مع المنتجات المعقدة مثل السيارات، يُعد التكامل عنصرًا أساسيًّا في الأداء، وهذا يعني أن على المديرين أن يدركوا جيدًا أي الأنشطة والكفاءات يمكنهم الاستعانة بمصادر خارجية فيها بأمان، وأيها ينبغي لهم الاحتفاظ بها داخليًّا.
فرانشيسكو زيربولي، وماركوس سي. بيكر
نحن نعيش في عصر أصبح فيه تفكيك الأعمال هو القاعدة، ففي قطاع تلو الآخر، اتخذ المديرون خطوات مدروسة لتجزئة سلاسل القيمة الخاصة بهم، وتحويل الأنشطة والوظائف المهمة إلى موردين خارجيين. وقد أصبح اتجاه الاستعانة بالمصادر الخارجية (Outsourcing) أكثر وضوحًا خلال تسعينيات القرن العشرين، حين بدأت شركات مثل IBM في الاستعانة بمصادر خارجية ليس فقط في التصنيع، بل أيضًا في أنشطة التصميم، وبلغ هذا الاتجاه ذروته في العقد الماضي، عندما بدأت حتى شركات مثل Boeing بالاستعانة بمصادر خارجية في أنشطة الابتكار. ولكن، ماذا يحدث عندما تصبح الشركات معتمدة اعتمادًا مفرطًا على الموردين الخارجيين، وتمنحهم قدرًا كبيرًا من السيطرة، في حين تفتقر إلى المستوى نفسه من الفهم والإدراك حول كيفية ترابط العناصر الأساسية للمنتج، أو الخدمة وما هو ضروري؟ ومتى ما تخلى المديرون عن أدوات التحكم الداخلية الحيوية، فكيف يمكنهم إعادة تأسيسها من جديد؟
لقد ظهرت هذه الأسئلة خلال مشروع بحثي استمر لعدة سنوات، تناول استراتيجية التوريد المتعلقة بتطوير المنتجات الجديدة في إحدى كبرى شركات صناعة السيارات الأوروبية (انظر: “حول البحث”). في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، كانت الشركة -التي سنطلق عليها اسم ألفا- ترتبط بعلاقات توريد مباشرة مع أكثر من ثلاثة آلاف مورد، معظمهم شركات صغيرة. وكان دور هؤلاء الموردين يقتصر غالبًا على إنتاج المكونات، مع مشاركة محدودة جدًّا في تصميمها، غير أنه في أوائل تسعينيات القرن العشرين، بدأ المديرون بتحويل مزيد من أعمال التصميم والهندسة إلى الموردين، وقد تسارعت وتيرة هذا الاتجاه مع انتشار الإلكترونيات في السيارات، وهو مجال كان يتجاوز قاعدة الكفاءات التقليدية لمصنعي السيارات. ورغم أن جميع الشركات تنقل بعض الأنشطة إلى الموردين الخارجيين، فإن ألفا دفعت بالاستعانة بالمصادر الخارجية إلى أبعد مدى، فبحلول منتصف التسعينيات، بدأت ألفا بالاستعانة بالموردين في تصميم أنظمة كاملة، مثل لوحات القيادة والمقاعد وأنظمة الأمان، وذلك لدى الموردين الذين يمتلكون القدرة على توفير أنظمة متكاملة. (انظر: “تشريح السيارة”).
