مقالات

سينما ياسوجيرو أوزو: الرقّة في رثاء الأشياء

فراس الماضي

تعرَّف العالم على السينما اليابانية، من خلال الأفلام التي جاءت بعد الحرب العالمية الثانية، إذ يمكن اعتبارها بالفترة الذهبية بالرغم من عدم تطرّقها النهائي إلى مأساة ناغازكي وهيروشيما، وهو أمرٌ طبيعي نتيجة الاحتلال الذي قامت به دول التحالف، والهيمنة الأمريكية الواضحة على وسائل الإعلام اليابانية آنذاك، وبشكلٍ أدقّ يمكننا وضع الفترة في إطار يضم كلًّا من سنوات ما بعد الحرب وحتى أواخر الخمسينيات، قبل أن تبرز حركة أخرى لامعة بعد ذلك، عُرفت بين الأوساط السينمائية بالموجة اليابانية الجديدة، متسمةً بميلها للتجريب والحدة في التعبير، إلا أن أفلام ما بعد الحرب هي من رسمت وبجدارة ملامح الفيلم الياباني ورسخت جذوره الأساسية، ذلك من خلال أعمال أربعة مخرجين مهمين، وهم: كنجي ميزوغوتشي بملاحمه التي صاغها من حكايات اليابان الشعبية، وأكيرا كوروساوا بسيوف الساموراي التي ألهمت كل من جاء بعده، وبنهر ميكيو ناروسي ذي السطح الهادئ والذي يخفي في أعماقه تيارًا هادرًا كما قال عنه كوروساوا(1)، أما ياسوجيرو أوزو، فقد كان بعيدًا عن النهر وعن السيف وعن الملحمة، قريبًا من المنزل الياباني، عند الواشيتسو وفوق حصير التاتامي، وبين أبواب الشوجي وأباريق الشاي الحمراء، وزجاجات الساكي في ليالي الشمل الطويلة، بين الأب وابنته، والأم وابنها، وبرقّةٍ ملحوظة يرصد من خلالها يوميات الحياة العادية، لتصبح أفلامه مرآة طاهرة تعكس من خلالها ما يعرفه القلب، فأفلام أوزو أشبه بالبيت الذي نميز أركانه جيدًا، نألف أناسه حتى في المرات الأولى التي نحلّ بها عليهم.

يمكن اعتبار سينما أوزو برهانًا لعدم صحة الفرضية القائلة بأن السمات المرتبطة بتقاليد المكان والزمان تتنافر مع التلقي الكامل للمُشاهد الغريب عنها، فعلى الرغم من احتفاء أوزو بأناس اليابان القدامى، وحنينه إليهم، إلا أن جوهر أعماله قد لامس العديد من مشاهديها في مختلف أنحاء العالم، ويعود ذلك إلى أمرين: الأول في نظرة أوزو الشخصية للمنطقة الإنسانية، والتي أجاد سبرها من خلال نهج يعتمد على البساطة الأسلوبية، دون لجوء إلى أيِّ الْتواءات سردية أو تعقيدات متكلفة، والثاني في إخلاص أوزو نفسه للمنزل الياباني وثقافته، ليكون في إخلاصه هذا إقناعًا لحكايته؛ حيث يصبح الاختلاف بين المتلقي وثقافة العمل هنا مساندًا لتلقّي جوهره الإنساني، أي كلما شغلت ثقافة المكان المختلفة جزءًا أكبر كانت الصفات الإنسانية المشتركة أكثر وقعًا في تأثيرها على المتلقي، ولذا يمكن النظر إلى ياسوجيرو أوزو باعتباره أكثر مخرجي اليابان «يابانيةً»، والأكثر في «عالمية» ما تحكيه أعماله.

المسيرة والأشياء

صنع أوزو ما يقارب 54 فيلمًا، منذ الفترة الصامتة، دخولًا إلى الناطقة، ووصولًا إلى الألوان. كانت البداية مع الفيلم المفقود «سيف الندم» (1927)، تلا ذلك فيلمان لم يتم العثور عليهما أيضًا، وهما «أحلام الصبى»، و«اختفاء زوجة»، ولم أجد تحليلًا قد يفيد بطبيعة هذه الأعمال سوى كونها احتفاءً بالسينما الأمريكية الصامتة؛ حيث سنرى ذلك جليًّا في أقدم أفلام أوزو الموجودة «أيام الصبا» (1929)، الذي يحكي فيه حكاية طالبين وصديقين مقربين يتنافسان على حبّ امرأة واحدة -حبكة قد تذكرنا بحبكة فيلم «تصميم للعيش» (1933)، للمخرج أرنست لوبيتش- لكن ما سنلاحظه جيدًا هنا هو الكوميديا التي تتأثر كثيرًا بالروح الهزلية لأعمال هارولد لويد.

