عشرة مليارات دولار. ويُقال إن التوفير المعتاد في التكاليف يتراوح بين عشرة إلى عشرين في المئة سنويًّا.
وقد نص الاتفاق بين BP وExult على أن تتولى الشركة المتعهدة العناصر الإدارية: من التعويضات والمزايا والرواتب وتطوير الهيكل التنظيمي وإدارة الأداء وتطوير الموظفين والتدريب والتوظيف وإعادة التوطين، في حين بقيت BP مسؤولة عن سياسة الموارد البشرية واستراتيجيتها والموارد المهنية والعلاقات العمالية. وكما عبرت الإدارة، فقد احتفظت BP “بالأمور التي تتطلب حكمًا وسياسة فحسب”. ووفقًا لتقدير ما، كان من شأن الاتفاق أن يمكّن BP من تقليص ما يقارب أربعين في المئة من طاقم الموارد البشرية لديها. ولم يكن مستغربًا أن قرار التعاون مع Exult كان موضع نقاش واسع، وتناول كثير من النقاش العوامل الستة للتعهيد.
مخاطر الاعتماد: كانت مخاطر الاعتماد المتبادل في الاتفاقية واضحة وجسيمة. ولتقليلها، اجتهد الطرفان منذ البداية في إقامة رابطة ثقة. ووفقًا لستاريت: “في كثير من صفقات التعهيد، يعرض العميل ببساطة تكلفة العملية الإجمالية ويسأل المزودين المحتملين إن كانوا قادرين على تقديمها بتكلفة أقل. أما نحن، فقد اتبعنا مع Exult نهج الدفتر المفتوح سميناه ‘البرميل البلوري’. كان رأينا أن الشراكة ينبغي أن تبدأ من اليوم الأول. كان علينا أن نعرض لهم بيانات تكاليفنا التفصيلية، وكان عليهم أن يبينوا لنا كيف سيحسنونها والهامش الذي سيحققونه في العملية”.
وكان من أكبر هواجس BP هل كانت Exult قادرة على إدارة مشروع بهذا الحجم، إذ لم تكن الشركة سوى ناشئة. ومن ناحية أخرى، كان مؤسسو Exult وموظفوها ذوي خبرة واسعة، ولم ترق BP لمقترحات بعض الشركات الكبرى والأكثر رسوخًا. وكان من القضايا الأخرى استراتيجية الخروج في حال فشل Exult أو الاتفاق. وأجرت BP ورش عمل عدّة لإدارة المخاطر مع Exult لمناقشة تلك المسألة. وداخليًّا، تساءل المديرون التنفيذيون في BP إن كان الترتيب الجديد سيحسن ولن يضعف مستويات خدمة الموارد البشرية. واستجابة لذلك، أنشأت BP هيكل حوكمة لعملية التعهيد يضم ممثلين عن الإدارة التنفيذية العليا.
مخاطر الانعكاس: لم تتوقع BP أن تكون لمخاطر الانعكاس أهمية كبيرة. غير أن Exult اكتشفت أن القوانين المتعلقة بالخصوصية في ألمانيا ثالث أكبر مواقع BP وأكثر من عشرة آلاف موظف جعلت من الصعب معالجة بيانات الموظفين خارج البلاد. ونتيجة لذلك، اضطرت BP وExult إلى تعديل خططهما لمعالجة احتياجات BP جميعها من خلال مركزي خدمة Exult في غلاسكو وهيوستن، كذلك اضطرتا إلى تقليص دمج وحدات BP الأوروبية غير البريطانية.
الثقة
إضافة إلى جهود بناء الثقة المذكورة آنفًا، أصبحت BP مستثمرًا في Exult. يقول ستاريت: “كان استثمارنا في Exult أساسًا علامة على حسن النية. ملكية BP أقل من ثمانية في المئة”.
