ترجمة: بشائر حدادي
قررت صحيفة “سانت لويس بوست ديسباتش (St. Louis Post-Dispatch) الأمريكية” في سبتمبر من عام 2023م، إخضاع ذكاء اصطناعي للدردشة خاص بشركة مايكروسوفت يُعرف بـ”بينغ”، لاختباره، وأعطته طلبًا محددًا: “اكتب مقالًا افتتاحيًّا للصحيفة يشرح لماذا لا ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة”، وكانت النتيجة مطمئنة لقسم تحرير الصحيفة، إذ قدم محرك البحث للذكاء الاصطناعي حججًا عدة مقنعة تُظهر أنه لا ينبغي للذكاء الاصطناعي أن يكون على صفحات الرأي.
تظن الروبوتات أنه على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي قد تكون له بعض الفوائد، إلا أنه يشكل تهديدًا خطرًا على جودة الصحافة ونزاهتها وأخلاقياتها، وأضاف: “يتمتع الصحفيون بالشغف، والفضول، والإبداع، وهي صفات لا يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاتها”، كما أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخلق محتويات مزيفة عميقة يمكن استخدامها للتشهير، أو الابتزاز، أو التأثير على الرأي العام، وأوضحت الروبوتات أن الذكاء الاصطناعي على عكس البشر، لا يستطيع التمييز بين الصواب والخطأ من الناحية الأخلاقية أو الواقعية ولا يستطيع حماية المصادر أو الالتزام بأي معايير مهنية.
كما شرح المقال كيفية تهديد الذكاء الاصطناعي مصدر رزق الصحفيين، مشيرًا إلى إمكانية أدائه المهام جميعها التي يقوم بها الصحفي تقريبًا، ولكن على نحو أسرع وأرخص وأكثر كفاءة، ومع ذلك أشارت الروبوتات إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه الحلول محل العنصر البشري بأكمله في إعداد التقارير الإخبارية.
وكتب الروبوت: “الصحفيون ليسوا محض مقدمي معلومات فحسب، بل أيضًا رواة قصص، ومعلمون، ومشرفون، ومؤثرون، ولديهم صوت، ووجهة نظر، وهدف، وأيضًا شغف، وفضول، وإبداع، ولا يمكن للذكاء الاصطناعي محاكاة هذه السمات”.
بعد شهر قررت صحيفة “أورلاندو سنتينل” (Orlando Sentinel) تقليد تجربة صحيفة سانت لويس بوست ديسباتش”، ولكن الهدف هذه المرة طرح سؤال على محرك الذكاء الاصطناعي الجديد من جوجل، المعروف باسم بارد (Bard)، وقد تم تعديل السؤال قليلًا ليصبح: “اكتب مقالًا افتتاحيًّا مكونًا من 550 كلمة بصيغة الغائب، يشرح لماذا يجب على صحف فلوريدا أن تحذر من مقالات الرأي التي تكتب باستخدام الذكاء الاصطناعي”، قدّم بارد الإجابة الآتية: “لا يستطيع الذكاء الاصطناعي فهم الفروق الدقيقة في المجتمع البشري أو القضايا المعقدة التي يواجهها، في حين أنه بإمكانه إنشاء نصوص صحيحة من الناحية اللغوية ودقيقة من الناحية الواقعية، لكنه لا يفهم معنى الكلمات التي يستخدمها، كما أنه لا يفهم التأثير العاطفي للكلمات أو العواقب المحتملة لكتاباته”، وتضمنت سلسلة أخرى من الاعتراضات التي قدمها “بارد” ما يأتي:
- عجز الذكاء الاصطناعي عن التمييز بين الصواب والخطأ، فغالبًا ما تتبنى التعليقات الخاصة والمقالات الافتتاحية مواقف بشأن القضايا المثيرة للجدل، فالذكاء الاصطناعي غير قادر على إصدار أحكام أخلاقية، ولا يمكنه التمييز بين الصواب والخطأ أو الخير والشر، ولذلك قد يُنتج الذكاء الاصطناعي مقالات رأي تروج لأفكار ضارة أو غير أخلاقية.