لقد بدا لكبار المديرين أن الاستعانة بالمصادر الخارجية في أنظمة كاملة -بما في ذلك تصميم تلك الأنظمة- هو الاتجاه الصحيح؛ فقد كانت ترتيبات التوريد المماثلة شائعة بالفعل في صناعات أخرى مثل الحواسيب. ومن خلال تقليل درجة التكامل، كانت إدارة ألفا تأمل في زيادة المرونة (عن طريق إمكانية تغيير الموردين والتقنيات)، وتقليص أوقات التنفيذ (بالاستفادة من الهندسة المتزامنة)، وخفض تكاليف التطوير مع تحسين جودة المنتج (من خلال الاستفادة من خبرة الموردين المتخصصة). ومع استراتيجية الابتكار الشبكي الجديدة، توقعت ألفا بناء علاقات وثيقة مع 350 موردًا من الموردين الرئيسين، معظمهم من موردي الأنظمة، ما سيؤدي إلى تقليص كبير في عدد علاقات سلسلة التوريد المباشرة. ومع وجود موردين مستقلين، سيصبح تنسيق الاستعانة بالمصادر الخارجية أكثر سهولة.
بين عامي 1996م و2001م، شهدت ألفا تغييرات هيكلية لدعم الاستراتيجية الجديدة. ومع الاستعانة بالمصادر الخارجية في أعمال التصميم، انتقل مهندسون ذوو خبرة ممن كانوا يعملون في وحدات ألفا الوظيفية في تصميم أنظمة التعليق ولوحات القيادة والأنظمة الكهربائية، للعمل لدى الموردين. وظلت ألفا تشارك في تحديد الأهداف العامة والمواصفات والإشراف على التكاليف؛ إذ كانت تضع أهداف الأداء الفني للمكونات، وتوفر القيود الفيزيائية، وتقارن التكنولوجيا والتكلفة للحصول على أحدث التقنيات بأفضل الأسعار. ومع ذلك، ومع تقلص فرق الهندسة الداخلية، وافتقارها إلى التحديث بشأن قضايا التصميم والمسائل التقنية المحددة، انتقلت مسؤوليات متزايدة إلى أطراف خارجية. وعلى الرغم من أن المهندسين الداخليين ظلوا يديرون الوظائف الرئيسة (مثل جداول التطوير، والتنسيق الفني، والأداء، والتكاليف)، فإن الموردين الذين باتوا في تزايد، هم من يتولون تجميع مكونات “الصندوق الأسود”، التي تحدد المنتج ككل، وذهب بعض الموردين الأكثر تأثيرًا إلى حدِّ دمج أجزاء كاملة من السيارة.
تأمل في كيفية تصميم وإدارة وتكامل نظام الأمان في السيارة؛ ففي ثمانينيات القرن العشرين، كانت ألفا تصمم أنظمة الأمان داخليًّا، وتستعين بموردين لتوفير مكونات مثل أحزمة الأمان والمكابح، مع تزويدهم بالمواصفات الفنية. وخلال تلك المدة، استمرت الشركة في تحمل مسؤولية تكامل جميع المكونات المشتراة، غير أنه في تسعينيات القرن العشرين، تغيرت مسؤوليات الشركة ومورديها (انظر: “كيف تغيرت سلسلة التوريد لدى ألفا”)، فبدلًا من التعامل مباشرة مع عشرات الموردين الصغار الذين يوفرون مكونات النظام، طلبت ألفا من موردين أكبر توفير أنظمة كاملة، ومن ثم نقلت مسؤولية إدارة وتكامل نظام الأمان من الداخل إلى الخارج.
