ترجمة: لولوة العيدان
قد تكون هوية المنظمة، وهندستها، وتعاونها، أصلًا أو عبئًا في مساعيها نحو النمو في قطاعات جديدة.
في التاسع من يناير عام ٢٠٠٧م، صعد ستيف جوبز إلى خشبة مسرح “ماكوورلد” في سان فرانسيسكو، وأعلن: “ستعيد أبل اليوم اختراع الهاتف”، ووعد بأن الجيل الأول من الآيفون سيكون متاحًا للشراء في ستة أشهر فقط، لكن النموذج الأولي الذي حمله جوبز في يده كان بعيدًا كل البعد عن المنتج النهائي. كان فريقه لا يزال يعمل على تطوير شاشة لمس أقوى للهاتف الذكي. عجزت “أبل” عن العثور على مادة لا تتحطم عند سقوط الهاتف على الرغم من أن الزجاج كان أحد الخيارات.
اتصل جوبز فورًا بعد انتهاء العرض بويندل ويكس، الرئيس التنفيذي لشركة “كورنينج”، الشركة التي اختارها توماس أديسون لصنع الزجاج المغلف لمصابيحه الكهربائية الأولى في العالم، حيث منح جوبز ويندل ويكس أيامًا معدودة فقط للبت في قرار الشراكة مع “أبل” لتطوير شاشة لمس زجاجية قوية. بالنسبة لويكس، كان هذا الالتزام يعني تحويل موارد مهمة و٣٠٠ شخص بعيدًا عن أعمال الشركة الناجحة في مجال شاشات الكريستال السائل (LCD)، وهو قطاع حيوي يسهم في تدفق الأموال للشركة. كما وضح ويكس خوفه الشديد من الفشل، عندما قال لي لاحقًا: “كان هناك بعض الأشخاص في الشركة يعتقدون أن ما أراده جوبز كان مستحيلًا، فلو أخذنا هذا التحدي على عاتقنا وفشلنا، لجعل جوبز شركة “كورنينج” منبوذة، لأننا سنكون السبب في توقف إنتاج جهاز الآيفون”.
تمثل معضلة شركة “كورنينج” (كيفية تحويل مواردها المحدودة وخبراتها وتوقيتها نحو خط إنتاج جديد غير مجرب) تحدي إعادة الابتكار الذي يواجه معظم المؤسسات في مرحلة ما. عندما ينجح هذا التجديد، قد يؤدي إلى ابتكارات ثورية مثل زجاج الغوريلا، وهو المنتج الذي نتج عن شراكة “كورنينج” مع “أبل”، وقد استُخدِم منذ ذلك الحين في أكثر من ٨ مليارات جهاز لأكثر من ٤٥ علامة تجارية رائدة.
لاحظتُ خلال أكثر من عقد من البحث في الابتكار كيف تستجيب المنظمات للفرص الجديدة، والتغيرات التقنية، أو التحولات غير المتوقعة في السوق التي تهدد بقلب نماذج أعمالها الحالية. قد تحدث هذه العملية التي أطلق عليها اسم “إعادة الابتكار” استباقيًّا أو استجابيًّا. قدّمت شركة “كورنينج” مثالًا استباقيًّا، حيث تُظهر كيف ساعدها التركيز المستمر على إعادة الابتكار في اغتنام الفرص غير المتوقعة، سواء كان ذلك استجابةً لطلب من توماس إديسون لتطوير أول مصباح كهربائي، أو بعد قرن من الزمان، استجابةً لطلب من ستيف جوبز للشراكة في أول هاتف آيفون.
مع ذلك، غالبًا ما تكون إعادة الابتكار استجابةً لتهديد وجودي غير متوقع. يكشف هذا الشكل من إعادة الابتكار الاستجابي عن مصائد خطيرة يمكن أن تعرقل المؤسسة أو حتى تؤدي إلى إفلاسها. ولا يحتاج المرء إلا إلى السفر لمسافة ١٠٠ ميل شمال مقر شركة “كورنينج” ليتذكر كيف أسهمت الكاميرا المدمجة في جهاز الآيفون في الضربة القاضية التي أنهت مسيرة شركة “كوداك” بعد سنوات من صراعها للخروج من مجال تصنيع الفيلم التي كانت ذات يوم مهيمنةً عليه.
