لا حديث، لا بودكاست، لا موسيقا، فقط بعض الوقت وحدك مع أفكارك.
كريستينا كارون
في فيديو على تيك توك جمع الآن ما يقرب من مليون مشاهدة، تصف المؤثرة مادي مايو السير في نزهة، لكن ليست أي نزهة: نزهة صامتة.
بالنسبة لها، كانت تلك النزهة التي استمرت 30 دقيقة كاشفة، لا بودكاست، لا موسيقا، فقط “أنا، نفسي وأنا”.
كانت مترددة في البداية (كانت فكرة صديقها)، “قلقي لا يمكن أن يتحمل ذلك”، قالت في الفيديو.
وصفت السيدة مايو الدقيقتين الأوليتين بأنهما “فوضى” عقلية انتهت في النهاية إلى “حالة تدفق”، تلاشت ضبابية عقلها، بدأت الأفكار تتدفق إلى ذهنها لأنها كانت “تعطيها مساحة للدخول”.
السير في صمت هو أحدث هوس في عالم الصحة النفسية على تيك توك، وهو مزيج من التأمل والتمرين الذي يهدف إلى تحسين الصحة العقلية، وعلى عكس “السير الساخن” الشائع بالقدر نفسه -وهو رحلة تمتد لأربعة أميال تتطلب وضع الأهداف وتقديم الشكر- فإن السير الصامت لا يتضمن تعدد المهام، لا يوجد جدول زمني سوى وضع قدم أمام الأخرى وملاحظة العالم من حولك.
السير في صمت هو تقليد قديم متجذر في اليقظة، وهو شكل من أشكال التأمل يساعد الناس على التركيز على الأحاسيس الجسدية والأفكار والعواطف في اللحظة الحالية، دون أي حكم.
حقيقة أن السير الصامت ليس شيئًا جديدًا قد جذبت جوقة من النقاد؛ “يظن جيل زد أنه اخترع السير للتو”، يقولون.
في هذا السياق، ضحكت أرييل لور، 38 عامًا، وهي صانعة محتوى في لوس أنجلوس.
“قبل خمسة عشر أو عشرين عامًا، لم يكن هذا ليكون حتى حديثًا”، قالت السيدة لور، التي ناقشت فوائد السير في صمت، مؤخرًا على بودكاستها وعلى تيك توك، لكن السير الصامت يبدو ذا صلة الآن لأن الكثير منا قد أصبح مرتبطًا بأجهزتنا، أضافت.
ثم يصبح السؤال: “كيف يمكننا مواجهة ذلك؟” قالت السيدة لور.
السير هو بلسم راسخ للعقل والجسد، أظهرت الأبحاث أن السير لمدة 10 دقائق إضافية يوميًّا قد يؤدي إلى حياة أطول، ووجدت دراسة أجريت في عام 2020م في مجلة علم النفس البيئي أن السير لمدة 30 دقيقة في حديقة حضرية قلل من الوقت الذي يقضيه الناس في التفكير في الأفكار السلبية، كما أظهرت الأبحاث أن السير يحسن الإبداع ويساعد في درء الاكتئاب.
السيدة لور -التي تسير في صمت لمدة 45 دقيقة تقريبًا أربع مرات في الأسبوع- قالت إنه منذ أن بدأت هذه الممارسة قبل نحو عام، أصبحت تنام بشكل أفضل، وتشعر بهدوء أكبر ولديها طاقة أكثر اتساقًا طوال اليوم.
لكن بالنسبة إلى بعض الأشخاص، قد يبدو مفهوم السير في صمت تعذيبًا. وجدت دراسة أجريت في عام 2014م أن الأشخاص، عند وضعهم في موقف لا يتاح لهم فيه خيار آخر، يميلون إلى اتخاذ قرارات مفاجئة أو القيام بأفعال غير متوقعة بدلاً من الجلوس بمفردهم والتأمل في أفكارهم.
“يبدو أن معظم الناس يفضلون القيام بشيء ما بدلًا من عدم القيام بشيء، حتى لو كان ذلك الشيء سلبيًّا”، كتب مؤلفو الدراسة.
ومع ذلك، يمكن أن يجعل السير قضاء الوقت مع أنفسنا أكثر متعة، كما يقول الخبراء.
إيرين سي. ويستغيت (أستاذ مساعد في علم النفس في جامعة فلوريدا في غينسفيل، التي تدرس الملل)، وجدت في أبحاثها أن التواجد في حالة انتقال، والتي تشمل السير أو ركوب وسائل النقل العامة، كانت واحدة من الأوقات التي أبلغ فيها الناس غالبًا عن وجود أفكار ممتعة.
قالت الدكتورة ويستغيت إن السير “ليس متطلبًا لدرجة أنه يأخذ الكثير من سعة تفكيرك”، مما “يمنحنا الإذن والتصريح للحلم اليقظ”.
إذا بدت فكرة الحلم اليقظ فاخرة، فقد يكون ذلك لأن مدى انتباهنا قد تقلص على مدار العقدين الماضيين.
نحن الآن نقضي في المتوسط حوالي 47 ثانية على قطعة من محتوى الشاشة قبل الانتقال إلى قطعة أخرى، وفقًا لأبحاث قادتها غلوريا مارك، أستاذة المعلوماتية في جامعة كاليفورنيا، إيرفين، ومؤلفة “مدى الانتباه”، ومع ذلك، في عام 2004م، وجدت الدكتورة مارك أن الناس يمكنهم قضاء متوسط دقيقتين ونصف في البريد الإلكتروني قبل الانتقال إلى مهمة عمل أخرى.
التحول المستمر لانتباهنا من مهمة إلى أخرى مرهق، قالت الدكتورة مارك، لكن السير في صمت يمكن أن يساعد في تجديد “خزاننا” حتى يكون لدينا احتياطي أكبر من الطاقة العقلية، أضافت، بعبارة أخرى، يمكن أن يساعد الانفصال لفترة من الوقت في تحسين أدائنا.
اقترحت الدكتورة مارك أخذ فترات راحة رقمية في أوقات أخرى، وليس فقط عندما نسير، وأن نفكر في هدف عاطفي ليومنا، وليس مجرد قائمة من المهام.
على سبيل المثال، إذا كان هدفك هو الشعور بالهدوء، يمكنك كتابة ذلك على ورقة ملاحظات والرجوع إليه عند التفكير في كيفية قضاء وقتك الحر العابر في ذلك اليوم.
“يشعر الكثير منا أننا دائمًا متأخرون ونجري للحاق بالركب”، قال ديفيد م. ليفي، أستاذ في كلية المعلومات بجامعة واشنطن في سياتل، ومؤلف “التكنولوجيا اليقظة”، يمكن أن يؤدي ذلك إلى حالة من “الانشغال الشديد لدرجة أننا لسنا حاضرين على الإطلاق”.
لكن في مجتمع يركز على المستقبل، نحتاج إلى فرص لنكون راضين عن الحاضر -قال الدكتور ليفي- ونتخلى عن الضغط لنكون منتجين.
“هناك جمال وحياة عظيمة في العالم خارج ما نقوم به على أجهزتنا”، قال الدكتور ليفي.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة نيويورك تايمز).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