- عدم احترام حقوق وكرامة مصادر الأخبار والموضوعات التي يتناولها التقرير، فالذكاء الاصطناعي لا يدرك أهمية الحفاظ على سرية المصادر أو احترام خصوصية الأفراد، ولذلك قد ينتج تعليقات خاصة ومقالات افتتاحية تؤدي إلى كشف معلومات حساسة أو تشويه سمعة الأفراد.
- عدم التزام المعايير المهنية والأخلاقية التي يتبعها الصحفيون، فالصحفيون يلتزمون القواعد الأخلاقية التي تتطلب منهم الصدق، والعدل، والدقة في تقاريرهم، أما الذكاء الاصطناعي فلا يفهم أهمية هذه المبادئ الأخلاقية، ما يجعله عرضة لإنتاج تعليقات خاصة ومقالات افتتاحية مضللة أو متحيزة أو غير دقيقة.
- لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل الحكم البشري والتعاطف والقيم الأخلاقية التي تعد ضرورية للصحافة الجيدة، فالتعليقات الخاصة والمقالات الافتتاحية لا تقتصر على سرد الحقائق والبيانات، بل تشمل أيضًا تقديم السياق، والتحليل، والشرح، والتعليق، وهذه الأمور لا يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بها.
ستقل طاقة الجذب وكمية المعلومات في التعليقات الخاصة والمقالات الافتتاحية التي تُنتَج باستخدام الذكاء الاصطناعي، فعادةً ما تكون هذه المحتويات مكتوبة من قبل أفراد مفعمين بالحماس، ولديهم معرفة واسعة، ووجهة نظر واضحة، أما الذكاء الاصطناعي فهو محض آلة مبرمجة لإنتاج النصوص، لذلك قد تكون كتاباته مملة وخالية من الأصالة وتفتقر إلى الرؤية الثاقبة.
ومع ذلك كان أداء “بينغ” و”بارد” لافتًا للنظر، فكثير من المعلقين لديهم آراء لا تخرج كثيرًا عن هذا السياق، مثلًا، أشار مدير السياسات في منظمة المناصرة “مشروع المبادئ الأمريكية” (American Principles Project) جون شويب، إلى أن “الذكاء الاصطناعي ليس بشرًا، ولا يمتلك أفكارًا فريدة”، وأضاف: “لا يستطيع الذكاء الاصطناعي إجراء تقارير ميدانية، ولا الكشف عن أخبار لم تُذكر في أماكن أخرى، ولا حتى فهم فكرة كتابة قصة إنسانية”.
استنتج بينغ أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُستخدم في مجال الصحافة، ودعا شركات الإعلام إلى تجنب ذلك، وإلى دعم وتمكين الصحفيين، وأوضح الروبوت الذي كتب عمودًا في صحيفة “سانت لويس بوست ديسباتش” ذلك بقوله: “لا يمكن الاستغناء عن الصحفيين، لأنهم عنصر لا غنى عنه في مجال الصحافة”.
قارن هذا بتصريح شويب: “نظرًا إلى أن الشركات تسعى دائمًا إلى تقليل التكاليف وزيادة الكفاءة إلى أقصى حد، فإن الذكاء الاصطناعي سيحل حتمًا محل كثير من الوظائف الصحفية، ما سيضر بمجال الصحافة ككل، ويحد من قدرة الناس على أن يكونوا مواطنين مطّلعين”.