ولم يتوقف أوزو عن حكايات الطلاب، بل وبنفس الاحتفاء بالسينما الغربية الصامتة صنع كلًّا من «تخرجت ولكن…» (1929)، «رسبت ولكن…» (1931)، إلى أن جاء فيلم «جوقة طوكيو» (1931)، وعلى رغم تحيته لشارب الممثل الأمريكي غروتشو ماركس في مشهد الفيلم الافتتاحي، إلا أن الملامح الدرامية لسينماه قد شهدناها هنا لأول مرّة، عبر الموازنة بين الحس الكوميدي اللطيف والحزن المتخفي، مُظهرًا فيه جِدّيّة حقيقية وامتعاضًا بيّنًا نحو الحداثة الاجتماعية، متناولًا كذلك هموم العطالة في زمن ما بعد الكساد. كما قام بصناعة فيلم «ولدت ولكن…» (1932) ، الذي أراه البداية لجمالية سينما أوزو، حيث لا يتخلص من كلاسيكية السرد المسرحي فحسب، بل يواجهها بطبيعة سردية مختلفة، وظهور أوليّ لزوايا الكاميرا التي عُرف أوزو بها، وعبر نظرة واسعة لعالم الكبار من خلال أعين الأطفال؛ يظهر لنا أوزو هجاءً اجتماعيًا لتأثير القوة، داخل حكاية أخوين وأبيهما. كما استمر أوزو بتكوين هذا الشكل ذي الحدود العائلية، والذي رسمه من خلال علاقات الأب وابنه، والأم وابنها، داخل التأثيرات الاجتماعية لفترة الكساد، وأمور البطالة والمصائر الحياتية المختلفة في أفلامه القادمة: «وهم عابر» (1933)، «قصة الأعشاب العائمة» (1934)، «خانٌ في طوكيو» (1935).

أما في «الابن الوحيد» (1936)؛ فقد دخلت سينما أوزو عصرًا جديدًا مع الصوت، لنرى بداية تأثيرات الحوار المباشر بين شخصيات أوزو، والذي أظهر من خلاله فهمًا مبكرًا لطبيعة الصوت، ولوظيفته كوسيلة للتعميق، كما أنه آخر أفلام أوزو التي تناولت فترة ما بعد الكساد، وآخر أفلام أوزو التي صنعها قبل ذهابه للخدمة العسكرية في الحرب اليابانية الصينية، وعلى رغم مفصلية اللحظة في حياة أوزو إلا أنه رفض صناعة فيلم عن تلك الحرب، وكانت العودة إلى السينما من باب «كان هناك أبّ« )1942(، أيّ بعد ست سنوات، والذي حكى أوزو فيه قصة أبّ يحاول تربية ابنه، لكنه يتحول تدريجيًّا ليصبح تصويرًا لمدى التحولات في المسؤوليات وتبدُّلها مع مرور الوقت بين الأب والابن، والأثر الذي يتركه الإنسان تجاه الآخر، وقد يراه البعض عملًا مُهْدًى لوالد أوزو، والذي توفي قبل سنتين من ذهابه إلى الحرب، ليخلق بذلك تساؤلًا مثيرًا (أكان مشروعًا أراد أوزو صنعه قبل أن يذهب؟ أم هي الفكرة التي شغلت ذهنه عندما كان هناك؟ صورة أبيه الذي شهد موته أمام عينيه)، وأميل شخصيًا لكونه تعبيرًا عن الاشتياق، وإجلالًا شِعريًّا من أوزو لجميع الآباء.

