ترجمة: سلطان البقمي
دونالد سول، وتشارلز سول، وويليام سيبولي، وكايو بريغينتي.
تحديد عناصر الثقافة السامة داخل المنظمة يساعد القادة في التركيز على معالجة المشكلات التي تؤدي إلى تراجع التزام الموظفين واستقالتهم. كما أشرنا في مقال حديث، تُعد الثقافة السامة العامل الأكثر تأثيرًا على معدلات الاستقالات خلال الأشهر الستة الأولى من “الاستقالات الكبرى”، إذ كان تأثيرها يفوق تقييم الموظفين لرواتبهم بعشر مرات في التنبؤ بمعدل دورانهم.
فالعلاقة بين السمّية ومعدل الاستقالات ليست بالأمر الجديد؛ إذ تشير بعض التقديرات إلى أن الاستقالات الناتجة عن ثقافة سامة كانت تكلف أصحاب العمل في الولايات المتحدة نحو 50 مليار دولار سنويًّا قبل بداية ظاهرة “الاستقالات الكبرى”.
بينما يتفق الجميع تقريبًا على أن بيئات العمل السامة أمر سلبي، إلا أن الآراء تختلف بشكل كبير حول العوامل التي تجعل الثقافة سامة بدلًا من أن تكون مزعجة فقط. قدم الباحثون تعريفات متعددة، وأحيانًا متناقضة للثقافة السامة، وعند مراجعة سريعة للمقالات والمدونات الإدارية، نجد العديد من مؤشرات التحذير للثقافة السامة، لكن هذه المؤشرات لا تظهر بشكل متكرر. ففي تقييمات موقع “غلاس دوور[1]“، ينتقد الموظفون ثقافات شركاتهم بسبب مئات العيوب، مثل تجنب المخاطر، والبيروقراطية المفرطة، والعزلة، والشعور باللامبالاة، وغيرها من المشكلات.
يشتكي الموظفون من العديد من القضايا، لكن أي جوانب من الثقافة هي السامة حقًّا لدرجة أنها تستحق هذا التصنيف؟ قد تكون الشكوى من ثقافة قديمة أو بيروقراطية مفرطة، ولكن هل هذا يكفي ليجعلنا نشعر بالقلق عند الوصول إلى العمل كل صباح؟ كيف يمكننا التمييز بين ثقافة سلبية بما يكفي لتُعد سامة، وأخرى تكون مجرد مزعجة؟
تحديد العناصر التي تجعل الثقافة سامة هو الخطوة الأولى لتحسينها. سيبدد القادة جهودهم واهتمامهم إذا حاولوا تحسين كل جانب من جوانب الثقافة المؤسسية التي يجدها بعض الموظفين مزعجة، وبدلًا من ذلك، يجب عليهم التركيز على معالجة القضايا الأساسية التي تسبب أكبر قدر من الألم للموظفين وتدفعهم إلى الانفصال عن العمل، والتحدث بشكل سلبي عن صاحب العمل، والاستقالة.
ولفهم ما الذي يجعل الثقافة سامة، قمنا بتحليل اللغة التي يستخدمها الموظفون في وصف منظمتهم. فعند كتابة تقييم على موقع “غلاس دوور”، يقيم الموظفون الثقافة المؤسسية على مقياس من 5 نقاط، كما يذكرون مزايا وعيوب صاحب العمل.
المواضيع التي يختار الموظفون الكتابة عنها تكشف العوامل الأكثر أهمية بالنسبة لهم. فمن خلال تحليل العلاقة بين كيفية وصفهم لصاحب العمل وكيفية تقييمهم لثقافته، تمكنا من تسليط الضوء على العوامل الثقافية التي تعد أفضل مؤشرات للثقافة السامة. قمنا بدراسة أكثر من 1.3 مليون تقييم على موقع “غلاس دوور” من موظفي الشركات المدرجة في قائمة “كلتشر 500[2]” في الولايات المتحدة، وهي عينة تمثل المنظمات الكبيرة من 40 صناعة مختلفة. وفي تحليل سابق لبيانات ” كلتشر 500″، ركزنا على المواضيع التي تتنبأ بشكل أفضل بتقييم الثقافة العامة للشركة استنادًا إلى متوسط تقييمات جميع الموظفين في تلك المنظمة. يعد قياس ثقافة الشركة على المستوى الكلي وسيلة فاعلة لتحديد العوامل التي تهم العديد من الموظفين، مثل الفوائد، والمزايا، وأمن الوظيفة. ومع ذلك، قد يؤدي التركيز على القيم المتوسطة على مستوى الشركة إلى تجاهل عناصر الثقافة السامة التي تكون ذات أهمية كبيرة بالنسبة لنسبة صغيرة من القوى العاملة، لذلك، في هذه الدراسة، قمنا بتحليل الثقافة على المستوى الفردي.