هنا يكمن جوهر المشكلة، إذ يرى الذكاء الاصطناعي أنه لا ينبغي للروبوتات أن تغزو غرف تحرير الأخبار المعاصرة، لكن غرف التحرير نفسها تنقل الحقوق تدريجيًّا إلى رقائق إلكترونية في كاليفورنيا، لماذا يحدث ذلك إذن؟ إذا اعتمدت المنشورات الرئيسية على أدوات التعلم الآلي للحصول على المحتوى، فكيف يعرف القراء في النهاية أن مؤلف المحتوى الذي يقرؤونه في الواقع إنسان وليس روبوتًا؟ وبالاستمرار على هذا النهج، ما الذي يعنيه الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى مستقبل الصحفيين؟
عقد من التطوير: الأتمتة، التعزيز، والتوليد
من المحتمل أنك قرأت قصة كتبها روبوت خلال العام الماضي سواء كان تقريرًا رياضيًّا، أو تقرير أرباح شركة، أو حتى قصة عن الفائز في انتخابات الكونغرس، فإن المؤلفين الذين يقفون وراءه جميعهم يُعرفون باسم رنان “الذكاء الاصطناعي التوليدي”، حتى وسائل الإعلام المرموقة مثل BuzzFeed، وCNET، وG/O Media، ومجلة Sports Illustrated، عُثر عليها تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، على الرغم من أن النتائج لم تكن دائمًا مرضية.
استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام ليس جديدًا، فقد كانت وسائل الإعلام تحاول مدةً من الزمن استخدام الذكاء الاصطناعي لدعم إنتاج الأخبار ومتابعتها، مثلًا، سبق لوكالات أنباء مثل أسوشيتد برس ورويترز استخدام أدوات كتابة المقالات التلقائية، التي تُنتج تقارير إخبارية بناءً على بيانات رقمية، مثل تقارير الأرباح ونتائج المباريات الرياضية، وقد أعربت أسوشيتد برس بفخر عن كونها “واحدة من أوائل المؤسسات الإعلامية التي استخدمت الذكاء الاصطناعي”، ومن الجدير بالذكر أن المواد المُولَّدة بواسطة أنظمتها كانت تعتمد على ملء الفراغات في قوالب محددة مسبقًا، وتشير الصياغة الأكثر تعقيدًا في التقارير التوليدية لـ CNET إلى أنها تستخدم نموذجًا لغويًّا واسعًا يشبه إلى حد كبير نموذج GPT-3 الخاص بـ OpenAI.
من خلال تتبع تاريخ تطبيقات التكنولوجيا المتطورة على مدى عشر سنوات في غرف الأخبار، يمكننا تقسيم التطورات في الذكاء الاصطناعي إلى ثلاث موجات رئيسية: الأتمتة، التعزيز، والتوليد.
ركزت الموجة الأولى على استخدام تقنيات توليد اللغة الطبيعية لمعالجة الأخبار المستندة إلى البيانات تلقائيًّا، مثل التقارير المالية ونتائج المباريات الرياضية والمؤشرات الاقتصادية، فمثلًا بدأت وكالة الأنباء الرائدة أسوشيتد برس منذ عام 2014م استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد ملخصات تقارير أرباح الشركات المدرجة، ووسّعت لاحقًا نطاق استخدام هذه التقنية لتشمل التوقعات والتقارير الرياضية، ما زاد من حجم المحتوى التلقائي الذي توفره، كما استخدمت الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تفريغ الصوتيات والفيديوهات للأحداث التي تعرض مباشرةً مثل المؤتمرات الصحفية.
ومع ذلك، فإن أنظمة أسوشيتد برس كانت بدائية نسبيًّا، إذ اعتمدت على نحو كبير على قوالب مسبقة يتم ملؤها بمعلومات جديدة، وهذا يوضح أن الذكاء الاصطناعي يناسب على نحو أفضل القصص المستندة إلى بيانات منظمة بشدة، وهذا هو السبب وراء تميزه في التقارير المالية والأخبار الرياضية، ولهذا السبب كانت وكالة بلومبيرغ من أوائل الجهات التي جربت المحتوى الآلي، إذ تحسب البيانات المالية وتنشرها بانتظام، في عام 2018م وحده، استخدم برنامج Cyborg التابع لبلومبيرغ، الذكاء الاصطناعي لنشر آلاف المقالات، محولًا تقارير الأرباح إلى أخبار، تمامًا كما يفعل الصحفيون الاقتصاديون.