الكفاءة النسبية
كان من أبرز عوامل الجذب لدى BP في العمل مع Exult خبرة الشركة في تقنيات الويب، إذ تصورت BP أن نظام الموارد البشرية الجديد سيكون ممكنًا عبر الإنترنت، ما يسمح في نهاية المطاف للموظفين جميعهم بالوصول إلى خدمات الموارد البشرية ومعلوماتها من حواسيبهم الشخصية. ففي الماضي، كان من يرغب في مهمة خارجية ينتظر حتى اثني عشر يومًا للحصول على المعلومات اللازمة من قسم الموارد البشرية. أما النظام الجديد عبر الويب فسيتيح للموظفين الحصول على تلك البيانات بأنفسهم في دقائق معدودات. ولن يحسن النظام الجديد سرعة الاستجابة ويقلل التكاليف فحسب، بل سيحرر مختصي الموارد البشرية للإجابة عن الأسئلة الأكثر تعقيدًا وتصميم تحسينات السياسات بناءً على ملحوظات الموظفين. كذلك مكنت تقنيات الويب BP من استيعاب وظائف جديدة بسهولة؛ فعلى سبيل المثال، عملت الشركة مع Exult على إنشاء وكيل برمجي يستخلص معلومات من الموظفين الباحثين عن وظائف أخرى داخل BP، ويبحث تلقائيًّا في الوظائف الشاغرة يوميًّا لأي توافق محتمل.
القدرات الاستراتيجية
قد شكك بعض مديري شركة BPفي جدوى إسناد إدارة الموارد البشرية إلى جهة خارجية، إذ إن الموظفين كانوا، في نهاية المطاف، من أهم مصادر التفوق التنافسي لدى الشركة. وردًّا على ذلك، جادل ستاريت وزملاؤه أن العمليات كإدارة الرواتب ليست مما يميز الشركة تنافسيًّا. فقال: “كان لزامًا علينا أن نركز على ما هو أهم، كبرنامج عالمي للتنوع، يجذب المواهب المتنوعة”.
وقد عمدت ل BPفي تحليلها إلى تفكيك وظيفة الموارد البشرية إلى أنشطة محددة، وتبيان الأهمية الاستراتيجية لكلٍّ منها. ومن خلال هذا التقييم، قررت الشركة الاحتفاظ بعمليات أساسية عدّة ضمن إدارتها الداخلية كاملة، مثل: سياسة الموارد البشرية، والاستراتيجية، والموارد المهنية، وعلاقات العمل. إضافةً إلى ذلك، عند إسناد بعض العمليات الأخرى إلى جهة خارجية، آثرت بي بي أن تظل مشاركة في تصميمها على المستوى الأعلى، تاركة لExult مسؤولية التصميم التفصيلي والتنفيذ.
وكان من الدروس الرئيسة هنا أهمية وصعوبة تحليل أوجه الترابط والتداخل جميعها بدقة. فحين احتفظت الشركة بتصميم المستوى الأعلى وأسندت التنفيذ والتصميم التفصيلي إلى الخارج، راهنت على أن هذين الجانبين مستقلان بما فيه الكفاية. وعلى العكس، حين قررت إسناد طيف واسع من عمليات الموارد البشرية، راهنت BPعلى أن إكسلت، باستيعابها لترابط هذه العمليات، ستتحمل المسؤولية عنها، وسيتمكن الشريكان من اقتسام منافع وفورات النطاق والحجم الناشئة. وحتى الآن، يبدو أن هذه الرهانات قد آتت أكلها وأثمرت ثمارًا يانعة.
الالتزام مقابل المرونة
تبرز صفقة بي بي مع إكسلت أهمية المرونة الاستراتيجية؛ فقد كان الدافع الرئيس للإسناد الخارجي هو التحدي الهائل الذي كان في معظمه جهدًا لمرة واحدة، لتوحيد عمليات الموارد البشرية عبر وحدات الأعمال الكثيرة التي استحوذت عليها الشركة حديثًا. ونظرًا إلى أن إدارة الموارد البشرية متداخلة جدًّا مع إدارة وحدات الأعمال الأخرى، فإن أي محاولة لتوحيد الأنظمة المختلفة للموارد البشرية في الشركة كانت ستتطلب مفاوضات ضخمة. وعليه، لما تبين للشركة أن معظم أنشطة الموارد البشرية ليست جوهرية، صار الاستثمار في ذلك الاتجاه غير ملائم، وأصبحت المرونة التي يوفرها الإسناد الخارجي خيارًا جذابًا.
