ليست صورتنا عن أنفسنا هي ما يبقى منا في العالم، ولا هي ما يلتقطه الآخرون حين نعبر أمامهم مرورًا عابرًا. فالذات ليست كتلة مستقرة داخل وعينا، إنها كيان يتشكّل عند حدود نظرات الآخرين، ويتوزع في انطباعاتهم وتصوراتهم وتأويلاتهم. نحن- كما يقول ميرلوبونتي- لا نصنع هويتنا وحدنا، فالآخر هو الإحداثيات التي نتحرك وفقًا لها، وهو النقطة التي نعبرها كي نرى أنفسنا في شكلٍ قابل للسرد. وما نعتقد أننا نعرفه عن ذواتنا يصبح مجرد زاوية صغيرة من مرآة واسعة، بينما تُعاد صياغتنا كل لحظة في مرايا لا نراها.
تدهشنا أحيانًا تلك الفجوة بين صورتنا الداخلية وصورتنا الخارجية. أحدهم يرانا حازمين وواثقين، وآخر يرانا مترددين مشتتين. أحدهم يقرأ في صمتنا نضجًا، وآخر يقرأ فيه انسحابًا. وما بين هاتين الصورتين تتكرر مفارقة سارتر القديمة: إن الذات لا تملك وجهها إلا كما يُرى من الخارج، لأن العالم لا يتعامل مع “ما نقصده” بل مع “ما نكونه في أعين الآخرين”. وهكذا يصبح حضورنا نقطة تقاطع بين قصديات لا تُرى وانطباعات لا نتوقعها، وتولد من هذه المفارقة سرديات عنّا أكثر عددًا من الأيام التي نعيشها، ذلك إن كانت حياتنا غنية بما يكفي.
كل لقاء- ولو ثوانٍ- يضيف طبقة جديدة فوق صورتنا. نظرة عابرة نُلقيها بلا قصد قد تتحوّل لدى شخص ما إلى دليل على تعالٍ أو ألم أو حذر، وربما إلى بداية حكاية طويلة لا نعرف شيئًا عنها. إن الآخر، بقدر ما يراقبنا، يعيد رسم حدود ذواتنا. ولذلك تقول الفلسفة الظاهراتية إن الهوية ليست معطًى داخليًا بل علاقة مفتوحة، فضاء بينيّ، مزيج من حضورنا في أنفسنا وحضورنا عند الآخرين. نحن كيانان في لحظة واحدة: صورة نعيشها داخلنا، وصورة تُعاش عنا خارجنا.
ويذهب ليفيناس أبعد حين يجعل الآخر بابًا أخلاقيًا تتشكّل داخله إنسانيتنا. فالوجه الذي نراه- كما يقول- ليس مجرد ملامح صامتة، بل يفرض علينا مسؤولية، ويجعلنا نعيد النظر في موقعنا من العالم. إن الآخر يفتح بداخلنا فجوة ضرورية كي نحسّ بأننا موجودون، لأنه يكشف لنا ما نكونه في نظر غيرنا، لا في نظرنا نحن. وبهذا تشكّل العلاقة مع الآخر نوعًا من النداء الخفي: نداء يدفع الذات لأن تعيد ترتيب ملامحها وفقًا لصوت لا يأتي من الداخل.
وهكذا نصبح- من دون قصد- روايات متعدّدة. نسخة في ذهن صديق يعرف طبقاتنا العميقة، ونسخة لدى زميل لا يرى إلا السطح، ونسخة ثالثة لدى غريب التقط منا لحظة واحدة فقط، لكنها كانت بالنسبة إليه كافية لصناعة حكم كامل. نحن واحدٌ في داخلنا، لكننا كثيرون في الخارج، وكل نسخة تستند إلى صدفة صغيرة، أو كلمة لم تُضبط نبرتها، أو صمت لم يكن في مكانه.
وربما تكمن غرابة الوجود في أننا لا نملك المرآة التي يرى الآخرون فيها انعكاسنا. نحن نعيش في مواجهة ذات نعرفها، لكننا نُرى في صورة لا نتحكم فيها. وما بين الحقيقتين تنشأ تلك المسافة التي نعبرها كل يوم دون أن ندركها: المسافة بين ما نعتقد أننا عليه، وما يعتقده الآخرون عنا؛ بين الذات التي ننتمي إليها، والذوات التي تُكتب باسمنا دون مشاركتنا.
قد لا تكون المشكلة في اختلاف صورنا، بل في رغبتنا القديمة بأن نكون نسخة واحدة ثابتة. بينما الوجود، في حقيقته، لا يعرف الثبات. نحن- كما نبدو، وكما نُرى، وكما نظن أننا نكون- مجرد طبقات متجاورة لحقيقة لا يمكن القبض عليها بالكامل. وما بين هذه الطبقات، في المسافة التي تفصل الداخل عن الخارج، يولد الإنسان الحقيقي: كائنٌ لا يكتمل، لكنه يزداد وضوحًا كلما عبره الآخر بنظرته. ولعل السؤال الأدق ليس: كيف يراني الآخرون؟ وإنما أيّنا هو الأقرب إلى الحقيقة؟ ما نعرفه عن أنفسنا، أم ما يتشكّل منا في وعي الآخرين؟ قد لا نصل إلى جواب، لكنّ الحكمة تقول: أن الإنسان ليس هو “ما يعتقد أنه هو”، بل أثر موزّع، وصورة تتكاثر، ووجود لا يكتمل إلا في علاقة، أو في نظرة، أو في مجرد صدفة.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