تجلب هذه الموجة من التطبيقات كثيرًا من الفوائد إلى غرف الأخبار، وأولها توفير الوقت والموارد، إذ تقدر وكالة أسوشيتد برس أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الصحفيين على توفير 20% تقريبًا من وقتهم حين متابعة أخبار الشركات وتحسين دقتها، ما يتيح لهم التركيز على مضمون القصة وسردها بدلًا من التحقق من المعلومات وإجراء الأبحاث، كما ذكرت الشركة على موقعها الإلكتروني: “قبل استخدام الذكاء الاصطناعي، كان محررونا وصحافيونا يستهلكون موارد هائلة في متابعة تقارير مكررة ومهمة، ولكنها روتينية”، ما كان يشتت تركيزهم عن الأخبار الأكثر تأثيرًا.
ثانيًا: بالإضافة إلى تقليل عبء العمل على الصحفيين، سمح الذكاء الاصطناعي لوكالة أسوشيتد برس إنتاج مزيد من المحتوى المشابه، إذ جعل إنشاء القصص تلقائيًّا عمليات غرفة الأخبار فعالة من حيث التكلفة، لأن الروبوتات يمكنها إنشاء قصص أكثر من البشر، ويظهر أحد الإحصاءات أن وكالة أسوشيتد برس استخدمت الذكاء الاصطناعي لتوسيع متابعة تقارير أرباح الشركات من 300 شركة إلى 4000 شركة.
ثالثًا، لا تحل تقنية الأتمتة محل الصحفيين، ولكنها تقلل جزءًا من عبء العمل عليهم، وفقًا لاستطلاع أجرته أسوشيتد برس عام 2022م، فإن إنشاء الملخصات كان من أكثر أدوات الذكاء الاصطناعي طلبًا، بالإضافة إلى مهام أخرى مثل إضافة البيانات الوصفية للصور والقصص، ونسخ المقابلات ومقاطع الفيديو، وكتابة التسميات التوضيحية المغلقة، وكثير من المهام التي أصبحت بسيطة في عصر الصحافة الرقمية، وهذا يدل على أن الذكاء الاصطناعي أدى دورًا مساعدًا للصحفي بفاعلية.
أما الموجة الثانية فقد جاءت حين تحول التركيز إلى تعزيز إعداد التقارير من خلال تقنيات التعلم الآلي ومعالجة اللغة الطبيعية لتحليل مجموعات البيانات الضخمة والكشف عن الاتجاهات، وتستخدم شركة “تومسون رويترز” منذ عام 2018م برنامجًا داخليًّا يُدعى Lynx Insight لتحليل بيانات السوق وغيرها من المعلومات، والعثور على أنماط القصص التي يغطيها الصحفيون، أما صحيفة “لا ناسيون” الأرجنتينية فقد بدأت عام 2019م باستخدام الذكاء الاصطناعي لدعم فريق البيانات لديها، ثم قامت ببناء مختبر للذكاء الاصطناعي بالتعاون مع محللي ومطوري البيانات.
كما أن بعض الشركات طورت أدوات داخلية لتقييم أعمال الكوادر البشرية، مثل صحيفة “فاينانشال تايمز” التي تستخدم روبوتًا للتحقق مما إذا كانت تقاريرها تستشهد بعدد كبير من آراء الرجال، فيما استخدم الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين الذكاء الاصطناعي لتحليل ملايين الصفحات من الوثائق المالية والقانونية المُسربة، بهدف تحديد التفاصيل التي تستحق نظرة فاحصة من قِبل الصحفيين.
أما صحيفة “واشنطن بوست”، فتستخدم الذكاء الاصطناعي لتخصيص الأخبار وفقًا لاهتمامات وتفضيلات القراء، مثلًا، توفر قسمًا مخصصًا على صفحتها الرئيسية يُسمى “لأجلك” إذ يمكن للمشتركين أو المستخدمين المسجلين تحديد الموضوعات التي يفضلونها، ويتم تعزيز التوصيات على نحو أكبر من خلال سجل القراءة الخاص بالقراء وبيانات الأداء الأخرى.
