بقلم راي فيسمان وأندرو جيلمان وماثيو سي. ستيفنسون
هذا الشتاء، أرسلت الجامعة التي يعمل فيها أحدنا بريدًا إلكترونيًّا يحث الموظفين على ارتداء القبعات في الأيام الباردة بشكل خاص؛ لأن “معظم حرارة الجسم تُفقد من خلال الجزء العلوي من الرأس”. ويتذكر كل شخص سماع هذه المعلومة بنسبة مختلفة– فقد نفقد 50% أو وفقًا لبعض الحسابات 80% من الحرارة من الرأس. ولكن هذه الأرقام والنسب غير علمية: إحداها غير صحيحة والأخرى معرضة للشك؛ إذ تنسب مقالة تنفي هذا الادعاء نُشرت في صحيفة نيويورك تايمز عام 2004م هذه الأرقام والنسب إلى دراسة عسكرية أمريكية أُجريت في الخمسينيات؛ إذ أُرسِل أشخاص يرتدون بدلات النجاة إلى القطب الشمالي وذلك في البرد القارس، وقد فقد المشاركون حوالي نصف حرارتهم من الجزء الوحيد من جسدهم الذي كان معرضًا للعوامل الجوية. وبفضل مبالغة الأجيال السابقة من الآباء، وصلنا إلى 80% (وفقًا لخبير بفقدان الحرارة المرتبط بالتجمد من مقال النيويورك تايمز، الرقم الأكثر دقة هو 10%).
وإن هذه المعلومة التافهة من المعلومات الطبية المتناقلة عبر العامة تعد مثالًا على مشكلة أكثر جدية: فمن خلال التكرار المتواصل، تكتسب الإحصائيات المضللة لمعان الحقائق العلمية وذلك في كثير من الحالات في سياق النقاشات السياسية العامة الحيوية. وإن الأرقام غير الموثوقة تكون دائمًا على بُعد بحث بسيط عبر الإنترنت، ويعتمد عليها الأشخاص والمؤسسات ويكررون هذه الأرقام دون أي مصدر موثوق.
وعلى مدى سنوات، كنا نتتبع أصول الأرقام التي تدعي قياس الأنشطة غير القانونية، والتي بطبيعتها صعبة القياس. ربما سمعت أنه يُدفَع أكثر من تريليون دولار رشوة سنويًّا، أو أن الفساد يكلف الاقتصاد العالمي 2.6 تريليون دولار سنويًّا. وإن الرقم تريليون دولار يأتي من مجموعة من التوقعات المشتقة من عدد قليل من الاستطلاعات التي أجراها البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي في أوائل العقد 2000 في مجموعة متنوعة من البلدان. وقد أسفرت هذه الحسابات عن مجموعة واسعة من التقديرات السنوية لدفعات الرشاوى– والتي تتراوح من حوالي 600 مليار دولار إلى 1.7 تريليون دولار. ويمثل الرقم تريليون دولار بالتقريب وسط هذا النطاق. وتكمن المشكلة في أخذ المتوسط فقط هي أن ذلك يحرم البيانات من التباين الهائل في التقديرات المشكوك فيها أساسًا. ومع ذلك، فإن هذا الرقم يستمر في الظهور -على سبيل المثال، استشهد به موقع البنك الدولي عبر الإنترنت مؤخرًا عام 2020م- كما لو كان المبلغ السنوي للرشوة ثابتًا.
وفي الوقت نفسه، تعود تقديرات الفساد البالغة 2.6 تريليون دولار إلى نقطة من جملة واحدة في موجز الدعوة الصادر عن مجموعة من المنظمات المحترمة، بما في ذلك منتدى الاقتصاد العالمي ومنظمة الشفافية الدولية. لم يذكر الموجز أي مصدر، وعلى حد علمنا، قد يكون الرقم مبنيًّا على قراءة خاطئة مهملة لدراسة سابقة. ولكن استُشهِد بهذا الرقم لاحقًا من قِبَلِ رؤساء الهيئات الدولية البارزة، بما في ذلك الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وإن هذه الأرقام هي ما يمكن أن نسميه “إحصاءات زخرفية”، والتي لا تهدف لنقل مبلغ فعلي من المال، ولكن لتبدو ضخمة ومثيرة للإعجاب. ومع ذلك، لا يمنع ذلك استخدامها في الجمع، أو الطرح، أو القسمة، أو الضرب، للحصول على إحصاءات زخرفية أخرى. وقد تجمع بعض المنظمات ووسائل الإعلام تقديرات الرشوة والفساد وتعلن أن العالم يشهد 3.6 تريليون دولار من الرشاوى سنة بعد سنة.
