أ.د حصة بنت زيد المفرّح، جامعة الملك سعود
المقدمة:
شهد مفهوم المقايضة تحولات جذرية في تطوره التاريخي، من المقايضة العينية إلى العملة، ومن التبادل البسيط للسلع إلى علاقات معقدة تمس قيم الإنسان نفسه، وصولًا إلى أنماط رمزية تتجاوز المادة، وترتبط بالعقل والزمن.
وقد اخترت المقايضة لتكون عدسة تحليلية تجمع بين النقد الأدبي والفلسفة، في بنية فكرية وسردية واجتماعية في الوقت نفسه، وهو بعد لا ينشد السياق الاقتصادي المباشر، بل ينظر في تحولها إلى وسيلة للهيمنة، والاستغلال الرمزي الذي يستحق التفكيك والمساءلة.
وفي هذا السياق، تطرح هذه المقالة مقاربة ثقافية فلسفية لفكرة(المقايضة) كما تتجلى في عالمين متباعدين، أحدهما فانتازي عربي يستند إلى سرد أسطوري قائم على مدينة خيالية تحكمها قوانين غير مألوفة، والآخر خيال علمي غربي يؤسس لسرد واقعي مستقبلي؛ حين يستند إلى فرضية علمية شبه ممكنة (شراء الزمن والعيش فيه) من واقع ما تذهب إليه بعض الدراسات العلمية من سعي نحو تحسين جودة حياة الإنسان، وإطالة عمره. وتتجلى فيهما فكرة واحدة بجوهرها الفلسفي: استبدال المال بوحدة غير مادية (الذكاء أو الزمن) لتقييم الإنسان، والتحكم بمصيره وفق مبدأين: كن ذكيًا لتحيا، ادفع من وقتك لتبقى حيًا. وبما يواكب تحولات فكرية عميقة حول المقايضة كما رصدها فلاسفة معاصرون، ويحولها إلى آلية للسيطرة، والسلطة الاجتماعية، وإعادة إنتاج الفوارق الطبقية، فما دلالات هذا التحول؟ وكيف أعادت المقايضة تشكيل معنى الوجود الإنساني؟
وتركز المقالة على عملين أحدهما أدبي(أرض زيكولا) وهي رواية لعمرو عبدالحميد، وفيلم سينمائي(IN TIME) بما يعكس رؤيتين متقاربتين لعالم تتبدل فيه العملة التقليدية(المال) إلى أصول غير ملموسة مثل الذكاء والزمن، لتحلل أنساق المقايضة الجديدة في العملين بتتبع تمثيلاتها السردية والبصرية، وتأصيلها فكريًا بالمرجعيات الفلسفية التي تناولت فكرة التبادل، والتفاوت، والقيمة، كما تقارن بين البنية الاجتماعية العادية، ورمزية الذكاء والزمن بوصفهما عملتين تخفيان منظومات رمزية أخرى؛ حيث تتقاطع الفنون السردية والسينمائية مع الخطاب الفلسفي والاجتماعي، كما يعكس هذا التحول لا بعدًا خياليًا روائيًا، أو سينمائيًا فحسب، بل يكشف عن قلق فلسفي عميق تجاه مستقبل الإنسان، حين يتحول إلى مجرد رصيد قابل للنفاد.
ويأتي اختيار العملين لتقديم عالم متخيل تحكمه آلية مقايضة غير تقليدية، تتمثل في عملات بديلة، وبما يتيح اختبار كيف يلتقي الأدب والسينما في تمثيل ذلك، وانعكاسه على أزمة القيمة والعدالة؛ فالمقارنة ليست بين شكلين فنيين فحسب، بل بين طريقتين لرؤية العالم نفسه. كما أن اختيار نموذجين عربي وغربي يأتي لكسر المركزية الغربية، وفتح الباب أمام قراءة عربية موازية لفكرة التبادل والمقايضة، وبما يسمح بحوار عابر للثقافات حول المفاهيم الإنسانية المشتركة.