السّمات الخمس السامة:
خمس سمات: عدم الاحترام، وعدم الشمولية، غير اخلاقي، والمنافسة الشرسة، والإساءة، لها أكبر تأثير سلبي على كيفية تقييم الموظفين لثقافة شركتهم في تقييمات “غلاس دوور”. ويمثل كل شريط التأثير الهامشي الذي يحدثه ذكر سلبي لموضوع ما على تقييم الموظف لثقافة منظمته.
على سبيل المثال، إذا ذكر الموظف في تقييمه أنه يشعر بعدم الاحترام، فإن تقييمه للثقافة سيكون أقل بمقدار 0.66 نقطة على مقياس من 5 نقاط، مع بقاء باقي العوامل على حالها.
للتعرف إلى العوامل التي تجعل الثقافة سامة بالنسبة للموظفين، قمنا بالتركيز على تعليقاتهم السلبية، واستخدمنا منصة تحليل النصوص التي طورتها كلتشر إكس [3]لتحديد المواضيع التي ناقشها كل موظف بشكل سلبي.
(تم قياس 128 موضوعًا بشكل إجمالي) بعد ذلك، قمنا بتحليل المواضيع التي تم ذكرها لتحديد أي منها كان له أكبر تأثير سلبي على تقييم الموظفين للثقافة المؤسسية باستخدام مقياس من 5 نقاط.
السمات الخمس السامة للثقافة
قمنا بتجميع العناصر ذات الصلة الوثيقة في مواضيع أوسع وحددنا ما نسميه السمات الخمس السامة -وهي: عدم الاحترام، وقلة الشمولية، والسلوك غير الأخلاقي، والمنافسة الشرسة، والإساءة-التي تسمم الثقافة المؤسسية في أعين الموظفين (انظر “السمات الخمس السامة”).
مانة
على الرغم من أن الثقافة التنظيمية قد تخيب آمال الموظفين بطرق عديدة، فإنّ هذه العناصر الخمسة لها التأثير السلبي الأكبر على كيفية تقييم الموظفين لثقافتهم المؤسسية، وقد أسهمت إلى حد كبير في تسريح الموظفين خلال فترة الاستقالة الكبرى.
عدم الشمولية:
سبعة من أصل أقوى عشرين عاملًا مؤثرًا في تقييم الثقافة السلبية تتعلق بكيفية تشجيع شركات كلتشر 500 على تمثيل مجموعات متنوعة من الموظفين، وما إذا كانوا يُعاملون بعدل، ويشعرون بالترحيب، ويُشملون في اتخاذ القرارات الرئيسية. بشكل جماعي، يُعد هذا التجمع من المواضيع أقوى عامل في تحديد ما إذا كان الموظفون يرون ثقافة المنظمة سامة.
يتناول تقييم منصة كلتشر إكس لما إذا كانت المنظمات توفر بيئة عادلة وشاملة لمجموعات ديموغرافية معينة خمسة مواضيع، هي: الجنس، والعرق، والهوية الجنسية والميول الجنسي، والإعاقة، والعمر. وتُعدّ جميع هذه المواضيع المرتبطة بالهوية من أقوى المؤشرات على وجود ثقافة سامة، حيث تصنف ضمن أعلى عشر نسب في هذا المجال. على سبيل المثال، إذا عبّر موظف بشكل سلبي في تقييمه عن طريقة تعامل المنظمة مع أفراد مجتمع الميم، فإن تصنيف الثقافة الخاص بالمنظمة سيكون أقل بمقدار 0.65 نقطة على مقياس من 5 نقاط في المتوسط. هناك أيضًا موضوعان آخران يتناولان التعليقات المتعلقة بالاستبعاد، والتي قد تكون مرتبطة أو غير مرتبطة بهوية الفرد أو خصائصه الديموغرافية؛ فموضوع المحسوبية يتضمن التعليقات المتعلقة بالوساطة والمحسوبية من قبل المديرين: على سبيل المثال، عندما يروجون لأصدقائهم أو خريجي الكلية نفسها بدلًا من المرشحين الأكثر تأهيلًا. أما موضوع الثقافة غير الشاملة بشكل عام، فيتضمن المراجعات التي تحتوي على مصطلحات مثل “جماعات مغلقة”، أو “اندية خاصة”، أو “جماعات مهيمنة” التي تشير إلى أن بعض الموظفين يتم استبعادهم دون تحديد السبب. ولم تظهر أي من مواضيع التنوع والمساواة والشمولية بين أهم العوامل التي تؤثر في الثقافة العامة للشركة في تحليلنا السابق باستخدام تقييمات الموظفين الجماعية.
