ترجمة: بشائر حدادي
طُرح مفهوم “الخطاب” لأول مرة من قبل عالم اللغة الأمريكي زيليج ساباتاي هاريس في عام 1952م، في حين ظهر بحث الخطاب بوصفه مجالًا دراسيًّا مستقلًّا ومنهجيًّا يشارك فيه كثير من الباحثين في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، يُعد تأسيس مجلة تيكست (التي تحمل الآن اسم Text & Talk) في هولندا عام 1981م علامة فارقة في تطور دراسة الخطاب بوصفه حقلًا أكاديميًّا مستقلًّا، إذ أصبح للبحث في الخطاب مجال أكاديمي خاص به، وتجاوزت دراسة الخطاب البحث في الأنماط اللغوية المعزولة، إذ بدأت تركِّز على العلاقة بين اللغة والسياق والعلاقات الاجتماعية، وتحليل استخدام اللغة في مختلف المجالات الثقافية والاجتماعية وبين المجموعات المختلفة، مع استكشاف بنية النصوص، ووظائفها، والأيديولوجيات الكامنة وراءها، بالتفاعل مع تخصصات أخرى مثل العلوم السياسية والأنثروبولوجيا في السنوات الأخيرة، وفر بحث الخطاب منظورًا جديدًا لتفسير وتحليل أنماط التعبير اللغوي في الحياة الاجتماعية ووظائفها ومعانيها، ما ساهم في حدوث تحول لغوي في الدراسات الإنسانية والاجتماعية.
النظريات التحليلية السائدة في دراسة الخطاب
نشأ تحليل الخطاب النقدي من المجتمع النظري الغربي، إذ يهدف إلى تحليل الخطاب للكشف عن مظاهر عدم المساواة في السلطة الاجتماعية، والإساءة التي يعرضها أو يثيرها الخطاب، تستند مفاهيم التحليل النقدي للخطاب ونظرياته وقيمه إلى المنظور الغربي، وتجسد طريقة التفكير الغربية، وتنظر إلى موضوعات البحث والارتباطات ذات الصلة وتصفها من وجهة نظر غربية، ما يفتقر إلى الوعي بين الثقافات، ومن ثم لا يستطيع أن يعكس على نحو كامل واقع الخطاب البشري واحتياجات البحث فيه، يُقسم تحليل الخطاب النقدي موضوع البحث والخطاب والمجتمع (السياق) تحت تأثير طريقة التفكير الغربية الثنائية المعارضة إلى قسمين، ما يؤدي إلى المبالغة في طبيعة الخطاب ودوره في بناء المجتمع، كما يركز التحليل على الخطاب (أي الشكل اللغوي والمعنى)، ويعد المجتمع (السياق) محض أداة لتفسير الخطاب، متجاهلًا البحث الشامل في العلاقة الداخلية بين الخطاب والمجتمع (السياق).
يفتقر تحليل الخطاب النقدي إلى مفهوم التنوع الثقافي والتنافس في التواصل البشري، كما أنه ينظر إلى العالم من منظور متمركز حول الغرب، ما يجعله يُغفل السمات الثقافية التي تتضمنها الخطابات غير الغربية والآليات التاريخية التي أدت إلى نشأتها، وهذا يُضفي على نتائج الدراسات والاستنتاجات طابعًا من التحيز الثقافي.
تركز الدراسات الغربية للخطاب على دراسة السمات المشتركة بين الثقافات، أو تؤكد القواسم المشتركة بين الثقافات، أو تؤكد الاختلافات في التواصل بين الثقافات (معتقدًا أنه ليس ثمة أي شيء مشترك بين الثقافات)، وهذه رؤى متناقضة، لكن هذه الرؤية تُغفل وجود علاقات غير متكافئة في السلطة بين الثقافات، إذ ثمة منافسة على السلطة الثقافية، لذا فإن مجال دراسات الخطاب بحاجة ملحة إلى نموذج تحليلي نقدي ثقافي، يأخذ في الحسبان التنوع الثقافي ويحترمه، وكذلك التنافس على السلطة والتعاون بين أنظمة الخطاب المختلفة.
نشأ بحث الخطاب الثقافي في سياق أكاديمي يدعو إلى إزالة الطابع الغربي، ويظن نموذج شي شو في بحث الخطاب الثقافي أن ثقافات المجموعات العرقية والمناطق والبلدان المختلفة بوصفها قوة مهمة لها قواسم مشتركة وأخرى فريدة، كما أن علاقات السلطة الثقافية بينها غير متكافئة، ينعكس هذا التفاوت في علاقات السلطة الثقافية ضمن السياقات المختلفة من خلال التفاعل والتواصل اللفظي.