كما تعتمد “واشنطن بوست” على روبوتها المطور داخليًّا “هيليوغراف” لمتابعة انتخابات الكونغرس وحكام الولايات، ففي عام 2016م أنتج “هيليوغراف” 850 مقالًا تقريبًا، بما في ذلك 500 مقال عن الانتخابات، معظمها كانت متابعات لم يُكلف موظفون بمتابعتها.
يلعب الذكاء الاصطناعي في مرحلة التعزيز دورًا مهمًّا في تسهيل العمل للصحفيين، ويمكن لـ”هيليوغراف” اكتشاف اتجاهات البيانات المالية والضخمة لتزويد الصحفيين بالنصائح اللازمة لإعداد التقارير، وتستخدم مجلة “فوربس” روبوتًا يُدعى بيرتي لتوفير المسودات والنماذج الأولية للتقارير الإخبارية للصحفيين، أما صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” فتستخدم الذكاء الاصطناعي للإبلاغ عن الزلازل استنادًا إلى بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، وتتبُّع المعلومات عن كل جريمة قتل في المدينة، وقد أنشأت صفحة على الإنترنت تُسمى “تقرير جرائم القتل”، تعتمد على روبوت صحفي لتقديم تقارير تتضمن بيانات تفصيلية عن الضحايا مثل الجنس، والعِرق، وسبب الوفاة، وحالة تدخل الشرطة، والموقع الجغرافي، وسنة الوفاة.
أما الموجة الثالثة التي تشهد صعودًا الآن فهي الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي تدعمه نماذج لغوية كبيرة قادرة على إنتاج نصوص سردية على نطاق واسع، ويقدّم هذا التطور الجديد تطبيقات تتجاوز التقارير الآلية البسيطة وتحليل البيانات، مثلًا: يمكن للممارسين الآن طلب كتابة مقالات طويلة ومتوازنة عن موضوع معين، أو وجهات نظر مكتوبة من زاوية محددة (مثل المقالتين الافتتاحيتين للروبوت المذكورتين في بداية هذه المقالة)، بل وحتى كتابة مقالات بأسلوب كاتب أو منشور معروف.
مع ذلك، وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يساعد في جمع المعلومات والتحرير وتقديم بيانات للتقارير، إلَّا أن التكنولوجيا الحالية تفتقر إلى بعض المهارات الأساسية التي تمنعها من لعب دور أكثر أهمية في الصحافة، فهي لا تزال غير قادرة على تلبية رغبة القراء في الحصول على تحليلات أو وصف عميق للموضوعات حين قراءة وسائل الإعلام الإخبارية، كما أن تطبيقه على نطاق واسع أدى أيضًا إلى سلسلة من المشكلات الجديدة.
فخ الذكاء الاصطناعي التوليدي
على الرغم من أن بعض المؤسسات الصحفية تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج تقارير، إلَّا أن هذه النسبة لا تزال محدودة مقارنة بالمقالات التي يكتبها الصحفي، ويمكن أن يُغير الذكاء الاصطناعي التوليدي هذه الخاصية، ما يتيح لأي شخص وليس فقط الصحفيين إنشاء مقالات على نطاق أوسع، ولكن إذا لم يتم تحرير هذه المقالات بدقة ومراجعتها، فإنها قد تُسهم في نشر معلومات مضللة وتؤثر سلبًا على نظرة الناس إلى الصحافة التقليدية.
لم نشهد أمثلة خالية من المشكلات لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في صناعة الصحافة حتى الآن، وهنا مثال يوضح ذلك، إذ أعلنت منصة الأخبار التقنية CNET في أوائل عام 2023م عن تعليق برنامج يستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة القصص بعد أن تبين أن المقالات المنتجة كانت مليئة بالأخطاء والانتهاكات المتعلقة بالسرقة الأدبية.