يُبرز هذا الغياب خطر قياس ثقافة الشركات بشكل حصري باستخدام المقاييس الإجمالية. فإذا ركز القادة على التقييمات المتوسطة لثقافة الشركة بين الموظفين، فقد يفوتهم التعرف إلى المشكلات التي تؤثر في عدد صغير من الموظفين بشكل عميق. على سبيل المثال، يتم ذكر الاحترام في التقييمات أكثر بثلاثين مرة من المساواة بالنسبة لمجتمع الميم، لكن كلا الموضوعين لهما التأثير نفسه على رؤية الموظف للثقافة عندما يتم التطرق إليهما بشكل سلبي في التقييمات.
عدم الاحترام:
الشعور بعدم الاحترام في العمل له أكبر تأثير سلبي على التقييم العام للموظف لثقافة الشركة من أي موضوع آخر.
ومن المدهش أن ذكر عدم الاحترام له تأثير سلبي أقوى قليلًا على تقييم الثقافة مقارنة عندما يصف الموظف ثقافتهم بأنها سامة بشكل صريح (أو يستخدم مصطلحات سلبية للغاية مثل “ديستوبيا[4]“، أو “كارثة”، أو “محطم للأرواح”).
في بحثنا السابق، اكتشفنا أن الاحترام -أو عدمه- كان العامل الأهم في تحديد كيفية تقييم الموظفين لثقافة الشركة بشكل عام، إذ تُظهر هذه التحليلات الإضافية أنه سواء تم تحليل الثقافة على مستوى الموظف الفردي أو بشكل عام على مستوى المنظمة، فإن الاحترام تجاه الموظفين يتصدر قائمة العناصر الثقافية الأكثر أهمية.
غير أخلاقي:
أكثر المصطلحات شيوعًا في التقييمات التي تم تصنيفها تحت هذا الموضوع تشمل: “الأخلاق”، و”النزاهة”، و”غير أخلاقي”، و”مريب”، و”غش”. أما في موضوع مرتبط آخر -وهو عدم الأمانة- فقد وصف الموظفون السلوكيات الخادعة بطرق متعددة مثل “كذب”، و”تضليل”، و”خداع”، و”إعطاء وعود كاذبة”، إلى جانب مصطلحات أخرى التي توحي بتجميل أو تلطيف الحقيقية، مثل “خداع بصري” و”تزيين الكلام”.
يتناول موضوع الامتثال التنظيمي التعليقات التي ناقش فيها الموظفون بشكل صريح فشل صاحب العمل في الالتزام باللوائح المعمول بها. ومن اللوائح التي تتم الإشارة إليها بشكل متكرر هي معايير إدارة السلامة والصحة المهنية، التي تضمن سلامة العمال في أماكن العمل، وقانون قابلية التأمين الصحي والمساءلة، الذي يحمي المعلومات الحساسة للمرضى.
المنافسة الشرسة:
ما يقارب 10% من الموظفين في عينتنا ذكروا تعليقًا يتعلق بالعمل الجماعي أو التعاون في تقييماتهم على موقع غلاس دوور. كان الموظفون يشتكون بشكل متكرر من عدم تعاون زملائهم أو من غياب التنسيق بين الأقسام المختلفة. وعلى الرغم من أن التعليقات حول المشكلات في التنسيق شائعة، فإن تأثيرها على تقييم الموظفين لثقافة الشركة يظل محدودًا للغاية. وهذه الإحباطات العادية لا تعد علامات تحذيرية واضحة على وجود ثقافة سامة. ففي المقابل، عندما تحدث الموظفون عن زملائهم الذين يعملون على تقويض بعضهم بنشاط، كانت تعليقاتهم تتنبأ بشكل قوي بتقييم سلبي للثقافة.
الـ1% من الموظفين الذين ذكروا وجود ثقافة المنافسة الشرسة استخدموا لغة قوية لوصف مكان عملهم، مثل “تنافس شرس” و”دارويني”، وتحدثوا عن زملائهم الذين “يخونون بعضهم بعضًا”، أو “يغدرون ببعضهم”، أو “يعرقلون بعضهم”.