وتهدف المقارنة إلى بيان كيف يمكن للخيال الأدبي والسينمائي أن يتحول إلى مرآة فلسفية واجتماعية تكشف الواقع المقنع، وكيف تتحول أنماط المقايضة إلى آليات قهر حديثة؟
في مفهوم المقايضة:
عرفت المجتمعات الإنسانية منذ القدم (نظام المقايضة) بوصفه وسيلة لتبادل السلع والخدمات، إذ كان الناس يتبادلون السلع بالسلع، والخدمات بالخدمات، أو بهما معًا. ففي الأنظمة الاقتصادية التقليدية، شكلت المقايضة أول أشكال التعامل بين الناس، ومع ظهور المال، تشكلت بوصفها وسيلة قياس مرئية، وقابلة لحساب قيمة الأشياء، والسلع، والجهد.
وللمقايضة شروطها وأحكامها في الشريعة الإسلامية، وهناك إشارات إلى مقايضة رمزية أخلاقية ووجودية في القرآن الكريم كما في قوله تعالى” اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا فصدوا عن سبيله” (التوبة، آية 9) للتعبير عن مقايضة الهداية بالدنيا، وفي قوله تعالى” أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة“(البقرة، 86) للتعبير عن مقايضة الآخرة بالدنيا.
وإذا كانت المقايضة في بداياتها تمثل حاجة بشرية لتلبية متطلبات العيش، فقد تحولت لاحقًا إلى أداة فلسفية وثقافية تكشف عمق التفاوت والهيمنة التي تخترق المجتمعات الحديثة؛ بما يعيد المقايضة إلى الواجهة لا بوصفها أداة اقتصادية بدائية، بل أداة كاشفة لعمق التحولات التي طالت الإنسانية والإنسان المعاصر.
كما أن هذا النظام لم يكن محايدًا تمامًا، بل كان يحمل بذور التفاوت والقوة، ويتحول إلى أداة رمزية لضبط العلاقات الاجتماعية والسياسية. وفي الأدب والسينما، غالبًا ما تكون الأنظمة الفانتازية والديستوبية انعكاسًا متخيلًا لهذه السيطرة.
والمقايضة بوصفها فكرة فلسفية نوقشت من حيث علاقتها بالقيمة، والعدالة، والعلاقات الإنسانية، وقد ناقشها الفلاسفة منذ العصور القديمة من منظورات مختلفة في إطار التبادل الاقتصادي، وبوصفها علاقة إنسانية تفصح عن مفاهيم أعمق تتعلق بالعدالة، والسلطة، والقيمة.
وهي عند (أفلاطون) ترتبط بنشأة المجتمع من احتياج الإنسان لغيره؛ بما يقود إلى تقسيم العمل، وتصبح المقايضة أداة لتبادل المهارات والمنتجات في المدينة الفاضلة، لكنها ليست مثالية عنده؛ لأنها تظل محصورة في الحاجات الجسدية لا الروحية. أما (أرسطو) فوجدها بداية العلاقة الاقتصادية، لكنها ناقصة، والمال وجد لتجارة أكثر عدالة (الطعان ولفتة، 2017، ص74، 75) ويرى (جون لوك) عدالة المقايضة في المجتمعات الأولى؛ لأنها قامت على الرضا المتبادل، لكن تطورها إلى المال أدى إلى ظهور عدم المساواة (فون، 1980). ويُعين فيها (جان جاك روسو) لحظة الفساد الأخلاقي الأولى؛ لأنها مهدت لامتلاك الأراضي وظهور الملكية الخاصة، ليوظفها مجازًا في سياق (العقد الاجتماعي) (روسو، 2015). كما ناقشها (كارل ماركس) ضمن نقده للرأسمالية وفي ضوء نظرية (قيمة العمل)، ورآها تخفي استغلالًا طبقيًا؛ فتبادل السلع وإن كان عادلًا ظاهريًا لكنه يخفي علاقات قهر غير متكافئة (ولعلو، 2008ص121).