وفي نهاية شهر يونيو من العام نفسه، أعلنت شركة G/O Media التي تمتلك مواقع مثل Gizmodo وThe Onion وQuartz، عن بدء نشر محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي في كثير من منشوراتها بوصفه جزءًا من اختبار محدود، وفي أول مقال مبني على الذكاء الاصطناعي نشرته Gizmodo، أخطأ “Gizmodo Bot” الخاص بالموقع الهدف تمامًا، وكان المنشور الذي يحمل العنوان “الترتيب الزمني لأفلام ومسلسلات حرب النجوم”، مملوءًا بالأخطاء، ومكتوبًا بأسلوبٍ سيئ.
بالإضافة إلى كونها مكتوبة على نحو سيئ، فمن الواضح أن المقال لم يكن موجهًا إلى القراء بقدر ما كان يهدف إلى خداع خوارزميات محركات البحث لكي تحتل مرتبة أعلى، على الأقل في البداية، وقد أظهر جوجل المقالات التي أنشأها بواسطة روبوت Gizmodo كأفضل نتيجة للبحث عن “أفلام حرب النجوم”، يعد هذا تطورًا محبطًا في كثير من الجوانب، إذ يقوم الروبوت في المقام الأول بكتابة المحتوى للروبوت، في حين يتراجع دور الإنسان تدريجيًّا بوصفه كاتبًا أو قارئًا أو محررًا في هذه العملية.
اكتُشِف في نوفمبر أن مجلة “سبورتس إليستريتد”، التي كان لها الفضل في وضع معايير الصحافة الرياضية، تقوم بإنتاج محتوى تحت توقيعات مزيفة لمؤلفين باستخدام الصور الرمزية التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ما أثار تساؤلًا عن وجوب رسم حدود واضحة بين المحتوى الذي يُنتجه الذكاء الاصطناعي وذلك الذي يُنتجه البشر، ومن الممارسات الشائعة أن تقوم المواقع الإخبارية الكبرى بتصنيف المؤلفين بشكل صريح على أنهم روبوتات، أو يُذكر في نهاية المقال أن النص من تأليف الذكاء الاصطناعي، مثلما تفعل وكالة أسوشيتد برس وصحيفة لوس أنجلوس تايمز، لكن في بداية يناير 2023م، اكتُشف أن موقع “CNET” كان ينشر مقالات مكتوبة بالذكاء الاصطناعي بسرية تحت توقيع مشبوه باسم “CNET Money Staff” ولم يكن القارئ ليكتشف أن هذه المقالات لم يكتبها بشر إلَّا إذا نقر على اسم المؤلف وقرأ الإيضاح المخفي في قائمة منسدلة صغيرة، لقد كانت هذه طريقة مخادعة جدًّا من قبل علامة تجارية معروفة مثل هذه.
أما في مجلة “سبورتس إليستريتد”، فلم يتم تضمين أي إفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في المقالات المكتوبة بواسطة المؤلفين الوهميين، والإفصاح عن ذلك يعد قضية أساسية تتعلق بحقوق المستهلك، فإذا قرر الناشر استخدام الذكاء الاصطناعي، فإن أقل ما يمكنه فعله هو منح القراء الفرصة لمعرفة ذلك واتخاذ قرارهم بشأن المشاركة، يمثّل عدم الإفصاح بوضوح عن استخدام الذكاء الاصطناعي -سواء كان ذلك عن قصد أو بغير قصد- إخفاقًا في الالتزام بأخلاقيات الإعلام الأساسية التي يجب على أي شخص يعمل على تقديم المعلومات للعامة أن يقدمها على نحو أفضل.
لذلك ليس من المستغرب أن يؤدي الكشف عن فضيحة مجلة “سبورتس إليستريتد” إلى إثارة تغطية إعلامية واسعة وغضب داخلي بين العاملين في المجلة، ووفقًا لاستطلاع حديث أجرته منظمة غير ربحية تُدعى “معهد سياسات الذكاء الاصطناعي” (AIPI)، فإن 80% من الأمريكيين يظنون أن تقديم المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي على أنه مكتوب من قبل بشر يجب أن يُعد أمرًا غير قانوني.