وجدت بعد إجراء مقابلات ومجموعات نقاش وورش عمل، مع ١٤٥١ فردًا من مختلف القطاعات واجهوا معضلات إعادة الابتكار، أن التحدي الرئيس لإعادة الابتكار يكمن في أن نجاح المؤسسة السابق يمكن أن يكون أكبر أصولها أو أكبر عائق أمام مستقبلها.
على عكس الاعتقاد السائد، اكتشفت أن المؤسسات نادرًا ما تفشل في إعادة ابتكار نفسها بسبب جهل قادة تلك المؤسسات بالتقنيات الجديدة أو الاتجاهات الناشئة. ومن المثير للدهشة، أن كثيرًا من الشركات التي درستها كانت هي نفسها من اخترع التقنية التي كادت تقضي عليها. أصر كثير من المديرين التنفيذيين المتقاعدين في شركة “كوداك” على تذكيري بأنهم هم من طوروا أول براءات اختراع للتصوير الرقمي. وبالمثل، طور صنّاع الساعات السويسريون في الستينيات من القرن الماضي أول الساعات الكوارتزية التي تعمل بالبطاريات، والتي كادت تقضي على صناعة الساعات الميكانيكية.
تعاني بعض المؤسسات أكثر من غيرها في إعادة ابتكار نفسها، ليس بسبب إغفالها للتغيرات التقنية أو السوقية، بل لأنها تقع في ثلاثة فخاخ متأصلة في هويتها، وهيكلها التنظيمي، وتعاون أعضائها. وعلى الرغم من أنها غالبًا ما تظهر متسلسلة، فإن هذه الفخاخ قد تتداخل أيضًا مع بعضها. سأناقش في هذا المقال كيف يمكن لهذه الفخاخ أن تحد من قدرة الشركة على اكتشاف مسارات جديدة للنمو، وكيفية تجنبها بوضع أسس التواصل المناسبة لتعزيز هوية متماسكة، وإنشاء هياكل تنظيمية جديدة، والاهتمام الوثيق بالديناميات الشخصية على مستوى الفريق والفرد.
المسارات الجديدة تفرض خيارات صعبة
قد تكون إعادة الابتكار أمرًا مُخيفًا لأنها تُجبر القادة على مواجهة التضحيات بين الاستثمار في الابتكارات الحالية والابتكارات المستقبلية. يجب على الشركات الراسخة أن تقرر ما يجب التمسك به وما يجب التخلي عنه من أجل تحرير الموارد للابتكارات المستقبلية، ويتعين على المديرين مواجهة حساباتهم مع قدراتهم الابتكارية، وتقييم إذا كان لديهم ما يلزم لتعزيز الابتكارات الرائدة.
يتعين على المديرين في الوقت نفسه موازنة أنشطة الابتكار بين خطوط المنتجات الحالية والعروض الجديدة. يقع كل منتج أو خدمة على منحنى الدالة السينية، تأتي على شكل حرف “S”، ويتطور من مراحله الأولى إلى النمو ثم إلى مرحلة النضج، وللتغلب على تحديات إعادة الابتكار، يجب أن تتمتع المؤسسات بالقدرة على إدارة منحنيات الدالة السينية المتعددة في وقت واحد. (انظر إلى الفقرة التالية “فخاخ إعادة الابتكار”). أظهرت الأبحاث السابقة أن الابتكار يتطلب نهجًا مختلفًا في كل مرحلة؛ فهو يركز في مرحلة الحداثة على الاستكشاف، أي احتضان الابتكارات المبتكرة عالية الإمكانات. أما في مرحلة النضج، حيث تقع المنتجات الأكثر رسوخًا على منحنى الدالة السينية، فإن الابتكار يتعلق بالاستفادة، أو بمدى جودة استخدام الشركة لقدراتها الحالية لزيادة فاعلية العمل، وخفض التكاليف، أو للبقاء متقدمة على الشركات المنافِسة.
فخاخ إعادة الابتكار
فخ الهوية يحدث أولًا؛ لأن القادة والموظفين غالبًا ما يربطون “هويتنا” بمنتج أو خدمة معينة حددت نجاح الشركة في الماضي. من دون هوية تنظيمية أوسع، قد يُنظر إلى الابتكارات الرائدة على أنها تهديد، أو قد لا ترى النور أبدًا. يظهر بعد ذلك فخ الهيكلة، عندما يدرك القادة الحاجة إلى الاستثمار في ابتكارات جديدة، لكنهم يطلبون من فرق الابتكار الرائدة العمل ضمن الهياكل نفسها أو الحوافز المحددة للمنتجات الأكثر رسوخًا. من المحتمل أن يقع الفخ التعاوني بعد أن يقوم القادة بإنشاء هياكل منفصلة للتغلب على الفخ السابق، ما قد يؤدي إلى الانعزال التعاوني، حيث تظل فرق الابتكار في مراحل مختلفة من منحنى الدالة السينية ضمن نطاقاتها، ولا تستطيع الفرق تبادل الثقة أو الاستفادة من خبرات بعضها.
تحدث أخطاء إعادة الابتكار عندما يركز القادة على مرحلة واحدة من منحنى الدالة السينية دون مراعاة الحاجة إلى الابتكار في المراحل الأخرى أيضًا. كشف بحثي عن تسلسل فريد يظهر غالبًا بين هذه الفخاخ، كما هو موضح أدناه، إلى جانب الدروس التي يمكن للقادة استخدامها للاستعداد لكل فخ ومعالجته مسبقًا.
فخ الهوية: عندما تكون “من نحن” مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بـ”ما نفعله”
عادةً ما يكون فخ الهوية هو أول ما يعوق جهود إعادة الابتكار. يجب التمييز بينها وبين الهوية المؤسسية والعلامة التجارية أو التسويق الاستهلاكي، حيث تعكس الهوية ما يتفق عليه القادة والموظفون بأنه يشكل الخصائص الأساسية المميزة والدائمة للمؤسسة. هذه العناصر تحدد هوية المؤسسة، ويمكن أن يُنظر إليها أحيانًا على أنها مهددة بالابتكارات الجديدة.
يحدث هذا عندما تكون الهوية المؤسسية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا جدًّا بمنتج أو خدمة محددة. فعندما تكون “من نحن” في الواقع هي “ما نفعله” (على سبيل المثال، “نحن شركة كاميرات تصنع الكاميرات”)، فإن الشركة تخاطر بالآثار الابتكارية التالية.
يفوّت القادة الفرص: إنّ حصر نطاق الابتكار ضمن حدود “ما نفعله” قد يمنع المديرين من السعي نحو القدرات الجديدة اللازمة للابتكارات المبتكرة. فعلى سبيل المثال، مع تحول العالم إلى التجارة الإلكترونية في أوائل الألفية الثانية، ظلت سلسلة متاجر “بوردرز” لبيع الكتب متمسكة بشدة بهوية متجر التجزئة التقليدي. وعندما عرض جيف بيزوس المساعدة في بناء منصة التجارة الإلكترونية للشركة، ظلت القيادة متمسكة بأعمال تشغيل سلسلة متاجر الكتب، واختارت الاستعانة بمصادر خارجية لشؤون التجارة الإلكترونية لدى “أمازون”.
بعد سبع سنوات، كان الأوان قد فات عندما أدرك فريق “بوردرز” حاجة الشركة إلى تطوير قدراتها في التجارة الإلكترونية. فمن دون هوية واضحة لتوجيه استراتيجية التوسع متعدد القنوات وعروض المنتجات الجديدة، فقدت الشركة طريقها وأعلنت إفلاسها. ووفقًا للمؤسس المشارك توم بوردرز، “نسيت الشركة أن بيع الكتب ليس كبيع النقانق أو الجوارب”.
في مواجهة التهديد الوجودي نفسه من “أمازون”، نجحت كثير من المكتبات المستقلة في جميع أنحاء الولايات المتحدة في تجنب فخ الهوية باعتماد تعريف أوسع لنفسها، وهو أنها أماكن تجمع مجتمعية وقادة لحركة “تسوق محليًّا”. وقد ساعدتهم هذه الهوية الشاملة في إعادة تعريف تجربة التسوق داخل المتجر، ما دفع بائعي الكتب المستقلين إلى تجربة استضافة المؤلفين، وتخصيص المخزون وفقًا لأذواق العملاء المحليين، وتثقيف العملاء حول أهمية دعم الشركات المحلية. ارتفع عدد متاجر الكتب المستقلة نتيجةً لذلك بنسبة ٧٢٪ بين عامي ٢٠٠٩م و٢٠٢٤م. نجت هذه المتاجر لأن هويتها ساعدتها على تطوير نموذج خدمة مبتكر يدعو الزبائن إلى دخول المتجر للمشاركة في تجربة مجتمعية. إنها تجربة عجزت خوارزميات “أمازون” عن محاكاتها.