وإذا انتقلنا إلى الفلاسفة المعاصرين، نلحظ أن (بيير بورديو) ناقش فكرة رأس المال الرمزي والثقافي، ورأى أن الإنسان لا يقايض فقط بالمال، بل بالمعرفة، والعلاقات الاجتماعية، والأخلاقية أيضًا، وهنا تكون المقايضة خفية لكنها فعالة (أبو دوح، 2019، ص324). وفي إطار السلطة الحيوية التي تحدث عنها (ميشيل فوكو)، رأى ان المقايضة قد تتخذ شكلًا غير اقتصادي، كما لو كانت مقايضة الإنسان بصحته مقابل الطاعة، أو مقايضته بوقته مقابل الأمان، كما أنها تخضع لممارسات السلطة وخطاباتها التي تحدد قيمة الأشياء والعلاقات (ضرباني، 2018، ص69).
والمقايضة في (الحداثة) تظهر بوصفها مظهرًا من مظاهر التنظيم العقلاني للحاجات، لكنها تصبح في (ما بعد الحداثة) نظامًا خفيًا للهيمنة والتحكم في نظام العلاقات الاجتماعية الجديد بارتكازها على مفاهيم مثل: التبادل الرمزي، والسلطة الحيوية، والاستلاب، والتزييف (الحرز، 2017).
وهكذا، فالمقايضة في جذورها ليست مشكلة، بل ضرورة إنسانية، لكن حين تفرض على الذات الإنسانية (عقلًا، وجسدًا، وحياة، وزمنًا) تتحول من عملية تبادل إلى قهر ممنهج، وتعيد إنتاج السلطة خلف ستار من التوازن الزائف. وهذا يجعلها بنية ثقافية عميقة تعبر عن كيفية فهم المجتمعات للعلاقات بين الأفراد والقيم، بما يتجاوز السلع إلى الكلمات، والأدوار، والطقوس، وحتى المشاعر. ومن منظورات مختلفة أحدها مفهوم(الهبة) حين يقدم الشيء لا بقصد الربح، بل للحفاظ على الروابط الاجتماعية، وقد تعتمد المقايضة هنا على (رد الجميل).
رواية أرض زيكولا:
رواية (أرض زيكولا) للكاتب المصري عمرو عبدالحميد، رواية فانتازية صدرت في طبعتها الأولى عام 2010. تدور الرواية حول شاب مصري اسمه خالد حسني رُفض زواجه بحبيبته منى بحجة أن الأب كان يريد تزويج ابنته برجل فريد من نوعه، يقرر أن يكون مختلفًا، ويعبر من سرداب المنزل إلى عالم جديد يخوض فيه تجربة مختلفة. وتبدأ الحكاية من سرداب كل من يعبره لا يعود، ومنهم والدا خالد حسني الذي يقرر أن يخوض المغامرة بنفسه(ص15) وهو سرداب يعود إلى
عهد قديم (العصر المملوكي) عثر على قصته في كتاب فقدت معظم صفحاته، وتوقف عند قول مؤلفه” كنت أظن أن الكنز الحقيقي هو الثروات التي خزنت به.. ولكنني اكتشفت ما هو أثمن من ذلك كثيرًا… اكتشفت… حتى انتهت العشر ورقات دون أن تكتمل الجملة“(ص22) ولعل تتمة الحكاية في الرواية قائمة على هذا النص المفقود الذي أخذت تكشف سره شيئًا فشيئًا.
وبعد دهشته من عدم معرفة مصر أو أي قطر عربي آخر في الأرض الجديدة، تأتي مفاجأة وصف أرض زيكولا” إننا في زيكولا.. أرض الذكاء“(ص38). فهي مدينة خيالية يتعامل أهلها بوحدات الذكاء بديلة للمال، وتقاس الثروة بمدى توفر الذكاء لا المال ” إن عملة أرض زيكولا هي وحدات الذكاء.. ومن يكون ذكيًا هو الغني.. أما الفقير فهو الأقل ذكاء.. هنا نعمل ونأخذ أجرنا ذكاء.. ونبتاع وندفع من ذكائنا.. ونأكل مقابل وحدات أخرى من الذكاء“(ص51)، وعن كيفية المقايضة بوحدات الذكاء يقول الراوي:” وحدات الذكاء لا تدفع باليد.. إنها تنتقل تلقائيًا بيننا“(ص53)، وتدخل المقايضة في الميراث نفسه كما لو كان الذكاء مالًا يورث ” الميراث يقسم على الأبناء بالتساوي.. الميراث ذكاء؟ وهل توجد ثروة أخرى يا صديقي؟!”(ص66). كما يُعاقب من يفقد وحدات الذكاء بالإعدام في (يوم زيكولا).
