كيف نقيس سنة كاملة؟ أي جهاز نضعه فوق الطاولة فنسمع صوت الزمن وهو يمرّ؟ التقويم يقترح هنا إجابة سهلة: مربعات، أرقام، ترتيب يبعث على الطمأنينة لحدود الزمن وهم الامساك به. غير أن الإحساس الذي يزورنا عند نهاية ديسمبر يقول شيئا آخر: ما عشناه لا يساوي ما عُدِّد، وما انقضى لا يطابق ما سُجِّل.
حين نقترب من نهاية العام نكتشف فجأة أن القياس ليس بريئا. نحن نحتاج إلى القياس لأن الزمن يربكنا حين ينفلت. نحتاج أن نقول: “هنا بداية” و”هنا نهاية” كي نستطيع متابعة السير. ومع ذلك يبقى سؤال آخر يلحّ: إذا كان الرقم يتبدل في لحظة واحدة، فلماذا لا تتبدل النفس بالسهولة نفسها؟
العتبة التي تفصل عاما عن عام لا تشبه الباب، أكثر ما تشبه ممرا ضيقا لانتقال مفروض. القديم يفقد سلطته بالتدريج، والجديد لا يملك ملامحه الكاملة. في هذا الممرّ تختلط الرغبة في الإغلاق بالخوف من الفراغ الذي يلي الإغلاق. الانسان يعرف هذه الحالة دون تسميتها: ثقل خفيف في الصدر، رغبة في ترتيب أشياء لم ولن ترتب.لهذا نبحث عن علامة ملموسة، علامة لا تحتاج خطابا. وجبة العشاء الأخيرة في العام تقوم بهذا الدور لأنها تقيم داخل اليومي. ليست احتفالا إجباريا، ولا مسرحا للبهجة، ولا طقسا يصنع المعنى بالقوة. إنها لحظة نضعها قرب الحافة، فتأخذ الحافة حقها من الانتباه.
الطاولة، في الظاهر، قطعة أثاث. في التجربة، سطح يلتقط آثارنا. وحين نضع العشاء على الطاولة، نضع معه جزءا من السنة إن لم نقل كلها: تعبها، استعجالها، انكساراتها الصغيرة، ساعاتها التي ضاعت من دون أن نعرف أين. الطاولة لا تفسّر شيئا، لكنها تسمح لكل هذا أن يُرى في مكان واحد على سطح مكشوف.
هنا يتدخل أيضا الجو العام والطقس. برودة المساء، تغير الضوء، صمت الشارع، انكماش الحركة في البيت. هذه التفاصيل تخلق إبطاءً طبيعيا يجعل الفكر أقل عصبية. حين تهدأ السرعة، يتقدم سؤال الزمن من الخلف إلى الأمام، وكأنه وجد أخيرا مساحة للكلام.الإيقاع هو أول ما يفضح حضور الزمن. طريقة رفع الملعقة، توقيت القطع، تردد اليد فوق الكأس. الحركة التي كانت عادةً صرفة تكتسب وعيا إضافيا. كأن الجسد يتصرف بوصفه ساعة أخرى، ساعة لا تعطي أرقاما، تعطي حالات.
ومن الإيقاع نصل إلى العادة، هذا الكائن الذي نعيش داخله أكثر مما نعيشه. العادة تمنحنا الاستمرار وتخفي السؤال، كي لا يتعطل اليوم. عند نهاية العام يحدث صدع رقيق: نرى العادة وهي تعمل، نرى كيف كانت تغطي القلق، وكيف كانت تملأ الفراغ بآلية التكرار.عند هذه النقطة يظهر الطعام كفعل كاشف، لا كموضوع للزينة. الكمية الموضوعة في الصحن تشبه سيرة قصيرة عن علاقتنا بالامتلاء. الامتلاء قد يكون حماية من فراغ داخلي، وقد يكون تعويضًا عن يوم أثقل من طاقته، وقد يكون محاولة لاستعادة شيء ضاع من الانتباه. حتى الفتات الذي يسقط يذكّر بأن الترتيب الكامل حلم أكثر منه واقعا.
الكأس تدخل المشهد بوصفها مقياسا صامتا. مستوى الماء ينخفض، ولا يعود كما كان. الرشفة تمنح راحة محدودة، ثم يعود الإحساس بصورة أخرى. هنا تظهر فكرة الاستهلاك كما هي: استهلاك الوقت، استهلاك الانتباه، استهلاك القدرة على التحمّل. نهاية العام تجعل هذا الاستهلاك مرئيا لأن الجسد صار أقل قابلية للخداع.
عندما يصير الاستهلاك مرئيا، تتبدل اللغة. الكلمات التي تصلح لتفسير يوم واحد تفقد قدرتها أمام سنة كاملة. الأسئلة تظهر ببطء، وكأنها تختبر صدقها قبل أن تستقر. الصمت يأتيلتنفقد ما ضاع ، ما كان مكنا ومتوفرا في اليد وتبخر، يأتي كأداة دقة، كمسافة تُترك للخبرة كي تتكلم من دون ضغط.