كما شهدت سينما أوزو بعد الحرب العالمية الثانية نضجًا في مفهوم السرد، بدايةً مع فيلم «أواخر الربيع» (1949)؛ حيث قدّم فيه أسلوبًا سرديًّا بسيطًا، لكنه ليس تقليديًّا، تضمن تسلسلات هزلية لطيفة وأخرى شبه مجازية، لكنها تتحول في لحظة ما إلى رئيسة ويدور عنها الفيلم بأكمله، وهنا تكمن بساطة الأسلوب السردي عند أوزو وعلامة التميز الجوهرية لسينماه، إذ إن الحدث لا يأتي صاخبًا، بل مختبئًا في جوٍّ عام وحُرّ لسلسلة من المشاهد المجازية. كما لا تقتصر مركزية هذا العمل في مسيرة أوزو على خصائصه الأسلوبية، بل وفي جوانب أخرى لا تقلّ أهميةً بدءًا من تعاون أوزو الأول في كتابة السيناريو مع كوغو نودا والذي استمرّ إلى نهاية مسيرته، وظهور موضوع الزواج لأول مرّة والذي سيتكرر كثيرًا في أفلام أوزو اللاحقة، كما نشهد أيضًا بداية ثلاثية نوريكو، وأول ظهور للشخصية التي أدَّتْها سيتسوكو هارا، وهي ثلاثية غير مترابطة سوى في البطلة نوريكو من خلال الأفلام التي جاءت بعد ذلك «أوائل الصيف»  (1951)، ثم فيلم «قصة طوكيو» (1953) الفيلم الأشهر لياسوجيرو أوزو، والأكثر احتفاءً ونجاحًا على الصعيد الغربي، لرؤية إنسانية صادقة في عرض موضوعي للفجوات الحتمية التي تتشكل باستمرار داخل الوحدة العائلية. أما في «شفق طوكيو» (1957)، فقد غامر أوزو واتجه إلى منطقة مختلفة (من حيث الثيمة)، ليست بعيدة عن إطار العائلة والأجيال لكنها بسمات مأساوية؛ حيث يفصح عن تراجيدية المأساة فيها من خلال توليف حزين مدعوم بالتصوير الشتائي والليلي المكثف على خلاف صحوِ سماءات أوزو ونهاراته المشمسة.

ويعد «شفق طوكيو» (1957)، آخر أفلام أوزو التي صُوّرت بالأبيض والأسود، لنرى الألوان بعدها في فيلم «زهرة الاعتدال» (1958)، وبالرغم من أنها قد فُرضت من قبل الأستوديو، إلا أن أوزو قد قدّم عملًا مرتبطًا بالتجربة الحسية للألوان عبر حصره للعدد المستخدم منها، حيث اختار سيليولويد فيلمي مختلف الألوان عن المستخدَم في السينما اليابانية آنذاك، ليظهر درجات مختلفة من اللون الأحمر على وجه الخصوص، والذي سيتجلّى بشكل ملحوظ في أفلام أوزو اللاحقة. يليه فيلم «صباح الخير» (1959)، وهو فيلم يحن أوزو فيه لحكايات الأطفال التي قدمها في الثلاثينيات، للبراءة والتمرد معًا، إذ قام أوزو بوضع التلفاز محلّ هجاء في فكاهة تعكس الظروف الاجتماعية المحطمة، وفي نفس العام أيضًا أخرج أوزو أحد أكثر أفلامه دراماتيكية «الأعشاب العائمة» (1959)، ذلك دون تخلّيه عن البساطة الأسلوبية، عبر موازنته الدقيقة بين الحسّ اللطيف للشخصيات وصعوبة اليوميات.

وعن الستينيات، فقد أخرج في مطلعها «أواخر الخريف» (1960)، وهو عمل تدور حكايته عن أرملة تحاول تزويج ابنتها، لكن سيتسوكو هارا -التي أدت دور نوريكو سابقًا- هي من تقوم بدور الأم لا الابنة (وكأن أفلام أوزو هنا تدور في دائرة حياتية متصلة)، وفي آخر أفلامه «ظهيرة يوم خريفي» (1962)، عاد أوزو إلى «أواخر الربيع» (1949)، بالحكاية ذاتها لأبٍ يريد تزويج ابنته قبل فوات الأوان، إذ يلعب الممثل شيسو رايو دور الأب هنا -الأب نفسه في فيلم أواخر الربيع- كما تلعب النستولجيا والذكريات دورًا أكبر مقارنةً بموضوع الزواج نفسه، وبنفس النهاية؛ حيث التضحية والاستسلام للمصير الذي تفرضه الحياة، لكن في هذه المرة يحدث الأمر بتقبُّل لطبيعة المصير، كما لو كان أمرًا قد حدث سابقًا لشيسو رايو.