ويقتضي بدء انخفاض معدل الذكاء حدوث أعراض جسدية كما حدث لخالد” شعر برعشة قوية تسري بجسده، وألم شديد برأسه كاد يقتله.. حتى سقط على ركبتيه ممسكًا رأسه بيده من الألم الذي لم يشعر بمثله في حياته“(ص39) وقد تتفاقم الأعراض لتنبه إلى الإصابة بالمرض” كلما قل ذكاؤك زاد شحوب وجهك وبدا عليك المرض.. هكذا نعرف من هو الغني ومن هو الفقير“(ص54)
وتفرض الإتاوة على سكان أرض زيكولا لتكون من وحدات الذكاء مقابل الحماية” تدفع من ذكائك مقابل حمايتك“(ص69) ويأتي التمرد من سكان هذه الأرض، ورفض دفعها بتدبير من خالد الذي استنهض الهمم للوقوف في وجه الظلم” أعلم أنكم تتعاملون بوحدات الذكاء.. وأن الذكاء عملتكم.. ولكن حان الوقت لتستخدموه مرة واحدة بحياتكم.. استخدموه كي تعيشوا.. استخدموه كي تفخروا بأنفسكم“(ص151)
ويسعى خالد نحو هدفه في شراء الكتاب الذي يكشف سر السرداب، واختفاء والديه بعد رحلة إليه، ليكتشف ثمنه الباهظ من ذكائه” إن هذا سيكلفك كثيرًا.. ربما يكلفك مائة وخمسين وحدة“(ص88) وبما يظهر كيف أن المعرفة والثقافة أصبحتا سلعتين تشترى وتباع بوحدات الذكاء، ويعكس معه تسليع القيم الإنسانية. لكن المبلغ يرتفع بعد مقايضة مع أخيه الذي يصادفه في أرض زيكولا ليصل إلى 400 وحدة ذكاء، ليعمل بجد، ويضحي بجزء كبير من ذكائه؛ بما يصور أن المعرفة تشترى بالذكاء، وتحتاج إلى مزيد من التضحيات بالعقل قبل أي شيء آخر.
وحين يفقد الذكاء، ويكون خالد معرضًا للقتل تنقذه الطبيبة أسيل بمنحه وحدات من ذكائها، بما يكشف عن جانب التضحية والإيثار التي لا تكون في المعاملات المادية فحسب، وبما يعيد مكانة القيم الإنسانية في عالم تحكمه المقايضة. وليغادر الأرض ويعود إلى مصر، ويتزوج منى التي أحب، لكن النهاية توحي بعزمه العودة إلى أرض زيكولا وبرفقة زوجته منى هذه المرة.
وهكذا، تتحول فلسفة المقايضة من فكرة تجريدية إلى واقع معيش يقهر الإنسان، ويفرغ وجوده من المعنى، وهذه المقايضة لا تخضع الإنسان فقط لاقتصاد صارم، بل تسلبه ذاته تدريجيًا؛ إذ إن كل مقايضة تنقص من جوهره العقلي، إلى أن يصبح فارغًا من القدرة على التفكير، ثم يفقد أهلية البقاء حيًا.
والغلاف في الطبعتين وإن بدا مختلفًا، لكنه يعكس بنية عالم خيالية حيث الدماغ في الغلاف الأقدم، وبألوان داكنة في الغلافين، مع طابع فانتازي يرمز إلى الصراع على الذات والوعي.
