ترجمة: بشائر حدادي
يحقق الذكاء الاصطناعي تحولًا كبيرًا في وسائل الإعلام على نطاق عالمي، ويوفر فرصًا هائلة، وتشير الإحصائيات إلى أن حكومات دول مختلفة أطلقت 170 مبادرة حول العالم لتطوير وإدارة الذكاء الاصطناعي بين عامي 2015م و2022م، في حين أطلقت المنظمات الدولية 210 مبادرات خلال المدة نفسها، ما يعكس التطور السريع للتقنية وأهميتها على مختلف المستويات، ويشير تقرير السوق العالمية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي لعام 2023م إلى أن الذكاء الاصطناعي من المتوقع أن يُحدث تأثيرًا اقتصاديًّا يزيد على 50 مليار دولار في قطاع الصحافة بحلول عام 2025م.
يمكن للذكاء الاصطناعي تحقيق تجميع ذكي للبيانات الإعلامية في مرحلة جمع الأخبار، وسيعمل الجيل الجديد للذكاء الاصطناعي على دمج المحتوى المنتج احترافيًّا (PGC)، والمحتوى الذي يولّده المستخدمون (UGC)، والمحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي (AIGC) ونحو ذلك عبر الشبكة بأكملها، ويمكن للإعلاميين جمع أدلة الأخبار والتقارير الساخنة ومنتجات الإعلام المتكامل على نحو تلقائي وسريع باستخدام محركات البحث والتحليل الدقيقة والمكونات التفاعلية.
يسهم الذكاء الاصطناعي في رفع كفاءة إنتاج المحتوى على نحو كبير، إذ يظهر الذكاء الاصطناعي التوليدي قدرات هائلة في إنشاء النصوص وترجمتها والبحث عنها وتصحيحها، ما يساعد في تحسين عمليات إنتاج الأخبار ودمج الوسائط المتعددة لتحقيق تكامل عميق بين التقنية والمحتوى، ويساعد على إنتاج تقارير إخبارية بمنطق أكثر صرامة ومعلومات أكثر ثراءً، مثلًا، بدأ استخدام الذكاء الاصطناعي كتابة المسودات الأولية لتغطية الأحداث الرياضية والتقارير المالية، لكي يستطيع الصحفيون إجراء معالجة إضافية بناءً على ذلك، والتركيز على تقديم التقارير والتحليلات المتعمقة، ما يوفر الوقت والجهد.
في مجال نشر المعلومات، يمكن للذكاء الاصطناعي استكشاف نشر المعلومات الموجهة ودفع المعلومات بدقة بناءً على اهتمامات المستخدم وعاداته السلوكية والبيانات الأخرى، وتعتمد وسائل التواصل الاجتماعي وعملاء الأخبار على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتقديم المحتوى الذي يهم المستخدمين في غضون ثوانٍ قليلة، ما يعزز دقة وفاعلية نقل المعلومات وزيادة ارتباط الجمهور بوسائل الإعلام، مثلًا، يمكن لوسائل الإعلام استخدام تقنية (AIGC) لدمج البيانات المرئية والتصوير الواقعي لتحويل المفاهيم المجردة والمعلومات المعقدة إلى منتجات إخبارية مرئية وسهلة الفهم، تسمح بالتكامل السلس للبيانات والآراء، ما يضمن فاعلية إيصال المعلومات.
فيما يتعلق بالتفاعل بالوسائط، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز من التفاعلية بين وسائل الإعلام والجمهور من خلال روبوتات الدردشة التي توفر تواصلًا مباشرًا، إذ يمكن للمستخدمين طرح الأسئلة على هذه الروبوتات بشأن الأخبار والحصول على إجابات فورية، ما لا يحسن تجربة المستخدم فحسب، بل يخلق قنوات جديدة للتواصل بين الإعلام والجمهور، مثلًا، أطلقت بعض وسائل الإعلام روبوتات خدمة عملاء ذكية قادرة على الإجابة بسرعة على استفسارات المستخدمين المتعلقة بالتقارير الإخبارية.
التحديات التي تواجه الذكاء الاصطناعي في تحول وسائل الإعلام
القضايا الأخلاقية: بسبب التحيزات المحتملة في بيانات التدريب وجودة البيانات وغيرها من المسائل، قد تنتج أدوات الذكاء الاصطناعي محتوى مضللاً أو معلومات زائفة، ونظرًا إلى افتقار الذكاء الاصطناعي للحكم والعواطف الإنسانية، قد يُظهر انحيازًا حين التعامل مع القضايا الاجتماعية وقضايا القيم المعقدة، لذا يجب وضع معايير أخلاقية صارمة لتنظيم سلوك الذكاء الاصطناعي، ذكر تقرير صادر عن مؤسسة تقييم مصداقية الأخبار في الولايات المتحدة نهاية عام 2023م أن مواقع الأخبار المزيفة التي تم إنشاؤها باستخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي زادت من 49 إلى أكثر من 600 موقع خلال سبعة أشهر فقط، ما دفع البعض إلى احتساب الذكاء الاصطناعي “الناشر الفائق للمعلومات المضللة”.
قضايا خصوصية البيانات: يعتمد الذكاء الاصطناعي على كمية كبيرة من البيانات، لذلك تصبح كيفية حماية خصوصية المستخدم في أثناء جمع البيانات واستخدامها وتخزينها أمرًا شديد الأهمية، وفي حال تسريب البيانات، فإن ذلك سيضر بمصالح المستخدمين ويؤثر سلبًا على مصداقية وسائل الإعلام، مع ذلك، فإن القوانين واللوائح المتعلقة بحماية الخصوصية واستخدام البيانات في كثير من البلدان، لم تواكب التغيرات الجديدة، مثلًا، لدى الولايات الأمريكية عدد قليل فقط من القوانين الشاملة لحماية البيانات، وليس ثمة قانون فيدرالي بشأن خصوصية البيانات، ما يؤدي إلى عدم خضوع معظم بيانات المستخدمين التي تجمعها الشركات لأي نمط من أنماط التنظيم.
مشكلة نقص المواهب: ثمة حاجة إلى مواهب متعددة التخصصات تجمع بين فهم الإعلام وإتقان تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحقيق التطبيق الفعّال للذكاء الاصطناعي في مجال الإعلام، وتعد هذه النوعية من المواهب نادرة نسبيًّا في الوقت الحالي، إذ أصبح تدريبها واستقطابها مهمةً رئيسية تواجهها صناعة الإعلام، ووفقًا للبيانات ذات الصلة، فإن الطلب على المتخصصين في مجال الذكاء الاصطناعي يشهد نموًّا هائلًا على مستوى العالم، إذ يُقدَّر العجز في هذا المجال داخل الصين وحدها بـ4 ملايين شخص تقريبًا.
أثّر نمط الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه على نحو كبير على تحول الإعلام، فمن الناحية القانونية، ثمة نقص في القوانين المتخصصة في تطبيق الذكاء الاصطناعي في مجال الإعلام، وهذا يؤدي إلى افتقار وسائل الإعلام إلى الأسس القانونية الواضحة حين استخدام الذكاء الاصطناعي، ما يعرضها إلى بعض المخاطر القانونية، مثلًا، مسألة حقوق الملكية الفكرية للمحتوى الذي يُنتجه الذكاء الاصطناعي لا تزال غير واضحة في قوانين الدول الكبرى، ما قد يؤدي إلى نزاعات بشأن حقوق النشر، وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي بدأ تطبيق اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) عام 2018م، والتي تضع قواعد لجمع بيانات المواطنين الأوروبيين ومعالجتها وتخزينها، إلَّا أن القوانين الخاصة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الإعلام ما زالت غير مكتملة.
أما من ناحية الهيئات التنظيمية، فليس ثمة هيئة تنظيمية خاصة بدمج الذكاء الاصطناعي ووسائل الإعلام، كما أن مسؤوليات الهيئات الحالية ليست واضحة بما فيه الكفاية، وتعد الرقابة على استخدام الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام ضعيفة، قد يسمح هذا لبعض وسائل الإعلام غير النزيهة باستخدام الذكاء الاصطناعي لنشر معلومات ضارة من دون وجود سبيل لمنعها، مثلًا، أصدر المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا في الولايات المتحدة (NIST) “إطار عمل إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي” (AI RMF 1.0)، لكنه يظل جهة لوضع المعايير فقط وليس لديه سلطة تنفيذية، ما يُظهر نقصًا في الهيئات التنظيمية، وقد أُنشئِت اللجنة الفرعية الوطنية للذكاء الاصطناعي في الصين عام 2020م، وهي مسؤولة عن وضع وتنفيذ معايير الذكاء الاصطناعي، لكن مهامها وصلاحياتها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التوضيح.
وفي جانب الآليات متعددة الأطراف، تفتقر المنظمات الدولية إلى التنسيق، ولم يتم تشكيل إطار حوكمة موحد، وتختلف السياسات والمعايير بين الدول والمناطق فيما يتعلق بتطبيق الذكاء الاصطناعي في الإعلام، ما يعوق التعاون الإعلامي عبر الحدود، أصدرت منظمة الأمم المتحدة (اليونسكو) توصياتها بشأن القضايا الأخلاقية للذكاء الاصطناعي، مع التركيز على المبادئ الأخلاقية، في حين أن مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، تتركز على الأثر الاقتصادي والاجتماعي، ما يعكس نقص التنسيق بين المنظمات الدولية، فضلا عن ذلك، أقرّت مجموعة العشرين عام 2019م “مبادئ الذكاء الاصطناعي لمجموعة العشرين”، والتي تدعو إلى تطوير الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة تتمحور حول الإنسان، لكن التنسيق بين الدول الأعضاء ما زال يواجه تحديات كبيرة في التطبيق العملي.
بالنظر إلى المستقبل، يقود الذكاء الاصطناعي وسائل الإعلام العالمية نحو تحولات كبيرة في أنحاء العالم أجمع، وقد يصبح الذكاء الاصطناعي بذاته نمطًا جديدًا من الوسائط، ليصبح تعزيز التنمية المتكاملة عالية الجودة بين الذكاء الاصطناعي والإعلام السبيل الوحيد لاستمرار بقاء صناعة الإعلام وتطورها، ينبغي لوسائل الإعلام حول العالم توسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي على المستويات جميعها، واستكشاف إمكانية تحويل التقنيات المتقدمة إلى منتجات عامة، وإثراء سيناريوهات استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحسين القيود التنظيمية على تطبيق الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام، وإنشاء بيئة أخلاقية صناعية أكثر تكيفًا مع البيئة التقنية الحديثة، تشمل احترام المصالح الوطنية، والتضامن الاجتماعي، والخصوصية الفردية، وروح الابتكار، بهدف تشكيل قوة مشتركة لتعزيز تطوير التقنية للأفضل، بالإضافة إلى ذلك، يجب على وسائل الإعلام في الدول جميعها اعتماد رؤية حضارية أوسع لاستكشاف معايير استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وردم الفجوة الذكية بين مختلف المناطق والدول، وتعزيز تبادل المعلومات والتعاون التقني بشأن قضايا حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية، وينبغي السعي لبناء المعايير الأخلاقية ونماذج الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي القائمة على القيم المشتركة، بما يسهم في تعزيز بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية في عصر الذكاء الاصطناعي.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