وكان تنفيذ الشراكة تحديًا جسيمًا، فلم يكن على بي بي وإكسلت دمج أنظمة الموارد البشرية المتنوعة في الشركة فحسب، بل كان عليهما أيضًا دعم وحدات الأعمال التي كانت تمر في حد ذاتها بعمليات إعادة هيكلة. ويقول ستاريت: “لقد كانت ممارسات الموارد البشرية في المنظمة الجديدة متنوعة على نحوٍ مذهل: تعدد أنظمة الرواتب، وتقييمات الموظفين، وعقود العمل، وهياكل الرواتب. والقائمة تطول”. وبسبب هذا التعقيد، قررت بي بي أن تركز في البداية على عملياتها في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، حيث يتركز أكبر عدد من موظفيها. وشكلت الشركة فرقًا مشتركة مع إكسلت، وتولت مجموعة توجيهية خاصة الإشراف على المشروع، وكان فيها تمثيل رفيع من بي بي وإكسلت، إلى جانب إدارات الخطوط والوظائف من داخل الشركة.
ولا ريب في أن مشروعًا بهذا الحجم لا يخلو من المشكلات؛ إذ لم ينتقل إلا عدد قليل من موظفي بي بي إلى مراكز خدمة إكسلت الجديدة، فلم تكن عملية نقل المعرفة بين المؤسستين سلسة. وزاد الأمر تعقيدًا أن أنظمة الشركة لم تكن دائمًا مَصونة كما ينبغي، وفي بعض الحالات كان التوثيق مفقودًا. فمثلًا، شابت عملية صرف الرواتب بعض الإشكالات. ويذكر ستاريت: “في إحدى المرات، اضطرت إكسلت إلى إرسال الشيكات عبر رسول خاص لضمان صرف الرواتب في الوقت المحدد”.
ومع ذلك، فقد كانت هذه المشكلات ذات فائدة، إذ ساعدت بي بي وإكسلت على كشف آليات عمل الأنظمة المختلفة. يقول ستاريت: “اكتشفنا تفاصيل كثيرة عن حول الروابط البدائية التي كانت تصل بين الأنظمة والعمليات السابقة ، أكثر مما كنا سنعرف لو أبقينا كل شيء داخل الشركة بعد عمليات الدمج”. ويضيف: “لقد أجبرنا عقد الإسناد الخارجي على مواجهة التكرار وعدم الكفاءة في معظم عمليات الموارد البشرية الأساسية لدينا”.
وقد تجلت الفوائد على نحوٍ ملموس، فبعد عامين من شراكتها مع إكسلت، أفادت بي بي أن دقة الرواتب ارتفعت، وأنظمة تقييم الموظفين العالمية قد اختزلت إلى إجراء وحيد عبر الإنترنت، وتناقص عدد عقود العمل المختلفة على نحوٍ ملحوظ، وجرى تنفيذ نظام جديد لإدارة التعلم، وحصل الموظفون على وظائف جديدة واسعة من خلال بوابة إلكترونية. وذلك كلّه انعكس إيجابًا على أرباح الشركة. ويتساءل ستاريت: “هل كنا سنحقق هذا كلّه من دون طرف ثالث؟ أشك في ذلك، لا سيما بهذا المستوى من التكلفة”.
إكسلت ومستقبل إسناد الموارد البشرية
تجربة إكسلت تبرز القضايا والتحديات المتنوعة لمقدمي خدمات الموارد البشرية، وتلقي الضوء على مستقبل هذه الصناعة. فإلى جانب عقدها مع بي بي، أبرمت إكسلت صفقات كبرى عدّة أخرى: مع يوني سيز (عقد سبع سنوات بقيمة 200 مليون دولار)، وبنك أوف أمريكا (عقد عشر سنوات بقيمة 1.1 مليار دولار)، وإنترناشونال بيبر (عقد عشر سنوات بقيمة 600 مليون دولار)، وبرودنشال فاينانشال (عقد عشر سنوات بقيمة 700 مليون دولار).