رقّة الرثاء

سنجد في أعمال أوزو تشابهًا ملحوظًا في موضوعاتها بقدر التشابه الموجود في عناوينها (ولدت ولكن..، تخرجت ولكن..، بدايات الصيف، أواخر الربيع، أواخر الخريف)، بل وقد يحكي أوزو القصة ذاتها مرةً تلو الأخرى دون كلل أو ملل، كما لو أراد التأكيد على ما أشار إليه سابقًا، مثلما يشدّد الفيلسوف على فكرة ما في كل مناسبة، لكن أوزو هو الفيلسوف الذي يلاحظ الأشياء دون أن يفسّرها، يفحصها دون أن يفصح عن نتائجها، متأملًا الإجابة عبر السؤال، هو الفنان المتأمل للحياة بالدرجة الأولى، فلم تكن تقاليد الآباء ولا حداثة الأبناء ولا الزواج ما أثار اهتمام أوزو بالمعنى الجوهري، بل هي دورة الحياة التي لازمت جُلَّ أفلامه، حيث تقف شخصيات أوزو أمامها، وسط خيبة أمل تخفيها عبر ابتسامة نألفها، إنها عن تلاشي اللحظات الجميلة واستيعاب ما تفرضه دورة الحياة دون الإقرار بذلك، أي الاستسلام لغروب الشمس في اليوم السعيد، كما تتغير عناوين أفلام أوزو وفصوله التي لا يسميها بأسمائها، بل لحالة من التحول المرتبط بدورة الحياة فيها، عبر نهايات الصيف وبداياته، وأوائل الخريف وأواخره، كما نستطعم حلاوة لحظية ممتزجة بمرارة تلاشيها، إنها سعيدة ولكن… بمشاعر حزينة حبيسة لا تطلقها.

ولتحديد الجوهر الجمالي المرتبط بدورة في أفلام ياسوجيرو أوزو، يمكن القول بأنها التجسيد السينمائي الأدق لمفهوم «المونو نو أواري mono no aware»، أو رثاء الأشياء، وهو تعبير ياباني يشير إلى لحظة الإدراك بأن الأشياء الجميلة في الحياة ما هي إلا لحظات عابرة، كل شيء فاتن مصيره التلاشي والاضمحلال، ولا يعبّر أوزو عن اللحظة بالأسى، لكن عبّر التقدير والاحتفاء، ولرثائية الأشياء في سينماه تجليات عدة، فعلى صعيد موضوعها الفيلمي، فهي تتناول رصدًا للتغيرات الحتمية لحالة الأفراد دون وقوع التغير حدثيًّا، بل في تأمُّل القطرات الأخيرة من زجاجة الرضا قبل أن يسقط عليها مصير النفاذ -للقطرات الأكثر تقديرًا عند أصحابها- كما نرى في علاقة الشخصيات ببعضها أيضًا وتصميم الحوارات تماهيًا لهذه الحالة، فبرقّة تختار شخصيات أوزو كلماتها، كما لو جاء استخدامها للغة بهدف الحديث والعطف معًا. أما عن الصورة، ففي ذلك سنجد أكثر التعبيرات عن المفهوم استثنائيةً، والتي يلتقط أوزو من خلالها صورًا مختلفة لجمادات عدة ترتبط بشخوص حكايته من حيث الانتماء، إذ يكثف فيها التركيز الجمالي عبر استشعار قد يتجاوز القيمة المادية لها، متشرّبًا أدقَّ التفاصيل بطريقة تشبه النظر إلى الأشياء للمرّة الأخيرة (للطعام، للمنشفة، للزجاجات، للغلّايات)، كما لو جاءت كاميرا أوزو لتنطق وداعًا صوريًّا قبل أن يتلاشى كل شيء للأبد، وهذا ما يعطي للأشياء البسيطة في أفلام أوزو كثافةً تميل إلى الميلانخوليا في الحفاوة.