الإساءة :
نحن نعرف الإدارة المسيئة بأنها سلوك عدائي مستمر تجاه الموظفين، بخلاف المدير الذي يمر بيوم سيئ ويعبر عن استيائه تجاه أعضاء الفريق. ذكر نحو ثلث الموظفين شيئًا عن الإدارة في تقييماتهم، ولكن فقط 0.8% منهم وصفوا مديرهم بالإساءة. ومع ذلك، عندما أشار الموظفون إلى وجود مديرين مسيئين، أدى ذلك إلى خفض تقييمهم للثقافة بمقدار 0.50 نقطة في المتوسط. فعندما ينضم الموظفون إلى شركة، يتوقعون أن يجدوا ثقافة شاملة، ومحترمة، وأخلاقية، وتعاونية، وخالية من أي إساءة من قبل أصحاب المناصب العليا. لا تعد هذه العناصر الأساس لثقافة مؤسسية صحية فقط، بل هي أيضًا ما تعهد به الشركات عادة في قيمها الأساسية الرسمية. ففي دراسة سابقة، اكتشفنا أن “النزاهة”؛ التي ذكرتها قرابة ثلثي الشركات، كانت السمة الأكثر تكرارًا في قيم الشركات الأساسية، بينما احتل التعاون المرتبة الثانية، والاحترام المرتبة الرابعة، والتنوع والشمول في المرتبة التاسعة.
فعندما تفشل الثقافة المؤسسية في الوفاء بهذه الالتزامات الأساسية، فإن الموظفين يتفاعلون بشكل طبيعي مع شعور أقوى من الانزعاج أو خيبة الأمل.
التكاليف العالية لثقافة سامة:
من خلال تحديد العناصر الأساسية لثقافة سامة، يمكننا دمج الأبحاث الموجودة حول المواضيع ذات الصلة الوثيقة، بما في ذلك التمييز، والمديرون المسيئون، والسلوك غير الأخلاقي في المنظمات، والظلم في مكان العمل، وقلة اللياقة. تتيح لنا هذه الأبحاث حساب التكلفة الإجمالية لثقافة سامة على الأفراد والمنظمات، والتكلفة، من حيث المعاناة الإنسانية والنفقات المالية، هائلة. تُظهر مجموعة كبيرة من الأبحاث أن العمل في بيئة سامة يرتبط بمستويات مرتفعة من التوتر، والإرهاق، ومشكلات الصحة النفسية، كما أن السمية تؤدي أيضًا إلى الأمراض الجسدية. فعندما يعاني الموظفون من الظلم في مكان العمل، تزداد احتمالات إصابتهم بأمراض مزمنة (بما في ذلك أمراض القلب، والربو، والسكري، والتهاب المفاصل) بنسبة تتراوح بين 35% إلى 55%.
بالإضافة إلى الألم الذي يُفرض على الموظفين، تفرض الثقافة السامة أيضًا تكاليف تتأثر بها المنظمة مباشرة. على سبيل المثال، عندما تتسبب بيئة سامة في مرض العمال، يتحمل صاحب العمل عادةً التكاليف. فمن بين العاملين في الولايات المتحدة الذين يحصلون على مزايا صحية، يدفع ثلثاهم نفقات الرعاية الصحية مباشرة من قبل صاحب العمل. وفقًا لأحد التقديرات، أضافت أماكن العمل السامة 16 مليار دولار إضافية في تكاليف الرعاية الصحية للموظفين في عام 2008م. يلخص تقرير “التكاليف التنظيمية للثقافة السامة” بعض تكاليف الثقافة السامة على المنظمات.
وفقًا لدراسة أجرتها جمعية إدارة الموارد البشرية، ترك 1 من كل 5 موظفين وظيفة في مرحلة ما من حياتهم المهنية بسبب ثقافتها السامة. تتفق هذه الدراسة، التي أُجريت قبل جائحة كورونا، مع نتائجنا التي تشير إلى أن الثقافة السامة هي أفضل مؤشر على أن الشركة ستشهد معدل دوران موظفين أعلى من متوسط الصناعة خلال الأشهر الستة الأولى من “الاستقالة الكبرى”. وتقدر شركة غالوب أن تكلفة استبدال موظف يغادر يمكن أن تصل إلى ضعف راتبه السنوي عندما يتم احتساب جميع النفقات المباشرة وغير المباشرة.
الشركات التي تتمتع بثقافة سامة لن تفقد موظفيها فحسب، بل ستواجه أيضًا صعوبة في تعويضهم بالموظفين الجدد؛ فأكثر من ثلاثة أرباع الباحثين عن عمل يقومون بالتحقق من ثقافة صاحب العمل قبل التقدم للوظيفة، وفي عصر المراجعات الإلكترونية للموظفين، لا يمكن للشركات إخفاء مشكلات ثقافتها لفترة طويلة، والثقافة السامة، كما أوضحنا أعلاه، هي بالتأكيد أقوى مؤشر لتقييم منخفض على موقع غلاس دوور. وإن وجود سمعة سلبية عن صاحب العمل يزيد من صعوبة جذب المرشحين، والتكاليف الأخرى للثقافة السامة من الصعب تحديدها بدقة، لكنها ما زالت تتراكم.