لقد كانت الصفقات الكبرى المتعددة ذات أهمية بالغة. يقول بروس فيرغسون، نائب رئيس شركة إكسلت وكبير موظفيها لشؤون الأفراد: «إن وفورات الحجم هي مفتاح نموذج أعمالنا. ولأضرب لك مثلًا: لقد تولّينا مؤخرًا إدارة وظيفة لإحدى الشركات العميلة، فوجدنا أننا قادرون على استبدال أكثر من تسعين من موظفيهم بإضافة خمسة عشر شخصًا فقط إلى مجموعتنا القائمة، وذلك لأننا نستطيع الاستفادة من بنيتنا التحتية الموجودة». غير أن تحقيق مثل هذه الكفاءة يقتضي من إكسلت اجتناب الإفراط في تخصيص خدماتها. يقول فيرغسون: «إن عرضنا للقيمة يفترض أننا نستطيع توحيد نحو ثمانين في المئة من العمليات، وأن نعدل العشرين في المئة الباقية فقط -لا أن نخصصها كاملة- حتى نكسب عملياتنا مظهرًا وشعورًا مقبولين».
وكما هي حال عملائها، فإن إكسلت نفسها قد لجأت إلى الاستعانة بمصادر خارجية. ففي بعض الحالات، مثل إدارة شؤون المغتربين، تكتفي إكسلت باستخدام الأدوات التي توفرها الشركات الشريكة. وفي حالات أخرى، مثل مجال المزايا، يتولى الشركاء تقديم خدمات الموارد البشرية. أما دور إكسلت فهو جمع حاجات العملاء وضمان حصولهم على الخدمات المطلوبة. وبهذا السبيل، تستطيع إكسلت أن تنال نصيبًا من الوفر المالي الناجم عن وفورات الحجم. يقول فيرغسون: «بوجه عام، نرى أن ميزتنا التنافسية تأتي أساسًا من الجد والاجتهاد -الإتقان في التنفيذ- ومن ميزة الحجم التي نحققها بسبقنا إلى السوق، إذ نبني حجمًا كافيًا من المعاملات يخفض الأسعار، وشبكة من العملاء والشركاء تجعل من الصعب على المنافسين الجدد اقتحام المجال».
ومن المثير للاهتمام أن إكسلت، عند اتخاذ القرار بشأن أي الأنشطة يُستعان فيها بمصادر خارجية وأيها يُحتفظ به داخليًّا، تمر غالبًا بعملية اتخاذ القرار نفسها التي يمر بها عملاؤها. يقول فيرغسون: «نستعين بمصادر خارجية لبعض العمليات، كالمزايا، إذ يوجد مقدمو خدمات أقوياء فعلًا. وحتى الآن، كانت قاعدتنا العامة أن نحتفظ داخليًّا ونعامل كعمليات أساسية تلك التي تكون عوائق الدخول إليها منخفضة، ونستطيع فيها تحقيق وفورات الحجم».
وبفضل الاستعانة بمصادر خارجية لعمليات الموارد البشرية، صارت وظائف الدعم لشركات كبرى مثل بي بي عملًا أساسيًّا لإكسلت. ويُعلق فيرغسون قائلًا: «إن ثمة تحولًا ثقافيًّا عجيبًا بين الموارد البشرية الداخلية وتلك المُستعان بها خارجيًّا؛ فعندما تنتقل شؤون الرواتب، مثلًا، من المكاتب الخلفية إلى الواجهة، وحين يكثر كبار التنفيذيين من زيارة القسم، ويصبح ذلك القسم مصدرًا للإيراد لا مجرد عبء، ينشأ شعور استثنائي بالتمكين. ويبدأ الجميع بتقديم أفكار لتحسين العمل، ويتغير جو المكان تغيرًا جذريًّا».
المراجع
1. R. Scholl, “Business Process Outsourcing at the Crossroads,” white paper, Gartner Group, Stamford, Connecticut, Jan. 31, 2002, reports the following: In a survey of 77 midsize and larger companies that outsource at least one process, the most commonly outsourced processes were administrative, 30% (most typically, claims processing); HR, 28%; payment services, 26%; supply-chain management, 25%; and finance and accounting, 23%.
2. See “HR Outsourcing: Time To Deliver Results,” white paper, Gartner Group, Stamford, Connecticut, March 26, 2001. Robert W. Baird & Co. divides the overall human-capital-management industry into administrative services — essentially HR-BPO — and professional services, which include HR consulting (total revenue of $10.9 billion, according to International Data Corp.) and the various segments of the staffing industry. The latter, according to Staffing Industry Analysts Inc., encompass temporary help ($80.2 billion in 2001), place-and-search companies ($13.8 billion), professional-employer-organizations/staff-leasing companies ($42.8 billion) and outplacement ($1.3 billion). HR consulting is arguably at the intersection of administrative and professional services, and this article includes it under HR-BPO because a growing number of HR consultants offer stand-alone BPO services. But this article excludes professional employer organizations (PEOs), which are also arguably at this same intersection. PEOs provide both personnel and many of the associated HR processes; unlike other staffing organizations, however, PEOs also assume the associated insurance and legal liabilities. None currently offer stand-alone BPO services.