يسعى نموذج بحث الخطاب الثقافي من منظور نقدي ثقافي إلى استكشاف وكشف الصراعات الثقافية وعدم المساواة طويلة الأمد والمستمرة في التواصل الثقافي بين الثقافات المختلفة، ويلتزم بالتواصل والحوار المتكافئين بين الثقافات المختلفة، ويشتمل هذا النموذج البحثي على إطار منهجي متكامل من حيث الفلسفة والنظرية والمنهج والوعي الإشكالي، وينطلق من فرضيتين أساسيتين مترابطتين: الأولى أن لكل مجتمع ثقافي طرائقه الخاصة في التواصل، والثانية أن العالم المعاصر لا يزال يعاني إلى حد كبير عدم المساواة، وغالبًا ما تسيطر الهيمنة الغربية على مختلف جوانب الحياة، لذلك يرى بحث الخطاب الثقافي أن أهم سمة للخطاب هي “الطابع الثقافي”.
استُوحِيَ بحث الخطاب الثقافي في يومنا هذا من واقع الصراعات المتعددة الثقافات الدولية، ويسعى إلى الكشف المنهجي عن انعدام تكافؤ العلاقات الثقافية، والنضال من أجل القوة/الحقوق الثقافية، وإساءة استخدام السلطة الثقافية، وكذلك الابتكار الثقافي، كما أنه يتخذ موقفًا سياسيًّا ثقافيًّا واضحًا، كحماية المصالح الثقافية الوطنية والتعايش المتناغم للبشرية، يشجع بحث الخطاب الثقافي على الابتكار والحوار بين أنماط الثقافة المختلفة، ويسعى من خلال التفاعل مع نظريات الخطاب والتواصل بين الثقافات الأخرى إلى بناء حوار متبادل بين الخطاب الثقافي في الشرق والغرب، وتطوير نظريات ونماذج تحليل للخطاب تتماشى مع خصائص الثقافة الشرقية، يتبنى هذا النموذج رؤية شمولية وجدلية للخطاب، ويعرّف الخطاب بأنه “نشاط تواصلي يمارسه فرد أو جماعة ضمن علاقات تاريخية وثقافية محددة، باستخدام اللغة وغيرها من الرموز عبر وسائط محددة”، ويشمل عناصر وفئات خطابية متعددة مثل: موضوع الاستماع والكلام، ومقاصد الأقوال والأفعال، وقنوات الإعلام، وتأثير الغرض، والتاريخ، والعلاقات الثقافية، ولذلك لا يركز بحث الخطاب الثقافي على الدور البناء للخطاب في الممارسات الاجتماعية فحسب، بل يشدد أيضًا على فاعلية عناصر الخطاب والترابط المعقد والمتعدد الأبعاد فيما بينها، ما يتطلب من الباحث النظر الكلي إلى تلك العلاقات، يتبنى النموذج توجهًا إشكاليًّا يستهدف معالجة القضايا التي تواجهها الصين والدول النامية/العالم الثالث ضمن بيئة دولية غير متكافئة، مثل قضايا خطاب التنمية، وخطاب السيادة، وخطاب الأزمات، بهدف توجيه الحوار والتبادل الأكاديمي الدولي لتحقيق المساواة.
بدأت دراسات الخطاب في الصين مع انطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح، ويُعد كتاب “موجز في تحليل الخطاب” (1988م) الذي ألّفه هوانغ قوو ون، من أوائل الكتب في الصين التي قدّمت منهجيًّا نظريات تحليل الخطاب، اعتمد هذا الكتاب على نظريات ومناهج لسانيات النص، وركّز على نحو أساسي على تحليل البنية النصية للغة الإنجليزية، في يونيو 1991م، عُقدت أول “ندوة وطنية لتحليل الخطاب” في مدينة هانغتشو، وقد عُقدت هذه الندوة أربع مرات خلال تسعينيات القرن العشرين، وبعد أكثر من أربعين عامًا من التطور، ظهرت في الصين مجموعة كبيرة من النتائج البحثية الرائدة في مجال دراسات الخطاب، وخاصة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، طرح المجتمع الأكاديمي في الصين اتجاهات واستراتيجيات لدراسة الخطاب الصيني المعاصر، تركز على التجذّر المحلي والانفتاح العالمي، كما بُذلت جهود لتطبيق توطين الدراسات الخطابية في الممارسة العملية، فمثلًا، دعا كل من تساو شونتشينغ وتشي يو إلى بناء منظومة خطابية نظرية أدبية ذات خصائص صينية، من خلال حوار بين النظريات الأدبية الصينية والغربية، واستكشاف المبادئ والمسارات والأشكال الممكنة لهذا الحوار، أما وانغ شاو هوا فانطلق من الممارسات الخطابية الصينية، وأَدخل بُعدًا ثقافيًّا صينيًّا في إطار نظرية الإطارات لجيورج لاكوف، لبناء منظومة خطابية صينية موجهة داخليًّا وخارجيًّا، وفي حين سعى فنغ دي تشينغ إلى تطوير مفهوم “الخطاب الصيني متعدد الوسائط” إلى مجال بحثي جديد متعدد التخصصات، بهدف رواية قصة الصين للعالم باستخدام مناهج تحليل الخطاب متعدد الوسائط، وطرح شي شو نموذجًا لدراسة الخطاب الصيني المعاصر يركّز على الاستكشاف والتفسير والتقييم للتغييرات في الخطاب الصيني المعاصر والخصائص الثقافية الواردة فيه باستخدام نظرية الخطاب الصينية لتحليل القضايا الصينية وتعزيز الحوار الثقافي في دراسات الخطاب، أيضًا، سعى الباحثون الصينيون إلى استكشاف نظريات الخطاب المحلي القائمة على السياق الاجتماعي والثقافي المحلي، والتي يمكن من خلالها تفسير تحولات الخطاب الصيني وإبراز الخصائص الثقافية الصينية، ما يُبشّر بآفاق واعدة في المستقبل.
تتجلى الأهمية المعاصرة لبناء منظومة معرفية مستقلة في دراسة الخطاب في ثلاثة جوانب، أولًا: ضرورة بناء فلسفة وعلوم اجتماعية ذات خصائص صينية، يُعد بناء منظومة الخطاب جزءًا مهمًّا من بناء الفلسفة والعلوم الاجتماعية ذات الخصائص الصينية، وهو ما يتطلب إنشاء نظريات خطابية جوهرية وأصيلة تحمل طابعًا مميزًا خاصًّا بالصين، لتوجيه وتعزيز قدرات الدولة في التواصل على المستويين المحلي والدولي، وتوفير دعم نظري لإتقان قوة الخطاب الدولي التي تتناسب مع مكانة الصين بوصفها دولة كبرى على الساحة الدولية.
ثانيًا: الاستجابة إلى متطلبات بناء “العلوم الإنسانية الجديدة”، يدعو مشروع بناء “الآداب الجديدة” إلى تحويل علوم الآداب من كونها تحت هيمنة منظومة الخطاب الغربية إلى كونها تحت هيمنة منظومة الخطاب الصينية، ما يستدعي علوم الآداب في الصين لاستخدام الخطاب الصيني، والخبرة الصينية، والنظرية الصينية لبناء منظومة معرفية مستقلة في هذه المرحلة التاريخية الجديدة، وابتكار مناهج ونماذج جديدة ذات خصائص صينية وأهمية عالمية، والمساهمة في نشر المعرفة الأكاديمية الجديدة في الساحات المعرفية، والفكرية، والأكاديمية في العالم، والمساهمة بالحكمة الصينية والحلول الصينية لتعزيز بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية، ومن ثم تجسيد المسؤولية التي تنهض بها “الآداب الجديدة”.
ثالثًا: الحاجة إلى حوار أكاديمي متكافئ في مجال الدراسات الدولية للخطاب، لا تزال النظريات والنماذج الغربية تهيمن على مجال الدراسات العالمية للخطاب في الوقت الراهن، غير أن سياقاتها الاجتماعية الخاصة وتجاربها الزمنية والمكانية واستراتيجياتها التواصلية لا يمكن أن تُستخدم على نحو شامل في توجيه أو عكس واقع الممارسات الاجتماعية في مختلف الدول والمناطق، لذا يجب علينا أن نتجاوز الأطر الخطابية الغربية القائمة ونكشف عن أوجه القصور والنتائج المترتبة على المركزية الغربية في المنظومات الأكاديمية السائدة، مع التركيز على قضايا الخطاب التي تواجهها المجتمعات غير الغربية، والعمل على استكشاف وبناء منظومة بحثية خاصة بهذه الخطابات، وتعزيز المشاركة في النقد والحوار بين النماذج الثقافية المختلفة، بما يحقق الازدهار والابتكار في دراسات الخطاب الإنساني، يُعد بناء منظومة معرفية مستقلة لدراسات الخطاب الصيني قوة رائدة في إنجاز هذه المهمة المعاصرة في مجال الدراسات الدولية للخطاب.
لبناء منظومة معرفية مستقلة لدراسات الخطاب الصيني، يجب الالتزام بمبدأ “التجذّر في الأمة، والانفتاح على العالم، والحوار الدولي”، واعتماد منهجية تُوازن بين المنظور المحلي والعالمي، وينبغي التركيز على خصائص الخطاب في السياق الثقافي الصيني، بما يسهم في تحقيق أهداف التنمية الثقافية للصين، والاستفادة من الحكمة الثقافية (والأكاديمية) الصينية، في الوقت نفسه، لا بد من الاهتمام بمشكلات الخطاب التي تواجه البشرية، والتمسك بموقف منفتح نحو العولمة، واحتضان التقاليد الثقافية والأكاديمية المختلفة، بما يعزز السلام والتنمية البشرية، وأن نجعل من الصين ومن هذا العصر نقطة انطلاق، وأن نُجيب بوعي على الأسئلة التي تثيرها كلٌّ من الصين والعالم والعصر.
يجب الاستفادة الكاملة من الأسس والموارد النظرية والعملية الغنية والمتوفرة في دراسات الخطاب الصينية، والالتزام بتوجيهات الماركسية، والتمسك بالنهج المتمركز حول الإنسان، والعمل بنشاط على بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية، من أجل توفير التوجيه النظري لبناء منظومة خطاب ذات خصائص صينية، تشكل كلًّا من التقاليد الثقافية الصينية، والذاكرة التاريخية، والوضع التنموي، والنظام الخطابي العالمي، أساسًا عمليًّا لبناء النظرية في بحوث الخطاب الصينية، كما توفر الموارد الأكاديمية الغنية في الفلسفة الصينية، والبلاغة، والأدب، والاتصال، مثل مفاهيم “التحدث عن المجاملة”، و”التحدث عن الإحسان”، و”التحدث عن الولاء”، و”التحدث عن الثقة”، و”التحدث عن الفضيلة” في تقاليد البلاغة في شرق آسيا قواعد لتوليد الخطاب، وأُطرًا قيمية لبناء الخطاب الصيني، كما ينبغي أن نُعزز التنقيب عن الخصائص الثقافية، والمبادئ، والقيم، واستراتيجيات توليد الخطاب الفريدة في الخطاب الصيني، مثلًا، يتطور الخطاب الصيني المعاصر ويتغير باستمرار، ويتطور في ظل التفاعلات التاريخية والثقافية، لذا يجب النظر إليها ككل من منظور التفاعل والتطور التاريخي.
كما أن الخطاب الصيني المعاصر يسترشد بنظرة العالم القائمة على “الانسجام بين الإنسان والطبيعة”، وبطريقة تفكير تقوم على “الوحدة الجدلية”، إذ يُنظر إلى الظواهر بوصفها مترابطة لا قائمة على تقابل ثنائي، لذا فإن دراسة الخطاب الصيني المعاصر تتطلب تحليله في سياق شامل وجدلي ضمن أحداث تواصلية متعددة، إضافةً إلى ذلك، يرث الخطاب الصيني المعاصر فضائل الحضارة الصينية التقليدية، إذ تُؤثر الأخلاقيات القائمة على مبدأ “تقدير الانسجام والاعتدال” في الممارسة الخطابية، وهو ما ينطوي على قيم أخلاقية تتعلق بمراعاة الآخرين، والحفاظ على مجتمع وعالم متناغمين، كما أن الخطاب الصيني المعاصر يتبع قاعدة توليد وفهم لغوي في اللغة الصينية تقوم على مبدأ “الكلام لا يُفصح عن المعنى كاملًا”، ما يعني أن العلاقة بين الخطاب والمعنى ليست متماثلة، وهو ما يتطلب منا تجاوز الألفاظ والنصوص للكشف عن المقاصد والمعاني الكامنة في عملية التواصل الخطابي.
توفّر هذه القضايا الثقافية على نحو شامل مسارات وأطر لتحليل وتفسير وتقييم الممارسات الخطابية الصينية، وتسهم في فهم الصين لخطابها بصورة أعمق، ومساعدة العالم على فهم الصين بشكل أفضل، كما تفتح آفاقًا جديدة لتعزيز الحوار الثقافي والابتكار في بحوث الخطاب، وهو ما يُمثل في جوهره جزءًا لا يتجزأ من مهمة بناء منظومة معرفية مستقلة في دراسات الخطاب.
(الكاتب: باحث في مركز الدراسات الأمريكية، جامعة تشجيانغ للدراسات الدولية)
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