ومن المؤسف أن انتشار الأرقام المضللة يؤدي إلى تقويض مصداقية الإحصائيات بشكل عام.
ولقد قرأنا مؤخرًا دراسة قام بها باحثان محترمان تضع حجم الرهانات غير القانونية المقامة سنويًّا عند مبلغ 1.7 تريليون دولار. فمن أين جاء هذا الرقم الدقيق لأنشطة سرية وصعبة القياس؟ استشهد الباحثان في ورقتهم البحثية بوثيقة نشرها مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة، إلا أن تلك الوثيقة تعطي في الواقع نطاقًا متراوحًا بين 340 مليار دولار و1.7 تريليون دولار، ولم تستشهد بأي مصدر، وتحذر من صعوبة قياس الاقتصاد السري. ومع ذلك، لم يُذكر سوى الرقم 1.7 تريليون.
تعود جائحة الإحصاءات الزخرفية إلى عقودٍ من الزمن، ففي خطابٍ من سلسلة خطابات أُلقيت عام 1991م حول افتراض تراجع التنافسية الاقتصادية العالمية للولايات المتحدة، أشار نائب الرئيس دان كويل إلى أن الولايات المتحدة تعاني من الكثير من الدعاوى القضائية والمحامين الزائدين، كما يظهر من حقيقة أن 70% من المحامين في العالم هم أمريكيون– وهو رقم كُرِّرَ آنذاك من قِبَلِ شخصيات ذات سلطة في المجال السياسي. ولكن كما حسب الأستاذ القانوني مارك جالانتر في ذلك الوقت، فإن النسبة المئوية للمحامين الأمريكيين ربما تكون في حدود 25% إلى 35%، وذلك بشكل متساوٍ تقريبًا مع حصة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في أوائل التسعينيات. وقد زعم كويل أيضًا أن الدعاوى القضائية (والتهديد برفع الدعاوى القضائية) تكلف الأمريكيين 300 مليار دولار سنويًّا. وهذا التقدير المثير للقلق بالقدر نفسه -والذي استُشهِدَ به أيضًا على نطاق واسع في مناقشات إصلاح التعويضات- جاء من مقال نشرته مجلة فوربس اقتبست فيه رقمًا تقريبيًّا ذكره أحد المحامين في مجال الدفاع عن الشركات، كتقدير أساسي مرتجل للتكلفة دون مصدر أدلى به رئيس تنفيذي في مناقشة طاولة مستديرة. وكانت الأخبار التي تفيد أن النظام القضائي المدني يكلف البلاد 300 مليار دولار سنويًّا، على حد تعبير جالانتر، “من العدم”.
ونعتقد أن الإحصاءات المضللة تكاثرت فقط في السنوات الأخيرة. من المفترض أن يُسهل الإنترنت عملية الكشف عن هذا الزيف؛ إذ يمكن الآن القيام بعملية بحث سريعة لتتبع أصل الأرقام كما فعل جالانتر. ومع ذلك، حتى إذا تجاهلنا مشكلة الأكاذيب التي تنتشر بسرعة عبر الإنترنت، فإن الويب هو شبكة لا نهائية لمواد من مصادر غير موثوقة، فعندما تكون الأرقام متاحة بسهولة، تسهل عملية جمعها في تركيبات مختلفة لإنتاج إحصاءات جديدة تجذب الانتباه.
يجب أن يشكك الجمهور في الأرقام التي تُتَداوَل دون شرح كافٍ لمصدرها، ولكن المسؤولية الأكبر لمعالجة هذه المشكلة تقع على عاتق الصحفيين، والباحثين، والإدارات الحكومية، والمجموعات الموثوقة، والمنظمات الدولية، والجهات كلها التي يعتمد عليها العامة وصنّاع السياسات للحصول على الحقائق الأساسية. الصحافة لديها مسؤولية خاصة؛ فعلى عكس السياسيين أو المدافعين عن قضايا معينة، يعمل الصحفيون وفقًا لمدونة أخلاقية تطالب بتقديم تقارير دقيقة للبيانات الواقعية.
وبالنسبة للكتاب والمتحدثين الذين قد يشعرون بالحاجة لدعم حججهم بالأرقام، لدينا بعض النصائح: أولًا، وقبل أن تستشهد برقم ما، حاول العودة إلى المصدر الأصلي بدلًا من مصدر ثانوي يشير إلى دراسة أخرى (والذي قد يشير إلى أخرى، وقد تشير الأخرى إلى أخرى، وهكذا). ويجب أن تكون العبارات، مثل “أظهرت الدراسات” أو “تم تقدير” بمثابة علامات تحذيرية حمراء. وإن الاستشهاد بمصدر ليس كافيًا، يجب عليك تعقب المصدر الأصلي.
واحذر أيضًا مما يمكن أن نسميه “غسيل الإحصاءات”: أيْ إعادة تدوير مصدر غير موثوق يقدم ادعاءً كميًّا مشكوكًا فيه بواسطة شخصٍ ما أو منظمة أكثر احترامًا، إما بشكل استغلالي أو غير مبالٍ، وذلك في خطاب رسمي أو وثيقة. وفي وقت لاحق، يُستَشهد بهذا المصدر الثانوي كمصدر موثوق، مما يعطي الرقم طابعًا من الموثوقية. وإن تكلفة الدعاوى البالغة 300 مليار دولار هي مثال على ذلك، إذ يصبح تصريح عفوي من قِبَلِ أحد المسؤولين التنفيذيين في شركةٍ ما أساسًا لحسابات أحد المحامين، ثم يُستَشهد به في مقالة أكاديمية، ثم يُكَرَّر من قِبَلِ نائب الرئيس للولايات المتحدة– ثم من قِبَلِ العديد من الآخرين.
وثالثًا، لا تضع الكثير من الثقة في الاسم المرموق، فالتقدير من قِبَلِ أستاذ في جامعة هارفارد ليس “تقديرًا من جامعة هارفارد بحد ذاتها”. وإن الإحصائية التي تظهر في ورقة عمل غير منشورة للبنك الدولي، قد تكون من تأليف مستشار خارجي، وليس من “حساب البنك الدولي”. كما قد يتبين لاحقًا أن بعض الإحصاءات التي تصدرها مؤسسات معروفة بلا أساس، ولكن الإشارة إلى أن المنظمة قد أكدت الادعاءات الإحصائية التي لم تُفحص بعناية يزيد من احتمال انتشار الأرقام والمعلومات المضللة.
وأخيرًا، عليك أن تدرك أنه في عملية النقل الناقص التي تحدث عندما ينتقل التقدير الكمي إلى الحوار العام، تُقَرَّب الأرقام مرة، ثم مرةً أخرى. وإن التقديرات التي تأخذ في الأصل شكل نطاق واسع تتحول إلى رقم واحد، ويُتَعَامل مع التقديرات ذات النطاق المحدد على أنها تنطبق بشكل أوسع بكثير مما هو محدد، وتتلاشى بذلك الاحتياطات الهامة. وتُبذل في بعض الأحيان جهودٌ حسنة النية لقياس ظاهرة صعبة التقدير فقط لتُقَدَّم نسخة مشوهة من نتائجهم في وقت لاحق على أنها حقيقة.
يمكنك أن تقدم حجة دون استخدام أرقام ملفقة للإشارة إلى يقين لا تتمتع به بحق، ولا يلزمك أن تدّعي أن الأشخاص الذين لا يرتدون قبعة سيفقدون 50% أو 80% من حرارة أجسامهم في الشتاء. ليس الأمر بهذه الجدية.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة ذا أتلانتيك).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