وفي الوقت الذي يشعر فيه الصحفيون بالقلق من أن التكنولوجيا الجديدة قد تفقدهم وظائفهم، تواصل كثير من الشركات الإعلامية اختبار تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويبدو أن هذه الشركات منجذبة إلى محتوى أقل في التكلفة وقابل للتوسع ويُحسِّن نتائج محركات البحث، من دون الحاجة إلى الاعتماد على “البشر المزعجين”، وتُكتب المقالات بواسطة الذكاء الاصطناعي بهدف الاستفادة من تحسين محركات البحث (SEO) لاستغلال ترتيب البحث في جوجل، ما يسمح بنشر إعلانات مربحة على صفحات الويب، وتتواطأ جوجل إلى حد كبير لأنها تكافئ هذه الجهود من خلال السماح للمحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي والذي لم يتم تقييمه جيدًا بأن يحتل مرتبة أعلى.
بحلول نهاية عام 2023م، ظهرت مئات المواقع التي تُنتج محتوى جزئيًّا أو كليًّا بواسطة الذكاء الاصطناعي بلغات متعددة وفقًا لتصنيف NewsGuard، وهي خدمة تستخدم الصحفيين المدربين لتقييم المواقع الإخبارية والمعلوماتية، هذه المواقع تُحاكي مواقع الأخبار الحقيقية، لكنها في الواقع “مزرعة محتوى” (Content Farms) وتشير إلى مواقع الويب منخفضة الجودة حول العالم التي تنتج مقالات ضخمة ذات عناوين رئيسية لتحسين إيرادات الإعلانات، وهي مصممة لتوليد إيرادات من الإعلانات البرمجية، وهذه الإعلانات توزع عبر الإنترنت باستخدام الخوارزميات، وتعد مصدر تمويل لكثير من وسائل الإعلام.
لقد تنبأ علماء الإعلام سابقًا بأن الأدوات القوية للذكاء الاصطناعي التي تتزايد قوتها وتتاح للعامة ستُستخدم لإنشاء مواقع إخبارية كاملة، وقد أصبحت الآن هذه التنبؤات حقيقة، وغالبًا ما تكون هذه المواقع خالية من أي إفصاح عن الملكية أو الجهة التي تتحكم بها، لكنها تُنتج كميات كبيرة من المحتوى عن مواضيع متنوعة بما في ذلك السياسة، والصحة، والترفيه، والمال، والتقنية، إذ تنشر بعضها مئات المقالات يوميًّا.
في سياق استخدام الذكاء الاصطناعي لتحقيق الدخل بهذه الطريقة، يُغمر القراء بمحتوى غير صحيح، أو مسروق، أو غير مبتكر، في حين يُجبر المؤلفون والمحررون على تعقب الأخطاء الناتجة عن القصص التي أنشأها الذكاء الاصطناعي، من جهة أخرى، ينحصر محرك البحث جوجل في دائرة من المحتوى التوليدي غير المفيد، إذ يُنتج “قمامة جديدة من القمامة القديمة”، ومع ذلك، ونظرًا لانخفاض تكلفة استخدام الذكاء الاصطناعي لهذا الغرض، فمن المرجح أن تستمر المؤسسات الإخبارية في القيام بذلك.
التأكد من “وجود البشر في حلقة”
استخدمت شركات الإعلام الذكاء الاصطناعي مدةً من الزمن بدءًا من تحليل الجمهور إلى الإعلانات البرمجية وإنشاء القصص تلقائيًّا، مع ذلك تنضج هذه التقنية بسرعة، وتفتح آفاقًا جديدة للإبداع والفرص التجارية التي بدأ قادة الإعلام إدراكها مؤخرًا.
تبذل المؤسسات الإخبارية حول العالم جهودًا لتحديد ما إذا كانت ستوسع نطاق استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار لديها، فهم ينوون استكشاف الإمكانات المحتملة للذكاء الاصطناعي لمعرفة كيفية تطبيقه على نحو مسؤول في مجال الصحافة الذي تتسم فيه السرعة والدقة بأهمية قصوى.