هنالك شيئان لم يتغيرا في سينما أوزو، أحدهما نوعيّ وآخر تقنيّ، ففي النوع أو الجنرا، انتمت أفلام أوزو إلى «الغنداي-غيكي Gendai-geki»، أي الدراما اليابانية المعاصرة، وبشكل أدقَّ يمكن القول بأنها خلقت فرعًا من «الغنداي-غيكي»، وهو «الشومين-غيكي Shomin-geki»(2) والمقصود بذلك: الدراما اليابانية المعاصرة التي ترصد الحياة اليومية للطبقة المتوسطة وما دونها، ويجب الإشارة إلى أنه ليس أوزو فحسب من انتهج هذا النوع في تلك الفترة، إذ هناك عدة أمثلة مميزة واكبت البزوغ وانتمت إلى طبيعة النوع والتي لم تنل الاحتفاء الكافي، أمثال: هيروشي شيميزو، بأفلام مثل «السيد شكرًا» (1936)، و«أطفال خلية النحل» (1948)، وهينوسوكي غوشو، بأفلام مثل: «نزل في أوساكا» (1954)، و«حيث تُرى المداخن» (1953)، وفي أعمال المخرج ميكيو ناروسي أيضًا، وقد نجد في سينما هيروكازو كوريدا مثالًا معاصرًا لنوع «الشومين-غيكي».

ولا تعود تأسيسية أوزو لأسبقيتها التاريخية فحسب، بل ولتشكيلها أنماطًا أسلوبية في النوع نفسه، مواكبًا أوزو بها بساطة الشخصيات داخل نمط سردي يتوافق مع يوميات الحياة العادية، وهو النمط الذي ترسَّخ في أفلام ما بعد الحرب بداية مع «أواخر الربيع» (1949)، ذلك في سلسلة المجازيات التي ذكرتها سابقًا، والمكونة من (إجراءات/مضامين)، يرسم أوزو بها لوحة تتخذ من أفعال الحياة اليومية مركزًا لها، والتي تخلق بذلك ارتباطًا عاطفيًّا خفيًّا بين المتلقي والأمور الحياتية من خلال الطبيعة العفوية للشخصيات (وليس في تكوين سردية ذات خصائص حدثية تربط المتلقي بسيل المشاهد) ومن خلال الارتباط بالعناصر المكونة ينبثق موضوع أفلام أوزو الرئيس.

كما تأتي الروعة الحسية لسينما أوزو في نهجها التراكمي لا الفردي، إذ إن الصورة كمفردة لن تعبّر عن شيء، لكن سياقها هو من ينشّط تجربة المفردة البصرية، ويجعل لوصولها تأثيرًا بالغًا يصعب الإشارة إليه، ويأتي السياق هنا في توالي المشاهد مما يجعل لهيكلة التكوين السردي حركية محضة، يقول الناقد السينمائي الياباني هاسومي شيغهيكو: «تكمن مهارة أوزو وموهبته في اختياره لصورة، تأخذ وظيفتها الشِّعرية من خلال استيعابها في لحظةٍ معينة من الفيلم، لا من خلال صنع صورة شِعرية من الأساس وإسقاطها على الفيلم ليأخذ منحًى شِعريًّا(3)».

ولذا تأخذ سينما أوزو مجراها الشعري من خلال تراكمية الصور، والتي تقبض فيها على إحساس قوي لا يمكن انتزاعه من المضمون، فلا فائدة من تأمل التقاطه لقمصان معلقة على حبل الغسيل في فيلم «ولدت ولكن…» (1932)، ولا في استشعار لقطة لمزهرية عن التلاشي الصاعق لأنفسنا في «أواخر الربيع» (1949)، إن لم يتم وضع المشاهد في سياقها الصحيح. أي أن تجربة أفلام أوزو الحسية تأتي من طبيعة الجودة السينمائية ومفهومها المجرد من كل شيء؛ حركة الصورة والمشاهد.

وفي جوانبها التقنية، تشترك أفلام أوزو بعدسة 50 ملي، وهي العدسة الأقرب لعين الإنسان وبصيرته، كما يتوافق هذا الاختيار مع الثيمة البصرية التي تتبناها سينما أوزو في شخصية المنظور وفي الطريقة التي يريدنا أوزو أن نرى الأشياء من خلالها، وعلى الرغم من واقعية المنطقة التي تقصدها في طبيعة الحكايات ورصد الحياة اليومية، إلا أنها ذات سمات بصرية تجريدية، فهي تُظهر الأشياء بطريقة خالية من كل شائبة، أو زائدة من شأنها أن تضفي انطباعًا خارجًا عن إرادة الصانع، بل كصور نقية، على حقيقتها المجردة، لكن صرامة هذا النهج البصري يتضمن في فحواه أيضًا فراغات بصرية، لصور خاوية ومساحات لا تكتمل سوى في ذهن المتلقي، وهنا حيث نأتي لأولى تكنيكيات أوزو البصرية «لقطات الوسادة»، والتي ارتبطت بأعماله ارتباطًا وثيقًا.