في هذا الصمت تدخل التفاصيل الصغيرة التي نعيش معها طوال الوقت ثم نتناساها. صوت الثلاجة، احتكاك الأواني بالرفوف، رنين خفيف عند الحافة المعدنية لصنبور، هذه تفاصيل مشتركة بين الناس جميعا، وفي الوقت نفسه تحمل معنىً أعمق: الزمن لا يمرّ عبر الأحداث وحدها، يمرّ عبر مسار الأشياء وأصواتها التي تهمل.
ومن التفاصيل تتكوّن الذاكرة بطريقة غير مطمئنة. لحظات بسيطة تقفز إلى المقدمة، وأحداث كبيرة تتراجع. نهاية العام لا تصنع سردية مريحة، تكشف أن العيش فوضى موزّعة على نحو غير عادل. هذا الكشف يجرح غرور التحكم، ويمنح التجربة صدقها.بعد الذاكرة يظهر الجسد بوصفه وثيقة لا تجامل. التعب الذي يزور ساعة غير متوقعة، الحساسية تجاه الضوء، ضيق الصبر على الضجيج. الجسد لا يقدّم تقريرا عن السنة، يحتفظ بها على هيئة آثار. وعند الطاولة نصغي إلى هذه الآثار كما هي، من دون تجميل ومن دون فضح ذاتي.
ومن الجسد نعود إلى المكان، لأن المكان يكمل الأرشيف. الطاولة تعرف مواضع أيدينا، تعرف أين نضع الهاتف، أين تستقر المفاتيح، أين يتكرر الاتكاء. الخشب يسجل من غير تعليق، وهذا التسجيل يعلّم درسا هادئا: المعنى لا يحتاج خطاب كي يوجد، يكفي أثر متروك بعناية أو بعفوية. حين يقترب الصحن من الفراغ، يظهر الفراغ كحد واضح. الحد يوضح ما اكتمل، ما استُهلك، وما لم يعد صالحا للاستمرار بالطريقة نفسها. نهاية العام تعمل وفق منطق قريب: لا تمحو ما مضى، تضع له إطارا يجعل النظر ممكنا. ومن دون إطار يتحول الاستمرار إلى استنزاف.
ومن هذا الإطار يخرج سؤال بصيغة محكمة الانجاز بلا إرشاد جاهز. كيف وُزِّع الانتباه خلال السنة؟ من أخذ الوقت الكامل؟ من عاش على الأطراف؟ هل صرنا قاسين على أنفسنا باسم الأداء؟ هل صرنا نؤجل ما يخصّنا بحجة الضرورة؟ الطاولة تعيد هذه الأسئلة إلى مادتها الأولى: القسمة، الحصة، الهامش.
ثم يخرج بعدها سؤال الهوية، وهو أكثر حساسية: من نحن؟ هل نحن كائنات العادة، أم موجات تغيّر تختبئ داخل العادة؟ نهاية العام تكشف هذا التوتر دون أن تحسمه. نحتاج ثباتًا كي لا نخاف، ونحتاج تحولا كي نستمر. ومع قبول هذا التوتر يتغيّر معنى “الجديد” من وعد خارجي إلى حساسية داخلية.
عندئذ يصبح العام الجديد استمرارا بشروط رؤية مختلفة. ما لم نفهمه يعود بصورة أخرى. ما أهملناه يطالب بمكانه. ما خفّ وزنه يخفّ أكثر. الجديد الحقيقي يتجسد في القدرة على ملاحظة ما كان يمر بلا اسم: طريقة الجلوس، طريقة الأكل، طريقة الصمت، طريقة الاعتراف بالتعب.
وفي نهاية الجلسة لا نحتاج خاتمة صاخبة. يكفي قرار النهوض: حركة الكرسي، مرور الكف على سطح الطاولة، بقاء رائحة خفيفة في الهواء. هذه الإشارات الصغيرة تقول شيئا صعبا: الزمن ليس الرقم الذي يتبدّل، الزمن هو ما يتركه العيش في الجسد وفي الأشياء.
يبقى سؤال أخير، صامت ومعلق، يرافقنا بعد مغادرة الطاولة: ماذا نفعل بكل هذا الوعي؟ لا جواب جاهزا هنا، ولا وصفة قابلة للتعميم. أقصى ما تمنحه هذه الجلسة هو تعديل طفيف في زاوية النظر، حساسية إضافية تجاه ما كان يمرّ بلا أثر. أن نعرف أن الزمن لا يُهزم بالعدّ، ولا يُحتوى بالخطط، وإنما يُعاش حين نسمح له أن يترك علاماته علينا من دون مقاومة. عند هذه النقطة، لا نغادر العام السابق باعتباره عبئا، ولا نستقبل الجديد بوصفه خلاصا، بل نواصل السير بخفّة أقلّ ادعاء، وبانتباه يعرف أن الحياة لا تطلب منا أكثر من أن نكون حاضرين فيها بما يكفي.
إذا بقيت من السنة دقيقة واحدة، فقد تكون مقياسًا أدق للحضور. حضور يخفف سرعة العادة، ويعيد توزيع الانتباه، ويترك للمعنى فرصة أن يتشكل من الداخل. هكذا تصير الطاولة نصًا للحياة: لا لأنها تتحول إلى رمز جاهز، لأننا جلسنا إليها مرة واحدة على الأقل بوعي، ورأينا الزمن وهو يمرّ من خلالنا، لا من فوقنا على طاولة وجودنا.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