3. E. Lawler and S. Mohrman, “Human Resources Management: New Consulting Opportunities,” in F. Poulfelt and L. Greiner, eds., “Advanced Management Consulting” (Palo Alto, California: Stanford University Press, in press).
4. J. Kochaniec, “BP Amoco Outsourcing,” Business Insurance, Dec. 13, 1999, p. 1.
5. See, for example, M. Cook, “Outsourcing Human Resource Functions” (New York: AMACOM, 1998).
6. “Demand Analysis of Integrated Multiprocess HR Outsourcing,” white paper, Gartner Group, Stamford, Connecticut, Sept. 20, 1999, p. 6.
7. “The Internet and HR Outsourcing,” white paper, Robert W. Baird & Co., Milwaukee, Wisconsin, February 2000, p. 11.
8. C. Greer, S. Youngblood and D. Gray, “Human Resources Management Outsourcing: The Make or Buy Decision,” Academy of Management Executive 13, no. 3 (1999): 85–96.
9. Scholl, “Business Process Outsourcing at the Crossroads.”
10. E.E. Lawler III and S.A. Mohrman, “Creating a Strategic Human Resources Organization” (Palo Alto, California: Stanford University Press, 2003). See also J. Laabs, “The Dark Side of Outsourcing,” Workforce (September 1998): 42–46. Laabs lists the biggest reasons for outsourcing failures as vendor’s failure to be proactive, turnover in the vendor team, vendor errors and mistakes, incompatibility of client and vendor cultures, data-transmission errors, technological inefficiencies and contract ambiguities. In particular, she highlights the costs associated with the lack of transaction standardization. M. Useem and J. Harder, “Leading Laterally in Company Outsourcing,” Sloan Management Review 41 (winter 2000): 25–36, describe the new leadership capabilities required in firms that engage in outsourcing.
11. S. Lever, “An Analysis of Managerial Motivations Behind Outsourcing Practices in Human Resources,” Human Resource Planning 20, no. 2 (1997): 37–47; “HR Outsourcing: Time To Deliver Results,” Gartner Group; and “Business Process Outsourcing Popularity Grows in SMB Market,” white paper, Gartner Group, Stamford, Connecticut, January 2003.
12. This framework integrates ideas from industrial-economics analysis of the value chain (M.E. Porter, “Competitive Advantage: Creating and Sustaining Superior Performance” [New York: Free Press, 1985]) and transaction-cost economics (O.E. Williamson, “Markets and Hierarchies: Analysis and Antitrust Implications” [New York: Free Press, 1975] and “The Economic Institutions of Capitalism” [New York: Free Press, 1985]) with three other strands of theory: social exchange theory, organization theory and business strategy. On social exchange theory, see, for example, T. Kern and L. Willcocks, “The Relationship Advantage: Information Technologies, Sourcing and Management” (New York: Oxford University Press, 2001), chap. 2. On organizational theory, see, for example, J. Baron and D. Kreps, “Strategic Human Resources: Frameworks for General Managers” (New York: John Wiley & Sons, 1999), chap. 18. On business strategy, see, for example, J. Barney, “Gaining and Sustaining Competitive Advantage,” 2nd ed. (Upper Saddle River, New Jersey: Prentice Hall, 2002), chap. 6; R. Hayes, S. Wheelwright and G. Pisano, “Vertical Integration and Supply Chain Strategies,” working paper, Harvard Business School, Boston, 2002; J.B. Quinn and F. Hilmer, “Strategic Outsourcing,” Sloan Management Review 35 (summer 1994): 43–55; and J.B. Quinn, “Strategic Outsourcing: Leveraging Knowledge Capabilities,” Sloan Management Review 40 (summer 1999): 9–21. The decision criteria presented in this article also reflect concerns actually encountered in industry practice. On HR outsourcing, see M. Cook, “Outsourcing Human Resource Functions” (New York: AMACOM, 1998); T. Gainey and B. Klaas, “The Outsourcing of Training and Development: Factors Impacting Client Satisfaction,” Journal of Management 