فالموظفون الذين يشعرون بعدم التفاعل الشديد يكونون أقل إنتاجية بنسبة تقارب 20% مقارنة بنظرائهم المتفاعلين، بسبب قلة جهدهم وغيابهم المتكرر عن العمل. وأقرَّ ما يقارب نصف الموظفين الذين شعروا بعدم الاحترام في مكان العمل بتقليل جهدهم والوقت الذي يقضونه في العمل، ثم هناك المخاطر المتعلقة بالسمعة. ومن بين الرؤساء التنفيذيين والمديرين الماليين في الولايات المتحدة الذين شملهم الاستطلاع، اتفق 85% منهم على أن ثقافة الشركة غير الصحية قد تؤدي إلى سلوك غير أخلاقي أو غير قانوني. على سبيل المثال، بعد فضيحة ممارسات البيع الاحتيالية في بنك ويلز فارغو عام 2016م، دفع البنك مليارات الدولارات كغرامات ودعاوى قضائية، وشهدت سمعة الشركة أكبر تراجع في تاريخ استطلاع هاريس للسمعة في عام واحد.
لماذا ينبغي على كل قائد أن يهتم بمخاطر الثقافة السامة؟
قد تعتقد أن الثقافة السامة هي مشكلة تخص الآخرين، مقتصرة على بعض الفشل الكبير في الشركات البارزة مثل ويلز فارغو أو شركة واينستين، وأنها ليست شيئًا يجب على منظمتك القلق بشأنه. حتى في الشركات التي تحصل على أعلى التقييمات على منصة غلاس دوور، قد يشعر مئات أو حتى آلاف الموظفين بأن الثقافة السائدة في مكان العمل سامة. على سبيل المثال، قد يكون لدى النساء أو الأقليات غير الممثلة بشكل كافٍ أو الموظفين الأكبر سنًّا انطباع سلبي عن هذه الثقافة مقارنة بزملائهم الآخرين. ففي العديد من الشركات الكبرى، تتعايش الثقافات المصغرة متميزة داخل المؤسسة نفسها، وعادة ما تظهر في وحدات الأعمال المختلفة، أو الأقسام الوظيفية، أو المناطق الجغرافية، أو بين الشركات المستحوذة. بالإضافة إلى ذلك، يسهم القادة الفرديون في تشكيل ثقافات فرعية داخل فرقهم الممتدة. بغض النظر عن منشئها، قد تختلف الثقافات المصغرة عن الثقافة المؤسسية الشاملة، ما يشير إلى أن حتى أفضل الثقافات المؤسسية قد تتضمن مناطق محددة تعاني من السمية الثقافية.
في مقال قادم، سنعرض خطوات عملية يمكن للقادة اتباعها لتنقية ثقافتهم المؤسسية، ولكن أول خطوة هي الاعتراف بوجود بؤر من السمية حتى في أفضل الثقافات المؤسسية. يجب على القادة التعمق وراء الانقسامات السطحية (مثل الأقسام أو البلدان) لتقييم الثقافة على مستوى القادة الفرديين الذين يخلقون -سواء بشكل إيجابي أم سلبي- ثقافات مصغرة داخل المنظمة ككل. فعند قياس الثقافة المؤسسية، فإن القيم المتوسطة قد تخفي بقدر الكثير بقدر ما توضح.
[1] موقع غلاس دوور هو موقع أمريكي يقوم فيه الموظفون الحاليون والسابقون بمراجعة الشركات دون الكشف عن هويتهم.
[2] مبادرة تعتمد على البيانات أطلقتها مجلة MIT Sloan Management Review بالتعاون مع منصة غلاس دوور، تهدف إلى تقييم وتصنيف الثقافات المؤسسية في أبرز الشركات.
[3] مبادرة بحثية من مختبر الثقافة في كلية هارفارد للأعمال، التي تلعب دورًا حيويًّا في تحليل وتفسير البيانات المستخدمة في كلتشر500.
[4] ديستوبيا (Dystopia): هو مصطلح يُستخدم لوصف مجتمع أو عالم خيالي يتميز بالسوء الشديد والقمع، وغالبًا ما يكون مليئًا بالظلم، والفوضى، والمعاناة الإنسانية
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




