تفوّق البشر على الحواسيب اليوم لا يبرّر الاطمئنان للمستقبل
توماس هـ. دافينبورت
تنويه المحرّر: هذه المقالة واحدة من سلسلة خاصّة تتكوّن من أربع عشرة مقالة بتكليف من “سلون مانجمنت ريفيو” احتفاءً بإطلاق مبادرة “الآفاق الجديدة”. في كل مقالة يجيب الكاتب عن السؤال التالي:
“خلال السنوات الخمس المقبلة، كيف ستغيّر التقنية ممارسة الإدارة على نحو لم نشهده بعد؟”.
إنّ المجتمع بات يزداد ألفة مع فكرة أن الآلات قادرة على اتخاذ القرارات والعمل من تلقاء نفسها. فقد أصبح لدينا بالفعل مركبات شبه ذاتية القيادة، وروبوتات صناعية عالية الأداء، ونظم اتخاذ قرارات مؤتمتة في مجالات التأمين والائتمان المصرفي. ولدينا آلات تتفوّق على البشر في الألعاب القابلة للبرمجة شتّى. ويمكن للأنظمة الذكية أن توصي بعلاجات للسرطان أو السكري. وأضحى “التشغيل الآلي للعمليات الروبوتية” يؤدي طيفًا واسعًا من المهمات الرقمية.
غير أنّ ما نفتقر إليه حتى الآن هو الآلات القادرة على إنتاج الاستراتيجيات. فما زلنا نؤمن بأن البشر وحدهم يملكون القدرة الفريدة على اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى. فعلى سبيل المثال، لا يخطر ببالنا أن نطلب من الحاسوب أن يضع “استراتيجية التنقل” الجديدة لشركة سيارات استنادًا إلى تراجع اهتمام اليافعين بالقيادة، أو صعود خدمات النقل عند الطلب كأوبر وليفت، أو احتمالية انتشار السيارات ذاتية القيادة مستقبلًا. ونفترض أن قدرات الخوارزميات المحددة لا تضاهي ما تطرحه الاستراتيجية من غموض وقضايا عليا ومشكلات معقّدة.
قد نتقدم على الآلات الذكية في قدرتنا على وضع الاستراتيجيات في الوقت الراهن، لكن لا ينبغي لنا أن نطمئن إلى تفوقنا البشري. أولًا، ليس الأمر وكأننا بارعون حقًّا في رسم الاستراتيجيات؛ فكثير من صفقات الاندماج والاستحواذ لا تحقق قيمة، والمنتجات الجديدة كثيرًا ما تفشل في الأسواق، والشركات تتوسع أحيانًا بلا نجاح في مناطق ودول جديدة، والقرارات الاستراتيجية الكثيرة لا تثمر.
ثانيًا، مع أنّه من غير المرجّح أن يتمكن نظام واحد من معالجة جميع القرارات الاستراتيجية، فإنّ الذكاء المحدود الذي تبديه الحواسيب اليوم كافٍ بالفعل للتعامل مع مشكلات استراتيجية محددة. فشركة “آي بي إم” بدأت تستخدم خوارزمية، لا مجرد حكم بشري، لتقييم أهداف الاستحواذ المحتملة. وشركة “نتفليكس” تستعين بتحليلات تنبؤية لتحديد البرامج التلفزيونية التي ستنتجها. وقد استُخدمت الخوارزميات منذ زمن في تحديد مواقع المتاجر، ويمكن استخدامها كذلك لاختيار مناطق التوسع. فالمهمات الاستراتيجية الأساسية تؤديها بالفعل آلات ذكية، وسيزداد نصيبها مع الوقت.
وثالث الأدلة على أن الاستراتيجية تمضي نحو مزيد من الاستقلالية، أن كبريات شركات الاستشارات بدأت تروّج لهذه الفكرة. فمثلًا، نشر كل من مارتن ريفز ودايتشي أويدا من “مجموعة بوسطن الاستشارية” مؤخرًا مقالًا قصيرًا على موقع “هارفارد بزنس ريفيو”، بعنوان: “تصميم الآلات التي ستصمم الاستراتيجية”، ناقشا فيه إمكانية أتمتة بعض جوانب الاستراتيجية. أما “ماكينزي وشركاه” فقد استثمرت بكثافة في سلسلة من البرمجيات أسمتها “حلول ماكينزي”، يعتمد كثير منها على التحليلات وتوليد الرؤى شبه المؤتمت. وطورت “ديلويت” مجموعة من العروض الداخلية والخاصة بالعملاء تتعلق باستشعار البيئة الخارجية للمؤسسة بشكل شبه مؤتمت. باختصار، ثمة حركة واضحة داخل صناعة استشارات الاستراتيجية نحو اهتمام متزايد بالقدرات المعرفية المؤتمتة. فإذا افترضنا أن هذا الاتجاه نحو الاستراتيجية الذاتية بدأ يتبلور، فما انعكاساته على الاستراتيجيين من البشر؟ كما أشار ريفز وأويدا في مقالهما، فإن القدرات المعرفية ستحتاج إلى أن تُدمج بالذكاء البشري فيما أسمياه “آلة الاستراتيجية المتكاملة”. وكما أن المركبات الذاتية المعاصرة تستطيع تولي القيادة في ظروف معينة، سنشهد مواقف يمكن فيها أتمتة اتخاذ القرار الاستراتيجي، في حين ستتطلب مواقف أخرى أن يتولى الاستراتيجي البشري القيادة ويغير المسار.
إن التفكير الكلي الشامل قدرة ما زال البشر يتفوقون فيها على الحواسيب، وسيستمر ذلك بعض الوقت. فالآلات لا تجيد رسم الصورة الكبرى ابتداءً، ولا تلاحظ متى تغير المشهد تغيرًا جوهريًّا، في حين يفعل ذلك الاستراتيجيون البارعون من البشر كل يوم.
وفي عالم تحكمه آلات ذكية استراتيجية، ينبغي للبشر أن يتفوقوا في التفكير الكلي ليقرروا، مثلًا، متى تكون الأتمتة ملائمة للقرار، وما الأدوار التي سيضطلع بها كل من الآلات والبشر، ومتى تفقد الاستراتيجية المؤتمتة التي اعتمدتها مؤسساتهم وجاهتها.
والمديرون الذين يرون الصورة الكبرى قادرون على الإجابة عن الأسئلة الحاسمة التي سترسم مستقبل مؤسساتهم: كيف تحقق شركاتهم الربح؟ ماذا يريد العملاء حقًّا؟ كيف يتغير الاقتصاد؟ ما الذي يدبره المنافسون مما له صلة بشركاتهم؟
إنّ هذه الأنواع من المسائل والاتّجاهات لا يُمكن الإحاطة بها من خلال البيانات وحدها. وإنّه لمن الحسن واللازم لأهل الاستراتيجية أن يشرعوا في غرس أفكارهم ضمن التقنيات الإدراكية، غير أنّه ينبغي لهم أيضًا أن يُبصروا آفاق العالم الأوسع. فثمّة مرتبة من إدراك المعاني لا يقدر عليها إلا الاستراتيجي البشري على الأقل في الوقت الحاضر. وهذه مهارة سيزداد تقديرها أكثر من أي وقت مضى إذ ندخل عصر الشراكة الحقيقية بين الإنسان والآلة في الاستراتيجية.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