لم يمض وقت طويل حتى أدركت الإدارة المشكلات المرتبطة بهذا النهج؛ فبنقل هذا القدر الكبير من أعمال تصميم المنتجات الجديدة إلى شركات خارجية (إذ ارتفعت نسبة العمل التصميمي المنفذ خارجيًّا خلال عشر سنوات ما بين 25% و35% إلى 85% من قيمة السيارة، وهي نسبة تفوق معظم المنافسين)، فقدت الشركة سيطرتها على كثير من العناصر التي تؤثر في قرارات التصميم ونتائجها. ففي مرحلة ما قبل التطوير، كان يُبَلورُ مفهوم المركبة واتخاذ القرارات المتعلقة بالمفاضلات في الأداء. غير أنه، في ظل غياب المشاركة المباشرة في عملية تصميم المكونات والهندسة، أصبحت القرارات الجوهرية -مثل شعور نظام التعليق، أو موضع مقابض التحكم في التهوية- في أيدي الموردين، الذين لم يكونوا على دراية بالعملاء أو بتوقعاتهم كما كانت شركة ألفا (Alpha). وفي النظام التصميمي الجديد، لم تعد ألفا تشارك في دمج المكونات الرئيسة، إلا بعد أن تكون أهم القرارات المؤثرة في الأداء قد أصبحت جزءًا أساسيًّا من المنتج، بحيث يصعب، بل ويكلف كثيرًا، التراجع عنها أو تعديلها. وكان إجراء التغييرات في المراحل المتأخرة من العملية أمرًا معقدًا ومكلفًا، كما أن إعادة التصميم كانت تؤدي إلى ارتفاع التكاليف وتأخير إطلاق المنتجات. علاوة على ذلك، فإن هذا الوضع حال دون إمكانية اختبار المنتجات اختبارًا كاملًا، ما أدى في كثير من الأحيان إلى مشكلات في التجميع، أو إلى استدعاء المنتجات.
وبحلول عام 2005م، أدركت الإدارة العليا أن تعميق الاستعانة بمصادر خارجية في عملية تطوير المنتجات قد غيّر تغييرًا جذريًّا الجوهر التقني للشركة. وكما أوضح مدير مفاهيم المركبات والتكامل في ألفا، كان هناك “نقص كبير في الكفاءة التكنولوجية في المجالات الأساسية، وفي طريقة تفسيرنا لتكامل الأنظمة”، ومع هذا الإدراك، بدأت الإدارة بإعادة النظر في نهجها تجاه الاستعانة بمصادر خارجية، وتقليل حجم أعمال التصميم المنقولة إلى الخارج.
تحديد المشكلة
كيف عرّفت الإدارة المشكلة؟ هل رأى المديرون أن هناك مشكلة جوهرية في الطريقة التي قوّض بها التطوير الرشيق (lean development) كفاءات الشركة وقاعدتها المعرفية؟ أو عدّوها مجرد حالة من سوء تنفيذ استراتيجية تصميم المنتجات الخاصة بالشركة؟ وخلال مقابلاتنا مع المديرين، علمنا بعدة قضايا رئيسة، رأوا أنها تؤثر سلبًا في قدرة ألفا على إدارة تطوير المنتجات الجديدة بفعالية.
لاحظ المديرون أن دمج الأنظمة كان صعبًا دون وجود معرفة معمقة بالتقنيات الكامنة وراء كل نظام.
كان التنقل بين الأهداف التقنية والمالية والأدائية المتنوعة وتحقيق التوازن بينها، يمثل مفاضلات كبيرة يصعب حسمها في الوقت ذاته. وأدرك المهندسون أن هذه المفاضلات يصعب حلها دون معرفة معمقة بالتقنيات التي تقوم عليها الأنظمة المكونة للسيارة.
ونظرًا لتقليص أعداد الموظفين داخليًّا وضعف قدرة المهندسين على متابعة التطورات التقنية المتخصصة، أشار المديرون إلى أن ألفا لم يكن أمامها خيار سوى الاعتماد بشكل أكبر على الموردين الخارجيين في مرحلة ما قبل التطوير، وقد زرع ذلك بذور المشكلات في المراحل اللاحقة من عملية تطوير المنتج.
هناك فرق مهم بين دمج الأنظمة الفيزيائية ودمج أداء هذه الأنظمة. وعلاوة على ذلك، فإن المعرفة الخاصة بالمكونات أمر حاسم في القدرة على دمج الأنظمة وأدائها، كما أن التعلم بالممارسة يمثل مفتاح الحفاظ على هذه المعرفة المتخصصة بالمكونات.
ولفهم كيفية بناء استراتيجيات فعالة للابتكار الشبكي، درسنا التوازن بين امتلاك معرفة كافية داخلية بالهندسة المعمارية والمعرفة المتخصصة بالمكونات لتصميم نماذج جديدة، وبين الاستعانة بمصادر خارجية عبر توظيف مصادر الابتكار الخارجية. إن القدرة على تحقيق هذا التوازن -أي معرفة أنواع الأنشطة والكفاءات التي يمكن للشركات تفويضها للموردين، وتلك التي يجب الاحتفاظ بها داخليًّا- لها آثار استراتيجية بالغة الأهمية في الشركات التي تصمم وتنتج منتجات معقدة.
الأنظمة الفيزيائية مقابل أداء الأنظمة
تصمم السيارات لتحقيق مستويات معينة من الأداء في مجالات مثل السلامة، والتحكم، واستهلاك الوقود، والضجيج. وتتكون الأنظمة المختلفة من أجزاء ومكونات متعددة، غير أن التقييمات المتعلقة بالأداء تتركز على كيفية تفاعل الأنظمة بعضها مع بعض. فعلى سبيل المثال، يضم نظام السلامة في المركبة المكابح وأحزمة الأمان والوسائد الهوائية. ومع ذلك، ففي حالة التصادم، يمكن لعناصر أخرى عديدة -بما في ذلك تصميم المحرك أو موضعه أو تكوين الهيكل- أن تؤثر في ما يحدث. وهناك مشكلة أخرى في تحليل الأداء، هي أن كثيرًا من العوامل مثل السرعة، والضجيج، والاهتزاز، مترابطة فيما بينها. ونتيجة لذلك، توجد حدود لمدى إمكانية تحديد إسهام كل مكون أو نظام منفرد في الأداء الكلي للمركبة.
إن إدارة الترابطات التقنية بين المكونات الفردية تطرح تحديات أمام الأداء العام للمنتج؛ إذ يتعين على المهندسين إجراء مفاضلات (مثلًا، بين الأداء التقني للمكون وتكلفته)، لكن الطبيعة الدقيقة لهذه الترابطات ليست دائمًا معروفة أو قابلة للتنبؤ. ولكي يتمكن المهندسون من إجراء مثل هذه المفاضلات المستندة إلى الأداء بكفاءة، لا يكفي أن تكون لديهم معرفة على مستوى الأنظمة فقط، بل يحتاجون أيضًا إلى فهم المكونات، وهو ما فقده كثير من مهندسي ألفا مع تناقص فرص التعلم بالممارسة. وقد أثار ذلك أسئلة مهمة حول المتطلبات الأساسية لإجراء المفاضلات في الأداء، وكيف ينبغي تنظيم الشركات. وقد وجدنا أن هناك عدة عوامل تسهم في تحقيق النجاح.
تطوير المعرفة الخاصة بالمكونات
ليس كافيًا أن يكون المرء مطلعًا على نحو عام على المفاضلات التقنية الرئيسة، التي ينطوي عليها تصميم المكونات والأنظمة الفرعية عند اتخاذ قرارات مفاضلة الأداء، بل يحتاج المديرون إلى معرفة مفصلة وفهم دقيق لكيفية تفاعل الأنظمة الفرعية داخل المنتجات لتحقيق نتائج مختلفة. ويُطلق أحيانًا على هذه المعرفة اسم “المعرفة المعمارية” (architectural knowledge). ومن أبرز المشكلات التي واجهتها شركة ألفا (Alpha)، كانت صعوبة تحديد المتطلبات الوظيفية العابرة للأنظمة، التي نشأت من نقص معرفتها بالمكونات الأساسية. وقد أظهرت أبحاث سابقة أن الإلمام بالمكونات الأساسية أمر جوهري لتحديد نتائج المفاضلات المختلفة، واتخاذ أفضل القرارات المتعلقة بالأداء الكلي للمنتج.
تُعد المعرفة الخاصة بالمكونات حجر الزاوية في المعرفة المعمارية، وتؤدي دورًا أساسيًّا في تحديد أداء المنتجات المعقدة. وقد درس الباحثون إلى أي مدى يمكن للمنظمات أن تحقق مستوى الفهم اللازم للمكونات التي تشكل الأنظمة عبر وسائل غير مباشرة مثل نقاط الاستماع، والهندسة الظلية (shadow engineering)، والتجاور المكاني (co-location)، أو المراقبة الدقيقة للتطورات التقنية (من خلال المؤتمرات العلمية، والمجلات، واجتماعات الصناعة، وغيرها). ورغم أن هذه الأساليب قد تكون مفيدة، فإنها غير كافية لتوفير المستوى العالي من الفهم الذي يمكّن المديرين من إجراء مفاضلات أداء تفصيلية.
تدعم أبحاثنا الرأي القائل إن المعرفة الخاصة بالمكونات تُعد لبنة أساسية تُكمل وتقوّي المعرفة المعمارية لدى الشركة. ومن دونها، أخفقت ألفا في تطوير قدرات تكامل الأنظمة التي تُمكّنها من العمل بنجاح مع الموردين الخارجيين. وعند النظر في نهاية المطاف، فإن هذه المعرفة تُكتسب على أفضل وجه من خلال الانغماس في تفاصيل أعمال تطوير المكونات، ما يتيح فرص التعلم بالممارسة.
ممارسة “التعلم بالممارسة”
لا تظهر مشكلات تكامل الأداء دائمًا على الفور. فعندما بدأت ألفا تنفيذ استراتيجيتها في الاستعانة بمصادر خارجية، كان لدى المهندسين آنذاك معرفة عميقة وواسعة بالأنظمة الأساسية، وكانوا قادرين على توجيه أعمال الهندسة لدى الموردين، غير أنه مع غياب فرص التعلم الجديدة، تدهورت كفاءاتهم المتعلقة بتصميم الأنظمة والمكونات تدهورًا حادًّا خلال السنوات التالية. حاولت الشركة تعويض فقدان فرص التعلم، في المقام الأول عبر التجاور المكاني. فعلى سبيل المثال، خلال مرحلة ما قبل التطوير، دُعِيَ موردو الأنظمة الرئيسة مثل أنظمة السلامة، ولوحات العدادات، وأنظمة المقاعد، إلى تجاور مهندسيهم مع مرافق التصميم والهندسة لدى ألفا، وكان الهدف تشجيع التواصل والتعاون وتعزيز نقل المعرفة قدر الإمكان في وقت مبكر من دورة التطوير. وعلى الرغم من هذه الجهود، تراجعت قدرة المهندسين على البقاء في صدارة عملية التصميم، فبدلًا من العمل “مباشرة” جنبًا إلى جنب مع الموردين في حل مشكلات التصميم والهندسة، أصبحوا يؤدون دور المشرفين أكثر؛ فيحددون المواصفات ويديرون الجداول الزمنية. إن فصل مهندسي ألفا عن كل من التصميم الأساسي للمكونات وعن فرص التعلم بالممارسة، أضعف قدرتهم على اتخاذ قرارات سليمة تؤثر في نهاية المطاف في أداء المركبة.
تدعم هذه التجربة الرأي القائل: إن التفاصيل التشغيلية والاستراتيجية متكاملة تكاملًا وثيقًا. وتؤكد بشكل خاص أهمية التعلم بالممارسة كرافعة رئيسية لاكتساب المعرفة التفصيلية اللازمة، والحفاظ عليها عند تحديد مفاضلات الأداء. أما الأساليب الأخرى مثل التجاور المكاني، فليست بديلًا كافيًا.