يميل الموظفون إلى مقاومة التغيير. تسهم الهوية المحدودة أيضًا في جمود مؤسسي يمكن أن يؤدي إلى مقاومة الموظفين أو رفضهم لأنشطة الاستكشاف على منحنيات الدالة السينية الجديدة. سماع قول: “لا شكرًا، هذا الابتكار الجديد لا يعبّر عنا” كان شائعًا في مقابلاتي مع موظفي الشركات التي فشلت في إعادة ابتكار نفسها.
يتضح فخ الهوية في المؤسسات التي توفر منتجات وخدمات راسخة يفخر بها الموظفون. في إحدى الدراسات، وجدت مع زملائي الباحثين أن التعريفات المحدودة للهوية قد تدفع الأفراد إلى رفض الابتكارات الرائدة، خاصةً إذا كانوا قلقين من أن المنتج أو الخدمة الجديدة ستجعل معرفتهم أو مهاراتهم قديمة، ولكن يمكن أن يساعد الإحساس الأوسع بالهوية المؤسسية الموظفين على استقبال التغيير بأذرعٍ مفتوحة.
لننظر في التحدي الذي واجهته شركة “مولسكين”، وهي شركة ميلانية باعت الملايين من دفاتر الملاحظات المميزة المغلفة بالحلة الزيتية. كان على الشركة اتخاذ قرار حاسم بشأن ما إذا كانت ستسعى إلى حلول تدوين الملاحظات الرقمية التي بدأت تتنافس مع الدفاتر الورقية. وبدلًا من مقاومة هذه الاتجاهات، تعاونت “مولسكين” مع “إيفرنوت” و”أدوبي”، ووجدت أن موظفيها رحبوا بالاتجاه الجديد.
أرجعت ماريا سيبرغوندي، الشريك المؤسس لشركة “مولسكين”، الدعم الذي تلقته إلى الهوية المؤسسية طويلة الأمد للشركة. لم يرَ الفريق المؤسس نفسه على أنه يبني شركة لدفاتر الملاحظات، بل كما أخبرتني، رأوا أنفسهم على أنهم “يصنعون أدوات للعقل المبدع”. كانت ماريا تُلِحّ على نقل هذه الهوية للموظفين بتشجيعهم على تطوير منتجات للتعبير الشخصي “لتُسجِّل الأفكار والتجارب والأحلام”، وبالتالي، عندما وسّعت “مولسكين” رؤيتها للمنتجات لتشمل الملاحظات الرقمية، رأى الموظفون ذلك بمنزلة امتداد طبيعي للهوية الإبداعية النابضة بالحياة للشركة.
لتجنب فخ الهوية، يحتاج القادة إلى التواصل بهوية مجردة قبل الشروع في اتجاه جديد. تتمثل مهمة القائد في صياغة الهوية المؤسسية استباقيًّا بعبارات مفتوحة بما يكفي، بحيث يُنظر إلى المنتجات أو الخدمات الجديدة والناضجة على أنها ذات صلة بفهم الموظفين لـ”من نحن”. يمكن للهوية المفتوحة أن تربط بين عدة منتجات وخدمات، ويمكن أن تساعد الموظفين على رؤية الابتكارات الرائدة فرصًا بدلًا من تهديدات. يجب على القادة تجنب الادعاءات المحدودة للهوية المرتبطة بمنتج محدد مثل “نحن نبيع الكتب”، أو الهوية التي تصبح بلا معنى لأنها عامة جدًّا مثل: “نحن شركة ابتكار عالمية المستوى”. عندما يكون ذلك ممكنًا، يجب على المديرين البدء في التواصل بشأن تغيير الهوية قبل فترة طويلة من اقتراب استبدال المنتجات الجديدة بالقديمة، ويجب عليهم تخصيص وقت أطول لإعادة تعريف “من نحن”، إذا أصبح منتج أو خدمة معينة مرادفًا لهوية المؤسسة.
فخ الهيكلة: عندما لا تتوافق هياكل الابتكار والحوافز
يحدث الفخ الثاني لإعادة الاختراع عندما لا يعيد القادة التفكير في عناصر الهيكلة المؤسسية (هياكل الفريق، ومستويات التسلسل الهرمي، وعمليات العمل، ونظم المكافآت)، لمواءمتها مع أنواع الابتكار المختلفة المطلوبة لإنشاء منتجات رائدة بدلًا من تحسين المنتجات الحالية. قد تحتاج فرق الابتكار في مراحلها الأولى إلى هياكل عمل مرنة للتعامل مع الحيرة وإجراء التجارب، بالإضافة إلى حوافز مختلفة، ومن ناحية أخرى، يتطلب تحسين أو توسيع خطوط المنتجات والخدمات الحالية وجود أنظمة وهياكل رسمية لتحديد تحسينات العمليات، واختبار التغييرات التدريجية في المنتجات، أو زيادة الكفاءة.
أكدت الأبحاث الإدارية الحاجة إلى هياكل مؤسسية منفصلة لدعم أنشطة الاستكشاف والاستفادة. كلاهما ضروري لإعادة الاختراع، ولكنْ هناك دائمًا توتر بينهما. بناءً على هذا العمل، وجدت أن القادة يميلون إلى التقليل من أهمية الهياكل المتعددة لدعم العمليات في مراحل مختلفة من منحنى الدالة السينية، ما أدى إلى العواقب التالية.
لا تتناسب هياكل الابتكار مع غرضها المحدد، فقد يلجأ القادة بجهل إلى الاعتماد على هياكل مماثلة لتحقيق عديد من أهداف الابتكار. لقد شاهدتُ قادة في شركة تقنية سريعة النمو يشكلون فرقًا بمهمة استكشاف تطبيق جديد ومبتكر لتوصيل الطعام، لكنهم افترضوا بعد ذلك أن هيكل الاحتضان المبكر سيكون مناسبًا لتوسيع نطاق المنتج ودمج العمليات ذات الصلة في خط الأعمال الرئيس. وبالمثل، رأيت في سلسلة أحد المتاجر الكبرى قائدًا يطور هيكلًا لدعم الابتكارات المدرة للدخل للمنتجات الناضجة، ثم طلب من الفِرق نفسها احتضان عمليات وتقنيات جديدة جذريًّا في أوقات فراغهم. من دون القدرة الاستيعابية أو الاستقلالية اللازمة للتجربة، قمع التسلسل الهرمي الرسمي منحنى الدالة السينية الجديدة للابتكار الرائد.
في المقابل، عززت هياكل شركة “كورنينج” وعملياتها كثيرًا من الابتكارات الثورية منذ تأسيس الشركة عام ١٨٥١م، بما في ذلك الزجاج المقاوم للحرارة الذي سُوِّق باسم “بايركس”، والألياف البصرية، وركائز زجاجية لشاشات الكريستال السائل. كان على ويندل ويكس تحويل الموارد والعلماء بسرعة من أعمال الشركة الناضجة التي تزود شركات تصنيع أجهزة التلفزيون وشاشات الكريستال السائل بالزجاج، عندما وافق على تطوير شاشة زجاجية متينة لجهاز الآيفون. لاحقًا، بدأت الشركة باستكشاف تطبيقات أخرى لزجاج الغوريلا. وسّع ويندل ويكس هيكل الابتكار في الشركة بإنشاء “مجموعة الابتكارات الناشئة” لتسريع وتيرة تحويل الأبحاث التقليدية إلى منتجات تجارية. تمنح المجموعة، التي تقع في مختبرات البحث والتطوير التابعة للشركة، أعضاءها الاستقلالية والمرونة والوقت لاحتضان أفكار منتجات قبل تسليمها إلى وحدات الأعمال التجارية، وفقًا لما ذكره مارتي كوران، مسؤول الابتكار في “كورنينج”. وبمجرد أن تثبت “مجموعة الابتكارات الناشئة” أن منتجًا محتملًا يتمتع بإمكانات تجارية، يتولى مديرو وحدات الأعمال مسؤولية المنتجات الجديدة المدرة للإيرادات. على مدار السنوات الماضية، حولت “مجموعة الابتكارات الناشئة” عديدًا من تقنيات زجاج الغوريلا إلى منتجات لصانعي السيارات، بما في ذلك لوحات القيادة والشاشات التي تعمل باللمس، والزجاج الأمامي خفيف الوزن والآمن، وأنظمة العرض الأمامي ثلاثية الأبعاد.
لا تتوزع الحوافز باتزان في مجالات الابتكار كافة. يجب على القادة التفكير في الحوافز المناسبة لأنشطة الابتكار المحددة، ويجب أن تعزز الحوافز المتميزة السلوكات الفريدة المطلوبة للابتكار التطوري، بدلًا من التطوير التدريجي للمنتج. قد يفضل موظفو البحث والتطوير العاملون على المراحل الأولى من الابتكارات، التقدير لحل المشكلات التقنية، في حين قد يكون المبتكر الذي يطور خط إنتاج جديدًا مدفوعًا بالحوافز التي تكافئ النجاح التجاري. تجنب إنشاء أنظمة حوافز تقدم مكافآت كبيرة لمجموعة واحدة دون تقديم فرص مماثلة للمجموعات الأخرى.
من الضروري التوضيح أن الابتكار أمر بالغ الأهمية في جميع المراحل، حتى لو اتخذ أشكالًا مختلفة. تبدأ إعادة الاختراع الناجح عندما تزرع المؤسسات بذور الأفكار الرائدة قبل وقت طويل من تراجع المنتج أو الخدمة الناضجة. وفي المقابل، يعتمد الاستكشاف في المراحل المبكرة أيضًا على قدرة المؤسسة على التخلص من مشاريع الابتكار غير الواعدة في المرحلة الأولى لمنحنى الدالة السينية. تُحَفز فرق الابتكار الرائد في شركة “كورنينج” على إلغاء المشاريع قبل طرحها في السوق لتقليل تكلفة إلغائها. وفي حدث سنوي يسمى “يوم الموتى”، يدعو الموظفون قادة من جميع أنحاء الشركة إلى الاحتفال بالمشاريع الملغاة التي لم تظهر وعدًا تجاريًّا، فيتناول الجميع الكعك وينشدون تحية للمشاريع الملغاة. وبالمثل، تتطلب إعادة الابتكار أيضًا التزامًا واضحًا (وحوافز مختلفة) لاستمرار ابتكار المنتجات الحالية.
فخ التعاون: عندما تؤدي الأهداف المتباينة إلى إضعاف الثقة المتبادلة
ينشأ فخ التعاون عندما يفشل الأفراد أو المجموعات في بناء علاقات مثمرة مبنية على الثقة، تدعم القيمة التي يقدمها كل فرد للمؤسسة.
قد يرى الأفراد أنهم يسهمون في أهداف مختلفة عند تعيينهم في منتجات أو خدمات في مراحل مختلفة من منحنى الدالة السينية، ولكن هذه الأهداف المختلفة يمكن أن تولد المنافسة.
إذا فشل القادة في إدارة التصورات حول توزيع الموارد المختلفة على المجموعات المختلفة، أو في التواصل بأن جميع جهود الابتكار ذات قيمة وتسهم في نجاح الشركة، فقد ينمو الشعور بالاستياء والمنافسة؛ فيبدأ الأفراد المكلفون بالمنتجات أو الخدمات الناضجة في الشعور بالاستياء تجاه زملائهم الذين في متناول أيديهم تقنيات متطورة أو موارد إضافية، وقد يشعرون بأن زملاءهم لا يخضعون للقواعد نفسها أيضًا، وقد تؤدي هذه التفاوتات الملحوظة إلى صراعات داخلية أو حروب نفوذ تمنع الناس من التعلم وتبادل المعلومات. لقد لاحظت كيف أدى شغف الرئيس التنفيذي المفرط بالابتكارات الرائدة إلى تهديد معنويات الأفراد العاملين في فرق أخرى تركز على التحسينات التدريجية، ومع مرور الوقت، أدى هذا النقص في التقدير إلى ظهور تصور بالمحسوبية، ما قوض الثقة بين الفرق.
وبالمثل، إذا رأى بعض الموظفين أنفسهم حراسًا للماضي فقط، في حين يعتقد البعض الآخر أن اهتمامهم الوحيد هو الابتكار للمستقبل، فقد يؤدي نقص الأهداف المشتركة إلى انعدام الثقة. تحد الأهداف المتباينة من الحاجة المفترضة إلى بناء علاقات مبنية على الثقة المتبادلة، فتقل التفاعلات بين الفرق، ولا يستفيد أي من الجانبين من خبرات الآخر.