لكن رحلة قطاع الصحافة محفوفة بالتحديات، فقد قامت الصحافة ببناء ونشر منتجات ذات قيمة تستند إلى مفهومي الحقيقة والشفافية، وتُعد الصفحات الإخبارية التي يتم تحريرها بعناية تحديدًا ذات قيمة ومدروسة بعناية، ومن بين أبرز القيود الواضحة للمحتوى الذي يُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي هو افتقاره إلى الإبداع الحقيقي، فالذكاء الاصطناعي يعمل بناءً على الخوارزميات والأنماط المستخلصة من البيانات الموجودة، ولكنه يفتقر إلى التفكير الخيالي أو القدرة على إنتاج أفكار فريدة ومبتكرة.
ولا بد من الاعتراف بأن الذكاء الاصطناعي حتى مع تدريبه على كميات هائلة من البيانات، يجب أن يقتصر دوره على مساعدة الصحفيين في التعامل مع الفقرات، وليس كتابة القصة بأكملها، إذ إن نماذج اللغة ليست نماذج معرفية، ولا ينبغي أبدًا استخدامها لكتابة القصص، بل يمكن تطبيقها لمساعدة الصحفيين في أداء مهام معينة، مثلًا، يمكن لهذه النماذج أن تكون مناسبة جدًّا للقيام بالمهام التقليدية لمعالجة اللغة الطبيعية، مثل التلخيص، والتفسير، واستخراج المعلومات، لذا ينبغي على الصحفيين والمحررين ألا يقاوموا استخدام هذه الأدوات، فكلما زاد فهمهم لكيفية عملها، أصبحت أقل غموضًا بالنسبة إليهم، وزادت قدرتهم على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن استخدامها.
تختبر جوجل بحسب التقارير، أداة ذكاء اصطناعي تُسمى Genesis يمكنها إنشاء محتوى إخباري أو مساعدة الصحفيين في استكشاف أساليب كتابة مختلفة استنادًا إلى تفاصيل الأحداث الجارية، وتوصي جوجل بتقديم هذه الأداة إلى مؤسسات إعلامية مثل نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، وشركة الأخبار التي تمتلك وول ستريت جورنال ونيويورك تايمز، بهدف تمكين الصحفيين من الاستفادة من التكنولوجيا الناشئة لتحسين عملهم وزيادة إنتاجيتهم، وقد حرصت جوجل على مقارنة هذه الأدوات المساعدة بتلك المتوفرة في Gmail وGoogle Docs، مؤكدة أنها لا تهدف إلى استبدال الدور المهم الذي يلعبه الصحفيون في إعداد التقارير وإنشاء المقالات والتحقق من صحتها، ولتجنب الوقوع في الأخطاء نفسها التي واجهتها منصات مثل CNET، يتعين على المؤسسات الإعلامية وشركات التقنية مثل جوجل إعطاء الأولوية لتطبيق الذكاء الاصطناعي في الصحافة على نحو أخلاقي ومسؤول، وعلى الرغم من أن أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة بلا شك على المساعدة في مختلف جوانب عمل الصحفيين، إلا أن الإشراف البشري والتدخل طوال العملية يظلان ضروريين لضمان الدقة والمصداقية والامتثال للمعايير الأخلاقية.
لا ينبغي النظر إلى ظهور الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار على أنه تهديد للصحافة، بل بوصفه فرصة لتعزيز قدرات الصحفيين ومنحهم القوة لتقديم تقارير مؤثرة، ويتعين على المؤسسات الإخبارية وشركات التكنولوجيا والصحفيين مع تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي، العمل معًا لوضع إرشادات وأُطر أخلاقية وأفضل الممارسات لدمج الذكاء الاصطناعي في الصحافة، وسيضمن هذا التعاون أن يبقى الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز عمل الصحفيين وليس بديلًا عن التفكير البشري والنقدي الذي يشكل أساس المجال الصحفي.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