اعتماد آليات للتجديد التقني
وبما أن المعرفة الخاصة بالمكونات ضرورية، وأفضل وسيلة لاكتسابها والبقاء على اطلاع بها هي التعلم بالممارسة، يتعين على الشركات أن تجد وسائل لتحديد أي المعارف وأعمال التطوير ينبغي أن تبقى داخل الشركة، وقد أظهرت أبحاثنا في صناعة السيارات معيارين ينبغي أن تطبقهما الشركات لتحديد ما يجب الاحتفاظ به: (١) العناصر التي لها تأثير مباشر في الأداء الرئيس للمنتج. (٢) العناصر التي تتمتع بدرجة عالية من الترابط المتبادل مع التقنيات التي تسهم في تحديد الأداء الكلي للمنتج. أما المعيار الأول، فيشير إلى مدى صلة مكون أو نظام فرعي بأداء رئيس للمنتج. فعلى سبيل المثال، يُعد “التحكم” عنصرا حاسمًا في أداء سيارة رياضية. وبالنظر إلى المعيار الأول، سترغب شركة السيارات في تطوير والحفاظ على معرفة عميقة داخل الشركة حول المكونات والأنظمة التي تؤثر تأثيرًا كبيرًا في التحكم. ومن دون هذه المعرفة، يصبح تطوير منتج جذاب أمرًا صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا. ويشير ذلك إلى أن الشركة المصنعة للسيارات ينبغي أن تركز على جميع الأنظمة الفرعية التي لها تأثير كبير في التحكم (مثل نظام التوجيه، ونظام التعليق، وما إلى ذلك).
المعيار الثاني يُشير إلى ضرورة الانتباه إلى أمر مختلف: وهو إذا كانت المعرفة الخاصة بمكوّن معيّن، التي تُعدّ أساسية لتحقيق أداء معيّن، ترتبط بمكوّن أو نظام فرعي شديد الاعتماد المتبادل مع بقية أجزاء المركبة. لنأخذ مثالنا السابق عن نظام السلامة. ففي حالة التصادم الأمامي، يعتمد أداء نظام السلامة في حماية الركاب على تصميم الأنظمة الفرعية المختلفة لنظام السلامة (بما في ذلك أحزمة الأمان، وأنظمة الكبح، ونظام منع انغلاق المكابح [anti-lock brake system])، وكيفية تفاعلها معًا. وتشمل العوامل الأخرى كيفية امتصاص المحرك للصدمات، وتصميم مقدمة السيارة، ومادة وتصميم لوحة القيادة، وهي عناصر ليست جزءًا من نظام السلامة ذاته. في الحالات التي يكون فيها الاعتماد المتبادل مرتفعًا، ويكون الأداء المتأثر بالمكوّن أو النظام ذا أهمية كبيرة للعملاء (أي حينما يتحقق المعيار الأول)، قد ترغب الشركة في استعادة أكبر قدر ممكن من المعرفة من المورّدين بسرعة. أما في الحالات التي يكون فيها الاعتماد المتبادل منخفضًا، فيمكن بسهولة الاستعانة بمصادر خارجية للمكوّنات ودمجها لاحقًا.
تنظيم التعلم
كيف يمكن للشركة أن تنظّم نفسها للحفاظ على المعرفة الخاصة بالمكوّنات وفرص التعلم، من أجل تقديم منتجات مبتكرة تُرضي توقُّع العملاء؟ أشارت أبحاثنا في شركة ألفا (Alpha) إلى بعض الإرشادات التنظيمية المهمة. أولًا، تحتاج الشركات إلى تنظيم نفسها، بحيث تستطيع تطوير وصيانة وإعادة تأسيس الكفاءات التي حُدِّدت أعلاه. ثانيًا، لا يكفي إعادة تأسيس المعرفة الخاصة بالمكوّنات والاستثمار في جمع الأنظمة والمكوّنات المادية؛ فمن أجل تحقيق معايير أداء عالية للمنتج ككل، تحتاج الشركات أيضًا إلى القدرة على إجراء التجارب والاختبارات، وتوظيف أسلوب المحاولة والخطأ عبر المنتج بأكمله. ومن دون هذه القدرة، لا توجد ضمانات بأن الاعتماد المتبادل بين أداء الأنظمة والمكوّنات الفردية، سيُتعاملُ معه تعاملًا كافيًا. ومع ذلك، لا يمكن إجراء التجارب والاختبارات بصورة عشوائية، بل يجب أن تكون منظمة تنظيمًا جيدًا. ومن بين استجابات شركة ألفا (Alpha)، كانت زيادة عدد الموظفين ذوي المهارات مثل المحاكاة الافتراضية (virtual simulation)، التي عدّت مهمة لمرحلة ما قبل التطوير. وقد عززت هذه المهارات الكفاءة من خلال تمكين المهندسين من تمثيل الأداء، دون الحاجة إلى بناء نماذج أولية باهظة التكلفة.