لنذكر حالة مضادة، لاحظت أنا وزملائي الباحثون في دراسة تاريخية لصناعة الساعات السويسرية كيف تمكن قائدان يتمتعان برؤى مختلفة من التغلب على فخ التعاون، ليس فقط بإعادة ابتكار مؤسستهما، بل بهزّ صناعة الساعات السويسرية بأكملها. ففي عام ١٩٨٣م، وفي مواجهة المنافسة الشرسة من الساعات الكوارتز اليابانية التي تعمل بالبطاريات، برز نيكولاس جي هايك، الرئيس التنفيذي لمجموعة “سواتش”، بصفته شخصية تحويلية غير مقيدة بصناعة الساعات الميكانيكية التقليدية. احتضن نيكولاس التقنية الكوارتزية الجديدة، وأطلق ساعات “سواتش” العصرية والاقتصادية التي اجتاحت العالم. وفي الوقت نفسه، قام جان كلود بيفير المناصر للحرفية الميكانيكية الراقية بشراء حقوق العلامة التجارية الأسطورية “بلانبين” ودافع عن مستقبل يكرم ويصون تقاليد صناعة الساعات السويسرية.
تمارين استعداد إعادة الاختراع
ضع في حسبانك مدى ملاءمة فخاخ إعادة الاختراع الثلاثة لمؤسستك أو فريقك. استخدم التمرين التالي لتقييم استعدادك لإعادة الاختراع، قيّم كل بُعد على مقياس من ١ إلى ٥، ثم فكر في العوامل التي تشكل أكبر التهديدات والفرص. أي فخ من هذه الفخاخ أكثر احتمالًا أن يؤثر في مؤسستكم؟ اطلب من أعضاء فريقك إكمال هذا التمرين ومقارنة الإجابات. تكمن قيمة هذا التمرين في الأفكار والحوارات التي قد تحدث بين أعضاء الفريق وبين وحدات الأعمال المختلفة.
رغم الاختلاف الجذري في رؤيتهما، اختار الرجلان العمل معًا في التسعينيات بعد استحواذ هايك على شركة بيفر. وبدلًا من الصراع حول رؤى متعارضة، اجتمعا كل صباح مبكرًا لمناقشة التحديات الاستراتيجية والتنفيذية. استفاد بيفر من براعة هايك في عمليات التصنيع الحديثة، واستفاد هايك من عبقرية بيفر التسويقية. والأهم من ذلك، أنهما أوجدا مساحة مشتركة للعمل على مبادرات مشتركة، وكثيرًا ما شاركا المسرح في المناسبات الصحفية لإحياء علامة “أوميغا” التجارية التي كانت تعاني في ذلك الوقت.
أسفرت الثقة والتعاون بين القائدين عن رؤية مشتركة؛ إذ تمكنت الشركة من تحديث عمليات صناعة الساعات الميكانيكية لتزيد من كفاءتها، مع تحسين الجماليات التصميمية لساعاتها الكوارتزية. وفي النهاية، أصبحت مجموعة “سواتش” أكبر شركة ساعات في العالم، وأكبر مورد للعناصر لبقية صُناع الساعات السويسرية.
يتطلب الخروج من فخ التعاون جهدًا استباقيًّا من المديرين. واجه أحد المشاريع التي راقبها فريقي مشكلة عندما اختلف مديران متوسطا المستوى بشأن إذا ما كانت الأفكار الناشئة ستحول كثيرًا من الموارد بعيدًا عن خطوط المنتجات القائمة. للتغلب على هذا الانفصال، استضاف رئيس ابتكار المنتجات ورشة عمل مكثفة استمرت ليوم كامل حول العلوم الكامنة وراء تطوير المنتجات. وقد أدت سلسلة لاحقة من ورش العمل المشتركة بين مختلف الوظائف إلى صنع مساحة مشتركة للمتخصصين للدخول مؤقتًا إلى مجالات عمل زملائهم، ما وسّع آفاقهم وساعدهم على تحديد نقاط التلاقي.
ينبغي للقادة السعي لخلق فرص مشتركة لصنع القرار وتبادل الأفكار بين فرق الابتكار العاملة في مراحل مختلفة من منحنى الدالة السينية، فالتفاعلات المتكررة تساعد كل فريق على معالجة التوترات الناشئة، والغرور المفرط، والافتراضات الخاطئة قبل أن تتفاقم إلى خلافات حادة. إذا لم يُقدر أعضاء الفريق ضرورة تحقيق التوازن بين برامج الابتكار المتعددة للمؤسسة، فقد يتآكل مبدأ المعاملة بالمثل والثقة المتبادلة. ولتخفيف حدة هذه التوترات، ينبغي تهيئة مساحات مشتركة تتيح للقادة التعاطف مع بعضهم والاستفادة من خبرات كل منهم. تتيح المساحات والأنشطة المشتركة بناء الثقة المتبادلة والحوار في ما يمكن لكل طرف تعلمه من الآخر. يتطلب ذلك أيضًا الاعتراف بالقيود الشخصية والأخطاء السابقة، وهذا يعني قبول المساعدة والإقرار بقيمة كل طرف في مسيرة المؤسسة بأكملها.