29, no. 2 (2003): 207–229. On IT outsourcing, see Kern, “The Relationship Advantage”; L. Willcocks and M. Lacity, eds., “Strategic Sourcing of Information Systems: Perspectives and Practices” (New York: John Wiley & Sons, 1999); M. Greaver, “Strategic Outsourcing: A Structured Approach to Outsourcing Decisions and Initiatives” (New York: AMA-COM, 1999); M. Lacity and R. Hirschheim, “Information Systems Out-sourcing: Myths, Metaphors and Realities” (New York: John Wiley & Sons, 1995); R. Klepper and W. Jones, “Outsourcing Information Technology, Systems and Services” (Englewood Cliffs, New Jersey: Prentice Hall, 1997); F. McFarlan and R. Nolan, “How To Manage an IT Outsourcing Alliance,” Sloan Management Review 36 (winter 1995): 9–23; K. Ripin and L. Sayles, “Insider Strategies for Outsourcing Information Systems: Building Productive Partnerships, Avoiding Seductive Traps” (New York: Oxford University Press, 1999); C. Saunders, M. Gebelt and Q. Hu, “Achieving Success in Information Systems Out-sourcing,” California Management Review 39 (winter 1997): 63–79; and L. Poppo and T. Zenger, “Testing Alternative Theories of the Firm: Transaction Cost, Knowledge-Based, and Measurement Explanations for Make-or-Buy Decisions in Information Services,” Strategic Management Journal (1998): 853–877.
13. A. Afuah, “Redefining Firm Boundaries in the Face of the Internet: Are Firms Really Shrinking?” Academy of Management Review 28, no. 1 (2003): 34–53; K. Mayer, “Managing Buyer-Supplier Relationships in High Technology Industries” (Ph.D. diss., University of California, Berkeley, 1999); and K. Mayer and J. Nickerson, “Antecedents and Performance Implications of Contracting for Knowledge Workers: Evidence From Information Technology Services,” unpublished, 2002.
14. J. Barthélemy, “The Hidden Costs of IT Outsourcing,” MIT Sloan Management Review 42 (spring 2001): 60–69.
15. K. Artz and T. Brush, “Asset Specificity, Uncertainty, and Relational Norms: An Examination of Coordination Costs in Collaborative Strategic Alliances,” Journal of Economic Behavior and Organization 41, no. 4 (2000): 337–362.
16. Baron, “Strategic Human Resources,” chap. 18.
17. Gainey, “The Outsourcing of Training and Development.”
18. P. Ghemawat, “Commitment: The Dynamic of Strategy” (New York: Free Press, 1991); D. Besanko, D. Dranove and M. Shanley, “Economics of Strategy,” 2nd ed. (New York: John Wiley & Sons, 2000); and T.A. Luehrman, “Strategy as a Portfolio of Real Options,” Harvard Business Review 76 (September–October 1998): 89–98.
19. In November of that same year, BP signed a $1.1 billion agreement with PricewaterhouseCoopers to outsource all its finance, accounting and MIS-applications work in the United States. See F. Hansen, “Global BPO: Reshaping Credit Management,” Business Credit 102 (April 2000): 18–20.
20. Unless otherwise indicated, quotations and descriptive material are drawn from interviews conducted by the author in spring 2002.
21. G. Donnelly, “Do It Yourself: Browser-Based Technology Gives Rise to True Self-Service HR,” CFOEurope, April 15, 2000, http://www.cfoeurope.com/displayStory.cfm/1741270.
22. See A. Maitland, “Giant Leap for Human Resources,” Financial Times, March 27, 2002, p. 12.
23. See B.E. Rosenthal, “Strategic Alliance Provides Missing Piece,” http://www.outsourcing-hr.com/strategic.html, for a description of Exult’s partnership with Deloitte & Touche (now Deloitte-ToucheTohmatsu) to integrate Deloitte’s GlobalAdvantage expatriate-administration software into its suite.
24. Exult does not merely contract with the client to manage existing HR-BPO vendor services. Instead, Exult becomes the party responsible for providing those services, and Exult’s providers are paid by Exult rather than by the client.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