فيلم In Time :
فيلم خيال علمي وإثارة أمريكي، عرض في عام 2011، وهو من بطولة (جاستن تيمبرليك) بدور (ويل) البطل و(أماندا سيفريد) بدور (سيلفيا) التي تشاركه البطولة، و(كيليان مورفي) بدور (ريموند) حافظ الوقت وينتمي إلى شرطة الوقت، ومن إخراج (أندرو نيكول) وهو كاتب السيناريو أيضًا. تدور أحداثه في مستقبل ديستوبي، حيث تتوقف الشيخوخة عند سن 25، لكن من أجل البقاء حيًا بعد هذا العمر، يجب على الإنسان أن يكسب وقتًا؛ فالزمن هو العملة الوحيدة في هذا العالم، يُشترى به الطعام، ويُدفع أجرة، وتُقاس به الثروة، والفقراء يعيشون بالساعة، بينما الأثرياء يمتلكون قرونًا من الوقت.
ويظهر ملصق الفيلم الأبطال في أجواء ديستوبية مع عنصر الساعة التي تمثل الزمن، ليبرز الزمن عملة حياتية، ويستخدم اللون الأخضر في الخلفية ليرمز إلى الثروة الحقيقية التي تؤدي إلى حياة طويلة وممتدة.
ومن بين شخصيات الفيلم، تأتي شخصية (ويل سالاس) الذي يعيش في حي فقير ويكافح من أجل البقاء يومًا بيوم، لكنه يمنح فجأة قرنًا من الزمان من رجل سئم من الحياة؛ ليجد نفسه ملاحقًا من حراس الزمن، ويبدأ رحلته ضد النظام الطبقي القائم على استعباد الفقراء زمنيًا.
ويمكن تتبع بعض مشاهد الفيلم لرصد فكرة المقايضة بالوقت:
المشهد الأول:
في بداية الفيلم، هناك مشهد يبتاع فيه البطل قهوة بأربع دقائق من حياته؛ بما يظهر أن أبسط الحاجات اليومية تستهلك من العمر نفسه، وكيف تصبح المقايضة أسلوب حياة يومي لا يشعر به الناس، أو لا يستنكرون إلا ارتفاع قيمة الشراء فحسب؛ بما يعكس أقسى درجات تفتيت الزمن الإنساني، ومقايضة الإنسان أجزاء من وجوده مقابل لحظات استهلاك فورية، وقد تنتهي متعتها عاجلًا.
وفي قراءة للمشهد بصريًا:
- يركز المشهد على مكان معتاد، مقهى صغير في المنطقة الزمنية الفقيرة، وبينما يشير البائع إلى لوحة الأسعار التي تظهر تغير الثمن وسط اعتراض الآخرين، يمرر ويل معصمه على جهاز مسح زمني يخصم 4 دقائق من عمره، مع أربع دقائق أخرى لصديقه، مع ابتسامة ساخرة تصور عبثية الموقف.
- الإضاءة منخفضة نوعًا ما، والألوان تعكس البيئة الفقيرة المحيطة، وتصوير حياة يومية متعبة، مع تركيز الكاميرا على ساعة المعصم التي تضيء عند المسح للتركيز على مبدأ المقايضة، وهنا يتحول الجسد إلى محفظة/ وحدة اقتصادية جديدة.
المشهد الثاني:
مشهد نقل الوقت(الزمن) باللمس، عندما يقرر أحد الأغنياء منح ويل أكثر من مئة عام من عمره ثم ينتحر، ليستيقظ ويل بثروة زمنية تغير مصيره، فالوقت هنا لم يكتسب بجهد، بل بوصفه هبة غير متوقعة.
وفي قراءة للمشهد بصريًا:
- في فندق متواضع، يجلس الشاب الفقير ويل الذي يملك أقل من يوم واحد من الزمن، والثري الذي عاش عمرًا طويلًا، كما يملك أكثر من قرن من الزمان في معصمه. يجلس الرجلان ويتحدثان عن الحياة، والعدالة، ومعنى الخلود.