ينبغي الاعتراف بأن تكامل الأداء يُعدّ مهمة تنظيمية حاسمة، يجب أن تكون جزءًا من هيكل الشركة. وكما أشار باحثون آخرون، فإن ذلك يتطلب موارد وتكليف شخص ما بالمسؤولية لضمان تحقيقه. ومع ذلك، هناك عنصر استراتيجي آخر مهم يتعلق بالتوقيت: متى تحدث التدخلات التصميمية؟ فعلى سبيل المثال، في صناعة السيارات، زاد عدد الاعتماديات المتبادلة كلما تقدم مسار التصميم وثُبِّتَت المواصفات. وكلما أمكن إجراء التدخلات في وقت أبكر، كانت تغييرات التصميم أقل إرباكًا وتكلفة. والمثالي، بالتأكيد، هو تصميم المنتجات تصميمًا صحيحًا من المرة الأولى. ومع ذلك، وبقدر ما يكون ذلك غير واقعي، فإن القدرة على إدارة التجارب ستسمح بتكامل أداء أفضل وأكثر كفاءة.
ومن المثير للاهتمام، أن تجربة شركة ألفا (Alpha) تظهر أيضًا أن إدارة الاستعانة بمصادر خارجية (outsourcing) بالاعتماد على تقسيم المنتج إلى وحدات (modularization)، قد تنطوي على عيوب جوهرية. فقد يكون الهيكل المعياري للمنتج (modular product architecture) منطقيًّا من حيث التكامل المادي، لكنه غير كافٍ لمعالجة قضايا الأداء.
إن التركيز على أداء المنتج ككل، يدفع الشركات إلى بناء وصيانة كفاءات كافية لحل التوازنات الحرجة في الأداء. وهذا يعني أن على المنظمات إدارة وصيانة المعرفة الصحيحة الخاصة بالمكوّنات. أما الحجة الاقتصادية -التي تقول إن الاستعانة بمصادر خارجية في التصميم والهندسة توفر وفورات في التكاليف وزيادة الكفاءة- فيمكن أن تُقابل بأخذ اعتبارات استراتيجية أخرى في الحسبان. ويجب اتخاذ قرارات بشأن أي المهام التصميمية التي ينبغي الاستعانة فيها بمورّدين وأيها ينبغي الاحتفاظ بها داخليًّا، من خلال النظر إلى الصورة الكاملة، وليس فقط إلى التكاليف والكفاءة على المدى القصير. وبمجرد تحديد الكفاءات الحاسمة، تصبح المهمة الأساسية في إدارة الابتكار هي تطويرها وصيانتها بشكل ملائم.
المراجع
1. A. Takeishi, “Bridging Inter- and Intra-Firm Boundaries: Management of Supplier Involvement in Automobile Product Development,” Strategic Management Journal 22, no. 5 (2001): 403-433.