سُميّت اللقطات بالوسادة لأول مرّة من قبل نويل بورخ نسبةً إلى «ماكوراكوتوبا Makurakotoba/الوسادة»، في الشِّعر الياباني الكلاسيكي(4)، وهي أداة تأخذ موضعها بداية البيت الشِّعري أو نهايته، بهدف تدعيم الصورة الموصوفة أو الرفع من نغمتها، كما يقوم أوزو بتوظيفها على نحو مشابه، فهي صور خالية من الشخصيات تقع بين المشاهد؛ للافتات شوارع، عواميد إنارة، أزهار، ملابس معلَّقة على حبال الغسيل، غلّايات. إذ لا تحمل هذه الصور معاني ملموسة، بل كفراغات تتواجد داخل السياق السردي للصور، كعلامة أوزوية مكونة لأعماله، ولا يكثفها بهدف مخالفة الأعراف والجماليات الغربية في السرد البصري (كما يعتقد مجموعة من النقاد الغربيين)، بل لتأخذ تعبيرات تجاوزيه أيضًا داخل سياقها الضمني، فلقطة خاوية للمنزل في التسلسلات الأولى من فيلم «ظهيرة يوم خريفي»، قد لا تعني شيئًا سوى إظهار المكان الذي تنتمي إليه شخصيات العمل، لكن حينما يُظهر لنا أوزو اللقطة نفسها مرة أخرى بعد زواج ميشيكو، فهي تختلف في وقعها على المشاهد، لتصبح تصويرًا للتغير دون أن يغير أوزو من مضامين الصورة، للتغير دون الإشارة إلى الموادّ الدالّة عليه، بنفس الطريقة التي يقفز بها الحدث الأهم في السرد المشهدي لأفلامه، كما قفز مشهد زواج ميشيكو في الفيلم ذاته.

ويعود الحذف المونتاجي إلى هدف الإفساح عن مساحات تتسلل من خلالها التجربة الحياتية عند المتلقي، وذلك في عدم إنشاء مركزية على الصعيد السردي -أفلام بلا مشاهد مركزية- لتصبح جميع المشاهد بنفس القدر من حيث الأهمية، كيوميات لا أحداث من شأنها أن تؤطر ما تحكيه الصور، بذات الطريقة التي لا يضع عينًا واحدة فيها من خلال بطل واحد، بل لمجموعة من الشخصيات التي يتنقل بينها باستمرار. لتصبح الرؤية شاسعة بقدر حرص أوزو في مرات على أن يلتقط شخصياته من غرف تختلف عن التي هم فيها (على أن تتواجد الشخصيات في البعد الثاني من الصورة)، والمركزية للأشياء التي تشغل الغرفة الأخرى (البعد الأقرب للكاميرا)، وقد يخلق أوزو بعدًا ثالثًا عبر النوافذ المفتوحة خلف الشخصيات والتي قد نرى من خلالها السماء في مشهد داخلي، ليكون في ذلك تماثلًا على حرص هذه الأفلام على ألا تضع سقفًا لمعنى حكايتها أو موضوعها.

ومن خلال اللقطات المنزلية الواسعة، سنصل إلى علامة تصويرية أخرى عند أوزو، وهي «لقطة التاتامي» التي يقوم أوزو بتفعيلها في المشاهد الحوارية خاصة، إما واسعة متضمنة في إطارها الشخصيات جميعًا أو كلقطات متوسطة لكل فرد على حدة، والتي يكسر من خلالها قاعدة 180 درجة، لكن ما سنلاحظه في كلتا الحالتين هو زاوية التصوير المنخفضة والغريبة بعض الشيء، والتي تشبه موضع شخص يجلس على حصير التاتامي، لكنها أقل في قياساتها مقارنةً بأطوال الإنسان البالغ، فهي مرتفعة عن الأرض بثلاثة إنشات فقط، ليتوافق ذلك مع هيئة طفل يجلس على الحصير، وقد نجد معقولية الأمر عندما استخدم أوزو ذلك للمرة الأولى في فيلم «ولدت ولكن…»، وارتباط ذلك بكون الفيلم من بطولة طفلين، لكنه استمر بانتهاجها حتى نهاية مسيرته، فلربما أُعجب أوزو بموضع التصوير من زاوية الرؤية هذه، وفي حالة أخرى لربما أرادنا أيضًا عبر عدسة 50 ملي الأقرب لبصيرة الإنسان أن ننظر بأعين الأطفال نحو عالم البالغين، بعذرية تجاه عالم الأحداث، ببراءة أمام الإخفاقات، مجردين من جميع انطباعات، نقيين في انجرافنا نحو خيبات الأمل.