- في لحظة صامتة، يقوم الرجل الثري بنقل كل ما يملكه من زمن إلى ويل أثناء نومه، ويخرج ليترك نفسه للموت عند انتهاء دقائقه المتبقية المحدودة.
- يركز المشهد على الإضاءة الخافتة، والتباين بين لون البشرة في عمومها، وظل المعصم الذي يحمل الساعة الزمنية محور الحدث البصري أيضًا.
- الإيقاع بطيء؛ يجعل المشاهد في حالة ترقب بما يشير إلى أهمية الحدث، وكونه محورًا رئيسًا في تصاعد الأحداث التالية، والتحكم في ساعة الزمن.
- لا وجود لصوت غير صوت التنفس، والنقرات الخفيفة على الجهاز الزمني، مع صوت الصراخ عند مشاهدة ويل موقف موت الثري بعد التأكد من انتقال عمره الزمني إليه.
- تركز الكاميرا على لحظة النقل حين يمتد الزمن من معصم الثري إلى معصم ويل، في لحظة تشبه الولادة الجديدة من الموت.
المشهد الثالث:
مشهد موت والدة البطل بسبب نفاذ الوقت، حيث تذهب لتجديد زمنها المعتاد، فتفاجأ أن الحافلة ضاعفت الأجرة إلى ساعتين، فتركض إلى منزل ابنها الذي ينتظرها بوقت جاهز، وقبل ثوان من محاولة ابنها منحها وقتًا إضافيًا، تموت بين ذراعيه؛ فالموت ليس قدريًا، بل نتيجة اصطناعية، إما أن تدفع وقتًا، أو تدفع حياتك كاملة.
وفي قراءة للمشهد بصريًا:
- تقترب الكاميرا من الزمن المعروض على الذراع، وهو العنصر البصري الأكثر توترًا، لترصد العد التنازلي في لقطة مؤلمة تحول جزءًا من الجسد(الذراع) إلى شاشة عرض للموت نفسه.
- يصور الركض بتقطيع سريع، ولون رمادي باهت؛ بما يشير إلى سباق عبثي غير مرئي بوضوح.
- يصور مشهد الموت في اللقطة الأخيرة من زاوية علوية تجعل الشخصية(راشيل) تبدو صغيرة، ومسحوقة، وعاجزة أمام قوة الزمن.
- تستعين الصورة بالصوت؛ فيتداخل صوت أنفاس راشيل بالعد الرقمي، وعند موتها فجأة تعم حالة صمت فجائية.
ولعل هذا المشهد يصور أصعب أشكال المقايضة حين لا يُفاضل الإنسان بين حياة وأخرى، بل بين دقيقة واحدة وحياة كاملة.
المشهد الرابع:
مشهد تمرد (ويل) وسرقة البنوك الزمنية، ومساعدة الفقراء ليعيشوا مدة أطول بمساعدة (سيلفيا) ابنة رجل الأعمال، حيث ينفذان هجومًا على مركز تخزين الزمن، ويستوليان على مليون سنة زمنية، ثم ينقلانها إلى فقراء المنطقة الرابعة التي يموت الناس فيها كل دقيقة.
وفي قراءة للمشهد بصريًا:
- يصور مشهد انفجار وحدة الزمن وتدفق الضوء الأخضر الرمزي وبلقطات بطيئة.
- تتوجه زوايا التصوير عند توزيع الزمن على الفقراء لتأخذ لقطات من الأعلى، ثم تقترب الكاميرا على الوجوه وهي تنظر إلى العد التنازلي في أذرع الفقراء، وهو يطول فجأة وكأنهم يولدون من جديد.
- يأتي الصمت سابقًا للحظة تسليم الزمن؛ بما يعكس الإحساس باللحظة نفسها.
وبسرقة الزمن وتوزيعه ينقلب النظام من مقايضة إلى إهداء أو هبة، والزمن من عملة إلى وسيلة إنقاذ، ومن قانون السوق إلى مبدأ العدل الرمزي.