2. كان من النتائج المركزية للأبحاث في صناعة السيارات إدراك الدور الأساسي للمعرفة الخاصة بالمكونات في تصميم الأنظمة الأكبر. ومن المثير للاهتمام أن نفس الاستنتاج توصلت إليه أيضًا الأبحاث حول الابتكار في صناعة القصص المصورة. ففي هذه الصناعة، وجد تايلور وجريف أن دمج المعرفة يتطلب فهماً عميقاً للمعرفة، وليس مجرد مسح للمعلومات أو التعرض لها. وتشير أبحاثهم إلى سبب قد يجعل الهندسة الظلية، ومواقع الاستماع، ومراقبة التقدم التكنولوجي غير كافية للحفاظ على المعرفة الخاصة بالمكونات في طليعة التطور. انظر:
See A. Takeishi, “Knowledge Partitioning in the Interfirm Division of Labor: The Case of Automotive Product Development,” Organization Science 13, no. 3 (2002): 321–338; Takeishi, “Bridging Inter- and Intra-Firm Boundaries”; and A. Taylor and H. Greve, “Superman or the Fantastic Four? Knowledge Combination and Experience in Innovative Teams,” Academy of Management Journal 49, no. 4 (2006): 723–740.
3. Takeishi, “Knowledge Partitioning.”
4. R. Lamming, “Beyond Partnership” (London: Prentice Hall Europe, 1993); and W.M. Cohen and D.A. Levinthal, “Absorptive Capacity: A New Perspective on Learning and Innovation,” Administrative Science Quarterly 35, no. 1 (1990): 128-152.
5. حددت أبحاث سابقة معيارًا إضافيًا يجب على الشركات أخذه في الاعتبار عند اتخاذ قرارات بشأن ما يجب الاحتفاظ به. يتعلق هذا المعيار بـ “الحداثة” التكنولوجية، وهو أمر بالغ الأهمية خاصة في المجالات المتقدمة تكنولوجيًا حيث يكون تكامل أداء المنتج معقدًا، وحيث تؤثر بنية المنتج وحدود الشركة على بعضها البعض. في مثل هذه الحالات (على سبيل المثال، المنتجات التي تستخدم أنظمة دفع جديدة)، يمكن أن يكون امتلاك مستوى أعلى من المعرفة الخاصة بالمكونات أمرًا استراتيجيًا بالغ الأهمية. ويُعد نجاح شركة تويوتا موتور كوربوريشن في الاستفادة من محركاتها الهجينة الكهربائية والبنزين في طراز بريوس ونماذج أخرى مثالًا جيدًا على ذلك. انظر:
Takeishi, “Knowledge Partitioning”; and S.K. Fixson, Y. Ro and J.K. Liker, “Modularisation and Outsourcing: Who Drives Whom? A Study of Generational Sequences in the U.S. Automotive Cockpit Industry,” International Journal of Automotive Technology and Management 5, no. 2 (2005): 166-183.
6. G. Gavetti and D. Levinthal, “Looking Forward and Looking Backward: Cognitive and Experiential Search,” Administrative Science Quarterly 45, no. 1 (2000): 113-137; and G.P. Pisano, “Knowledge, Integration, and the Locus of Learning: An Empirical Analysis of Process Development,” Strategic Management Journal 15, no. S1 (1994): 85-100.
7. استجابةً للتحديات، بدأ مديرو شركة ألفا في البحث عن طرق للابتعاد عن استراتيجية التوريد “الصندوق الأسود”. وقد فعلوا ذلك جزئيًا من خلال زيادة عدد الأشخاص الداخليين الذين يمتلكون مهارات مثل المحاكاة الافتراضية والتي اعتُبرت مهمة لمرحلة ما قبل التطوير. وقد اعتُبر أن هذه المهارات تعزز الكفاءة في أنشطة ما قبل التطوير من خلال تمكين المهندسين من تمثيل الأداء دون الحاجة إلى بناء نماذج أولية مكلفة.
8. S. Brusoni and A. Prencipe, “Making Design Rules: A Multidomain Perspective,” Organization Science 17, no. 2 (2006): 179-189.
9. S. Thomke and T. Fujimoto, “The Effect of ‘Front-Loading’ Problem-Solving on Product Development Performance,” Journal of Product Innovation Management 17, no. 2 (2000): 128-142.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