من الاستراتيجيات الأخرى لبناء الثقة والتعاون وتقليل حروب النفوذ إعادة تعيين الموظفين مؤقتًا للعمل في فرق بمراحل أخرى من منحنى الدالة السينية. تعامل مع هذه المهام كالإجازات القصيرة، أو كفرص للتعلم عن جزء جديد من الأعمال التجارية دون توقعات الأداء نفسها في وحدة الأعمال الأصلية للموظف. سيساعد ذلك المتشائمين على اكتساب نظرة ثاقبة لأنشطة الابتكار في الشركة. فعلى سبيل المثال، إذا شعر حراس الماضي بأنهم جزء من المستقبل، فمن المرجح أن يصبحوا سفراء، ويمكنهم مشاركة الأخبار الإيجابية مع زملائهم في الأعمال الرئيسة حول ما ينتظرهم في المستقبل. وبالمثل، يمكن للأفراد الذين يطورون منتجات وخدمات في مراحلها المبكرة اكتساب المعرفة حول كيفية تحويل الابتكارات التجارية قبل مرحلة التسويق إلى الأعمال الرئيسة. يمكن عدّ هذه التكليفات منشطة؛ إذ يتبادل الأفراد الأدوار ويتعاطفون مع تحديات وغايات الابتكار لدى الآخرين.
لمَ تحتاج إلى خطة لإعادة الاختراع اليوم
عندما أكون في قاعة المحاضرات، يسألني التنفيذيون وطلاب ماجستير إدارة الأعمال في كثير من الأحيان عن مقدار الحظ الذي يؤدي دورًا في إعادة الاختراع. أظن أنهم في الواقع يسألون لماذا يبدو أن بعض المؤسسات في وضع أفضل باستمرار للاستفادة من التقنيات الجديدة أو التحولات غير المتوقعة في السوق مقارنةً بالآخرين.
لنعد إلى شركة “كورنينج”، لقد قفزت الشركة مؤخرًا إلى منحنى دالة سينية جديد بعد دخولها إلى صناعة الأدوية، ولكن لم يحدث هذا القفز بين عشية وضحاها. ففي عام ٢٠١١م، بدأ ويكس في تحويل الموارد إلى ابتكار قوارير زجاجية يمكنها توصيل وتخزين الأدوية القابلة للحقن دون أن تنكسر في أثناء النقل، وبعد مرور ما يقرب من عقد على هذا المسعى، استثمرت الشركة أكثر من ٢٠٠ مليون دولار، ولكن لم يظهر المشروع إمكانات تجارية واعدة. إلا أنه في أواخر عام ٢٠١٩م، وقبل أشهر قليلة من بدء جائحة كورونا، حصلت “كورنينج” على الموافقة التنظيمية لبيع المنتج، الذي أُطلق عليه اسم “زجاج فالور”، وفي الأشهر التالية، أصبحت قوارير “كورنينج فالور” عنصرًا أساسيًّا في توزيع اللقاحات.
جسدت استثمارات “كورنينج” المستمرة في “فالور” فلسفة الشركة الراسخة المتمثلة في الرهانات طويلة الأجل على التقنيات والمنتجات الجديدة الواعدة. وكما أوضح لي أحد المديرين التنفيذيين: “لم نرتبط قط بمنتج واحد، بل نحن نركز على تطوير تقنيات تغير الحياة باستخدام علوم المواد”.
على الرغم من استحالة تحديد الوقت الذي ستحتاج فيه مؤسستك إلى إعادة اختراع نفسها، يدّعي الفلاسفة أن الحظ يحدث عندما يلتقي التحضير بالفرصة، وينطبق مثلٌ مشابه على القادة الذين يعدّون مؤسساتهم استباقيًّا لتجنب مصائد إعادة الاختراع قبل وصول موجة التغيير القادمة. هل ستكون مستعدًّا عندما تطرق الفرصة بابك؟
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