ولم يعد المال في الفيلم وسيلة مقايضة، بل الزمن ذاته، في تجسيد لرأس المال، والعدالة الاقتصادية التي تختزل في القدرة على الحياة. كما يصبح الوقت مملوكًا وموزعًا بحسب آليات السوق؛ مما يسلب الإنسان من جوهره الإنساني، ويُخنزل إلى وحدة قابلة للاستهلاك، ويصبح الزمن أداة للسيطرة السياسية والاجتماعية. والإنسان لا يدفع ماله، بل يقايض وجوده، بهذا تتحول الحياة إلى تسوية تجارية دائمة.
وهكذا، فمنذ أول مشهد يبتاع فيه البطل قهوته بأربع دقائق من عمره، إلى لحظة موت والدته التي تأخرت بضع ثوان فقط، وانتهاء بمشهد اقتحام النظام وإعادة الزمن إلى الشارع والفقراء؛ فإن الفيلم يعيد صياغة المقايضة لا بوصفها صفقة تجارية، بل بوصفها دراما وجودية كاملة؛ فالإنسان فيه لا يبيع ما يملك، بل يقايض بما هو عليه: عمره، وحركته، وجسده، وأمه، وذاته. لكن النهاية تكسر هيبة المقايضة؛ فيستعيد الإنسان زمنًا لا يثمن، وتمنح الحياة دون مقابل، وتسقط المقايضة لتعود الحياة حقًا طبيعيًا لا صفقة تجارية.
المقارنة بين العملين:
لعل أول ما يمكن ملاحظته عند المقارنة بين الرواية والفيلم أنهما يشتركان في فكرة فلسفية واحدة، وهي استبدال المال بوحدة غير مادية تحدد حياة الإنسان.
والعملة البديلة في الرواية هي الذكاء، ويقاس بوحدات تخصم عند كل تعامل، بينما يكون في الفيلم الزمن، فكل شخص لديه رصيد وقت يعيش فيه.؛ حيث يختزل الإنسان إلى مقدار ما يملكه من سلعة رمزية، في الرواية عقله، وفي الفيلم وقته. وهذه الرؤية تعيد طرح سؤالين فلسفيين مهمين: ما الذي يجعل الإنسان يستحق الحياة؟ وهل يمكن أن تتحول أدوات التقدم (العقل والزمن) إلى أدوات قمع؟
والعنوانان لا يذكران المقايضة مباشرة، لكنهما يؤسسان لنظام كامل قائم عليها، وعلى فكرة التبادل، ويحيل عنوان الرواية إلى مكان يحكمه قانون قاس، وهوية ثقافية متخيلة تحكم بالقيمة الذهنية، بينما يكون الزمن في الفيلم هو مركز المعادلة مباشرة؛ بما يعكس التكامل بين الزمان والمكان بوصفهما أداتي تحكم، ليطرحا سؤالًا مهما: ماذا لو أصبحت أثمن ممتلكاتنا غير الملموسة مثل الزمن والذكاء سلعة قابلة للمقايضة؟
وينشأ عن هذا النوع من المقايضة نظام طبقي صارم، فالأذكياء في أرض زيكولا يتمتعون بالرفاهية، ومالكو الوقت في الفيلم يعيشون في مناطق محصنة؛ فكلا العملين ينتقدان نظامًا يجعل القيمة الإنسانية مشروطة بمعيار محدد (ذكاء أو زمن) مما يشكل طبقية حادة في المجتمع تنوب عن الطبقية الناتجة عن تفاوت الثراء، كما يراهنان على تقييد الإنسان، لأنه مهدد في كل خطوة يخطوها خارج السياق المرسوم له بفقدان (وحدة الحياة)
والقيمة الإنسانية تقاس بما يملكه الإنسان من وقت في الفيلم، بينما يقاس الإنسان بذكائه لا بأخلاقه وإنسانيته في الرواية. وتكون العقوبة عند الإفلاس في الرواية الإعدام في يوم زيكولا لمن يفقد رصيده من الذكاء، وفي الفيلم الموت الفوري عند انتهاء الوقت.
وإن كان نمط السرد في الرواية يقوم على خلفية تراثية، وشخصيات رمزية، بينما يصنف الفيلم ضمن الخيال العلمي الديستوبي في مستقبل افتراضي؛ فإن نقطة التحول متقاطعة، حيث دخول خالد عالمًا تحكمه قوانين غريبة عن عالمه، ودخول البطل ويل عالم الزمن بعد أن يمنح وقتًا هائلًا، وهو عالم غريب أيضًا عن عالمه.
ولعلهما يستلهمان الفكرة من تيار فلسفي ينتقد الرأسمالية الجديدة، ومجتمعات الاستهلاك الذهني أو الزمني. كما يؤكدان البعد التمردي؛ فالبطل في الفيلم يوزع الزمن للطبقات الفقيرة في صورة إعادة توزيع للثروة، والشخصية الرئيسة في الرواية تخرق نظام زيكولا وتهرب في رفض قاطع للمنظومة الجديدة.
هذا التحول، لا يمثل مجرد خيال روائي أو ابتكار سردي، بل يكشف عن قلق فلسفي عميق تجاه مستقبل الإنسان في الواقع المعاصر، حيث يعاد تعريف القيمة الإنسانية، ويُقايض الإنسان على جوهره.
وفي الختام، تظهر المقارنة بين العملين أن المقايضة لم تعد تقتصر على تبادل السلع أو المال، بل تحولت في الخيال الفني المعاصر (السردي والسينمائي) إلى أدوات رمزية تمس كينونة الإنسان، وبما يكشف عن أزمة قيمية في المجتمعات الحديثة. إن الرؤية التي يقدمها العملان تتقاطع عند لحظة وجودية حرجة: حين يرغم الإنسان على التنازل عن جزء من ذاته، وفكره، ووقته ليحيا داخل نظام لا يعترف بقيمته إلا بمقدار ما يقدمه.
وهكذا تشكل فكرة (المقايضة الجديدة) مدخلًا نقديًا ثريًا لفهم التحولات الفكرية والثقافية في الأدب والفن، وتفتح أفقًا لدراسات لاحقة في تقاطعات الأدب، والفلسفة، والاقتصاد الرمزي، وتسهم في إضاءة الدور الذي يؤديه الخيال السردي في مقاومة أنظمة الهيمنة الحديثة.
- المراجع:
- أبو دوح، خالد كاظم حماد. ” رأس المال الثقافي: مقاربة سوسيولوجية” مجلة التفاهم، مج17، ع63.
- الحرز، محمد. ” ما بعد الحداثة: حقيقتها وأثرها على عالمنا اليوم” مجلة القافية، مج 66، ع3، يونيو 2017،
https://archive.qafilah.com/ar
- روسو، جان جاك. العقد الاجتماعي، ترجمة: عادل زعيتر، دار التنوير، 2015.
- ضرباني، أمينة. ” الذات والمؤسسة عند ميشال فوكو” سلسلة الأنوار، جامعة وهران، مج8، ع1، 2028.
- الطعان، علي صادق، ولفتة، عباس عصفور. “دراسة الأسس الفلسفية والنظرية للاقتصاد والاستهلاك ي ظل الفكر اليوناني” مجلة المتنبي للعلوم الإدارية والاقتصادية، مج7، ع1، 2017.
- عبدالحميد، عمرو. أرض زيكولا، عصير الكتب للنشر والتوزيع، ط2، 2015.
- فتح الله ولعلو، الاقتصاد السياسي: مدخل للدراسات الاقتصادية، دار الحداثة، 2008.
- فون، كارين. “لوك حول الملكية” مقال ببلوغرافي، مجلة أدب الحرية، مج3، ع1، ربيع 1980،
- https://oll.libertyfund.org/pages/locke-on-property-a-bibliographical-essay-by-karen-vaughn
- فيلم IN TIME، من بطولة (جاستن تيمبرليك) و(أماندا سيفريد) ، و(كيليان مورفي) ومن إخراج (أندرو نيكول)
https://www.imdb.com/title/tt1637688
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