اللاّشيء

لقد مات أوزو في اليوم الذي وُلد فيه، (12 ديسمبر 1903 – 12 ديسمبر 1963)، ستون عامًا لم تنقص يومًا ولم تزد، وفي معبد في كاماكورا جنوب طوكيو دُفن الجسد تحت ضريح لا يحمل تاريخ ولا اسم، بل نقش فيه حرف واحد، وهو (無 مو)، آخر أحرف لغة بوذييّ الزّن، والذي يحمل معاني أكثر اتساعًا من المفاهيم المحددة، فهو تعبير عن عدم الكينونة، للفراغ الساكن، أو للاشيء في عدم لم تطأ قدم له في الوجود المادي ولا الحسي، فإن كان للغة الحاسوب رقمان على سبيل المثال، فالمو هي ثالث لم يكن. لكن ما الذي قصده أوزو باللاشيء؟ طُرح السؤال على مجموعة من المقربين لأوزو، ولم يعرف أحدهم الإجابة، إلا شيزو يامانوتشي الذي حزِر نصف جواب: «لقد كان أوزو وحيدًا»، فعلى رغم قصص العائلة والزواج والأبناء وحكايات لمّ الشمل، إلا أنه لم يحظَ بشملٍ أبدًا؛ فلم يتزوج ولم يُرزق بأبناء، وكان ارتباطه بالعائلة كصبي في المنزل، متأملًا العائلة بأعين الطفل، عبر نهاية تطغى عليها خيبة الأمل في هذه الوحدة. إذ أليست الحياة كما قالت كيوغو عنها، في «حكاية طوكيو»: «مخيبة للآمال»؟

وعن الوحدة كلقطة ختام؛ فقد جاءت على نحو بارز في فيلمين لأوزو، كانت الأولى في «أواخر الربيع»، حينما عاد الأب (شيسو رايو) إلى منزله بعد زواج ابنته نوريكو، وفي سكونٍ ليلي محيط بالمكان، يجلس الأب على الكرسي ويبدأ بتقشير تفاحة إلى أن تسقط القشرة على الأرض لينهمر باكيًا خافضًا رأسه كخاتمة. أما الثانية، فقد كانت في المشهد الأخير من آخر فيلمٍ لأوزو «ظهيرة يوم خريفي»، وتعاد الحكاية نفسها، من خلال شيسو رايو ؛ إذْ يعود الأب إلى منزله بعد زواج ابنته ميشيكو، ليجلس أمام الطاولة ثملًا، متمتمًا فجأة: «أنا وحيد»، ويعود إلى ثمالته بعد ذلك، لتنتهي مسيرة أوزو هنا.

بعيدًا عن الوحدة، إنّ في المو لمحة من العدم الذي لحق ما رثاه أوزو، من فضاءاته الخاوية في صوره الساكنة، حتى الفراغ الذي حلّ على مسيرة قد تألّقت يومًا، وتلاشى مع الريح ضوء حاملها. وفي دورة حياتية انتهت من حيث بدأت، تأمَّل أوزو الأشياء التي شغلت الأشياء، وغادر قائلًا: عندما يتحلل كل شيء، الزوال المطلق.


المراجع:

(1). أكيرا كوروساوا، عرق الضفدع: ما يشبه السيرة الذاتية، فجر يعقوب، إيطاليا، منشورات المتوسط، 2016، ص١٥٣.

(2). Burch Noël (1979), To The Distant Observer: Form And Meaning In The Japanese Cinema, University of California Press Berkeley and Los Angeles, P151.

(3). Hasumi Shiguéhiko (1983), Yasujirô Ozu, Cachiers du Cinéma, Collection “Auteurs”, French Edition.

(4). Burch Noël (1979), To The Distant Observer: Form And Meaning In The Japanese Cinema, University of California Press Berkeley and Los Angeles, P160.

Bordwell David (1988), Ozu and the poetics of Cinema, Princeton University Press.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى