مقالات

جمالٌ موصومٌ بالعار؟ – آريانا سيمونز

ترجمة: مروان الرشيد

إحدى القدرات التي نتصف بها نحن البشر هي تقديرنا للجمال ورغبتنا فيه، وكذلك سعينا إلى خلقه. وخلق الجمال ليس محصورًا على الأمور الفنيَّة، إذ يمكن أن نعده دافعًا للعديد من مبادراتنا وهمومنا اليومية. ونُقدِّر أولئك الذين يعتنون ويَجْهَدون لجعل عالم حياتهم جميلًا. وفي الحين ذاته تقترح الحكمة الاجتماعية أن من السطحيَّة الانغماس الطائش في تقدير الجمال بصفته زينة أو مظهرًا.

تاريخ الفلسفة –بدءًا بأفلاطون ومرورًا بأرسطو وكانط إن اقتصرنا على أسماء بعض المعروفين– يضع الجمال في مكان إلى جانب مفهوميْ الحق والخير. وهذه القيم التي كان يُعتقَد أنها القيم الكونية الرئيسة. في القرن العشرين في الثقافة الغربية تغيَّر الموقف تجاه الجمال تغيُّرًا هائلًا في مجاليْ الفلسفة والفن. فمن جهة نجد قليلًا من الفلاسفة المُبرِّزين يرون طائلًا في التفكير في معنى الحُكم والتجربة الفنييْن، ومن جهة أخرى نجد الفلاسفة الذين لهم اهتمام بالمجالات الفنية يغلب عليهم القول بإن الجمال ليس قيمة ضرورية في هذه المجالات.

أشهر فيلسوف مُتأخِّر عُنيَ بالبحث في المفاهيم والتجربة الفنية وعمل على فك شفرتها هو أرثر دانتو (Arthur Danto). وفقًا لدانتو «س هو عمل فني إن كان يُجسِّد معنى»[1]. هذا التعريف لماهية العمل الفني مُلْفِت لأنه لا يذكر «الجمال»، وهو الشيء الذي كان يُعد الغرض الجوهري من الخلق الفني. يحتفي دانتو بأن الفن قد تجاوز أخيرًا تحديد الغرض منه في خلق الجمال، بعد استباحة مفهوم الجمال طوال تاريخه[2].

يتفكَّر دانتو في عمله الفلسفي بما لاحظه هو وغيره في حالة الفنون، ألا وهو أن الجمال قد فقد شعبيته، ليس في عِدَاد الفلاسفة فقط بل أيضًا بين الفنانين أنفسهم. لقد تمرَّد الفن على شرط الجمال، وشرط أن يكون العمل الفني جميلًا أصبح يُرى على أنه يخاطب الحواس على حساب العقل. ولقد فُهِمَ هذا الشرط مطلع القرن العشرين باعتباره تهديدًا باختزال العمل الفني إلى محض شيء زُخْرُفي. جون بالدساري (John Baldessari) –وهو فنان مفاهيمي ذائع الصيت توفي قريبًا جدًا عن عمر ٨٨– خلق هذا العمل الفني[3]:

لوحة بيضاء، نقرأ عليها بحروف كبيرة سوداء بسيطة: “PURE BEAUTY” (جمال محض). لا تُخاطب اللوحة حواسنا، وإنما فِكْرنا. الجمال المحض لم يُقدَّم هاهنا جذَّابًا حسِّيًّا، ولكن مختصًّا بعالم الأفكار. الأمر الآخر الذي لا تفعله هذه اللوحة هو أنه لا تعرض لنا صورةً نترقَّب أن نجدها جميلة. هذا العمل الفني يأبى أن يُقدِّم لنا معايير جمالية. اللوحة تسمح لنا، وتدعونا، أن نملأها بأي فكرة أو أي صورة عندنا عن الجمال.

ثمة أسباب شتى تجعل الفنانين والفلاسفة ينبذون مُتطلَّب الجمال في اعتبار العمل الإبداعي فنًّا. أحدها يمكن أن يُوضَّح على النحو التالي: الفنُّ الصحيح يجب أن يُحاول توسيع مدارك الإنسان وتجاربه حيال العالم. وبدل أن يخدم الفن حاجة الناس في الأمان ويُرسِّخ وجهات النظر المُعتادة والمعايير السائدة، عليه أن يتحدى الفرد ليُفكِّر بطرقٍ جديدة في الرؤية، أو حتى بإجباره على النظر إلى ما يُفضِّل أن يتجاهله. الجمال باعتباره الجذَّاب والمُبْهِج والمريح تُرِكَ للحِرَفيين، الذين تُزيِّن أعمالهم غُرف المعيشة والمكاتب والمطاعم أو تُصمم لأجل أن نتحلَّى بها. الأشياء والصور الجميلة وتعبيرات المهارة الحِرَفيَّة يُناسبها أن تُعرَض في المساحات المُحايدة أو في المساحات التي تُستخدم للراحة والنسيان.

لقد شعر الفنانون أنه يُنْتَظرُ منهم تصوير العالم تصويرًا وهميًّا. وهم يُفضِّلون أن يكونوا دقيقين حيال تجربة أن ليس كلَّ ما في العالم جميل، وأن هناك معنى في الذي لا يبدو جذابًا على الفور في العالم، ولهذا فالجمال ليس القيمة الفنيَّة الوحيدة وليس القيمة الفنيَّة الأهم. وقصر الإنتاج الفني على رسم الجمال هو تقديم صورة شوهاء عن العالم وعمَّا هو ثمين ونفيس. مِثَال الجمال الأعلى مُرتبط بالقيم البرجوازية ونمط الحياة البرجوازي، بحياة أولئك الذين يملكون أن يتجاهلوا المُعاناة واستحالة العيش المثالي.

الفن الغربي الكلاسيكي يُصوِّر المُعاناة والموت على اعتبارهما تجربتيْن مُثقِّفَتيْن، وهو إلى ذلك يُفضِّل معاناة وموت الأبطال والمشاهير والبشر غير العاديين على معاناة وموت الناس العاديين. ووعينا بالمعاناة وبحتمية الموت هما ما يحثنا للتساؤل عن معنى الحياة، وعمَّا إذا كان لبعض الحيوات معنى أكبر من أخرى. إذ يبدو أن بمقدورنا استلهام معنى من موت الأبطال والأناس الاستثنائيين، ويبدو أن مُعاناتهم لها ما يُبررها. لكننا نتجاهل أن الأناس الاستثنائيين يعيشون حياةً مجهولةً، وقد لا يجدون في معاناتهم وموتهم تبريرًا ومواساةً كما نجد فيهما نحن. والأكثر صعوبة ربط المعاناة والموت المجهولين بالجمال أو أن نجد معنى فيهما. حقيقة أننا فانون حقيقة نُريد أن ننساها. ومن المريح أن بعض الموت وبعض المعاناة فيهما معنى، إذ يعطي المرء أملًا بما يبدو وعدًا بالخلود. لكن أكثر الموت وأكثر المعاناة هما محض تعبير عن الفناء، وعن انكسار المُثُل وفَشَل الأمل.

أعتقد أن هناك توازٍ بين الشرط العتيق في أن الفن يجب أن يُعبِّر عن الجمال في العالم وبين ضرورة أن يكون لأفلام هوليوود الرائجة نهايات سعيدة؛ حيث الموت لا يعني الفناء، وليس من سبب حقيقي للمعاناة لأن كل شيء سيستقيم في النهاية.

لكن مفهوم الجمال هذا له مدافعون معاصرون. والفيلسوف الذي يخطر أولًا في البال هو روجر سكروتن (Roger Scruton). يُجادل سكروتن أن الجمال قيمة إنسانية ضرورية يجب أن يُسعى لها في الحياة اليومية وفي التعبير الفني على السواء[4]. يُجادل سكروتن –على المنوال الأفلاطوني والكانطي التقليدي– أن طلب الجمال طلب روحي، وأن حياة لا تسعى إلى الجمال ولا تأمل بالجمال هي حياة فقدت معناها[5]. رؤيته هذه للجمال جزء من مُعتقده المُحافظ (conservatism). وإن كان سكروتن على حق أن حياةً خِلْوًا من الإحساس بالجمال الحقيقي هي حياة خِلْو من المعنى، فسنخلص إلى أن حياة الأناس الأقل حظًا ليست قمينة بالعيش. هذا الاستنتاج ليس حزينًا فحسب بل خاطئ كذلك؛ لأن هناك حاجات أخرى كثيرة تجعل الحياة جديرة أن تُعَاش، وهناك العديد من الأشياء التي توفِّر تثقيفًا روحيًّا غير تلك التي تشترك في تعريف سكروتن النخبوي للجمال.

ثمة جمال البساطة اليوميَّة للأشياء، وفي أعمال الطيبة والحب مجهولة المصدر، وفي الحيوات التي تُعاش بلا وعي بالجمال الرفيع الذي صنعه عمالقة الفن العالميون. وثمة جمال يستأهل الاحترام ويفوز بالإعجاب في تعبيرات الحب والعناية التي لا تهدف لتحقيق الخلود. وهناك جمال في قبول المرء لفنائه قبولًا متواضعًا، وفي العيش دون حاجة لاعتقاد أنه مميز بأي صورة. يمكن أن يكون المرء فائق الإنسانية بتجاوزه القدرات الفنية العادية وفي خلق جمال راقٍ عظيم وبالنتيجة يكون أقرب للخلود، ويمكن أن يكون المرء فائق الإنسانية بعدم حيازة أيِّ دعوى بالكمال وبلا أمل بالخلود.

إن البحث عن الجمال والاعتراف به هما تعبير عن حاجتنا للأمل بالأفضل، وبقدرتنا على الكمال، وبانبهارنا المتواضع في شهود مُعجزة الوجود والخير الذي يُعطى من غير سؤال.

 

 

 


[1]   Arthur Danto, The Transfiguration of the Commonplace: A Philosophy of Art. 1981.

[2]   See Arthur Danto, “The Abuse of Beauty”, Daedalus Vol. 131, No. 4, On Beauty (Fall, 2002), pp. 35-56.

[3]   I found this image from the following web link, where you can also find a short conversation on Baldessari’s work: https://www.npr.org/2013/03/11/173745543/for-john-baldessari-conceptual-art-means-serious-mischief

[4]   See, for example, his short book on beauty: Roger Scruton, Beauty: A Very Short Introduction. Oxford University Press, 2011.

[5]   The documentary Why Beauty Matters?, is a detailed exposition of Scruton’s views on beauty: https://www.youtube.com/watch?v=bHw4MMEnmpc

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق