ترجمة: شروق درّاج
مراجعة: محمد بن علي الزهراني
“تغوص الفيلسوفة الأمريكية ك. س. بيل K. S. Belle في تحليلها للطريقة السطحية التي تطرقت إليها حنة آرنت Hannah Arendt عام ١٩٥٧م في قضية نهاية التمييز العنصري في الولايات المتحدة. ورغم أن العديد من انتقادات بيل تبدو في محلها، إلا أنه من غير العادل أن تُظِلّ بظلالها على كامل أعمال آرنت“.
حول كتاب: كاثرين صوفيا بيل Kathryn Sophia Belle، حنة آرنت وقضية السود Hannah Arendt et la question noire، ترجمة: بينوا باس Benoît Bass، وكيمي Kimé، ٢٠٢٣م، ص. ٢٧٧، ٢٥ يورو.
يُستهلّ كتاب الفيلسوفة الأمريكية كاثرين صوفيا بيل بمقدمة لإيمانويل فاي Emmanuel Faye التي يستعرض فيها التحديات الكبيرة التي صادفها أثناء سعيه لإيجاد ناشر فرنسي لهذا العمل. ورغم أن الكتاب نُشر في الولايات المتحدة عام ٢٠١٦م، إلا أنه استغرق ٧ سنوات ليترجم إلى الفرنسية، ويُعزى هذا التأخير -بحسب فاي- إلى موضوع الكتاب الذي يُشوه الصورة الإيجابية التي تتمتع بها حنة آرنت في فرنسا، إذ كانت الفيلسوفة الألمانية-الأمريكية تعارض تدخل الدولة في قمع الممارسات العنصرية في الولايات المتحدة خلال خمسينيات القرن الماضي.
تستعرض حنة آرنت أفكارها بشأن قضية السود في الولايات المتحدة في مقالها الصادر عام ١٩٥٧م بعنوان “تأملات حول ليتل روك Réflexions sur Little Rock” (ضمن “المسؤولية والحكم Responsabilité et jugement، بايو Payot، ٢٠٠٣م، ص. ٢١٧).
في هذا المقال، تتناول حنة آرنت الأحداث التي شهدتها مدينة ليتل روك، عاصمة ولاية أركنساس Arkansas، في عام ١٩٥٧م. عندما سعى تسعة طلاب من ذوي البشرة السوداء إلى ممارسة حقهم السلمي في الالتحاق بإحدى المدارس العامة المخصصة للطلاب البيض آنذاك، في مناهضة لإرادة السُلطات والمجتمع المحلي. وعُرفت هذه الحادثة باسم «طلاب ليتل روك التسعة Neuf de Little Rock»، وحظيت بتغطية إعلامية مكثّفة على الصعيد الدولي، مما أدّى إلى موجة انتقادات واسعة لنظام الفصل العنصري في الولايات المتحدة.
إن كاثرين صوفيا بيل أستاذة فلسفة في جامعة بنسلفانيا، وعلى الرغم من أن الفصل العنصري يشكل الإطار التاريخي لكتابها، إلا أن موضوعه الرئيس يكمن في تحليل النظريات الفلسفية التي استخدمتها حنة آرنت في مقالها لعام ١٩٥٧م. تشير بيل إلى أن هذه النظريات والتي وُضعت في سياقات أخرى، تم إسقاطها كما هي على قضية السود. استعرضت بيل في أطروحة آرنت الفكرة الأساسية التي بُني الكتاب على أساسها، والمتعلقة بالتفرقة بين المجالين العام والخاص. وعند تتبعها لأصل هذه النظرية، كشفت عن خطأ تطبيقها على قضية السود. بعبارة أخرى، تظل آرنت أسيرة لأفقها الفكري، غير مستعدة لتجديد أو إعادة النظر في أفكارها، وهذا ما منح بيل الفرصة لكشف التناقضات المنبثقة عن فكر آرنت الصلد، إذ ظلّت التفرقة بين المجالين العام والخاص، الذي اعتمدته، غير ملائمة لتحليل قضية السود (I).
تخرج بيل تدريجيًّا عن نطاق إطار مقالة آرنت المنشورة سنة ١٩٥٧م لتتناول مسألة العنف. وهنا أيضًا، تعترض بيل على نظريات آرنت، بحيث تُشرّع في الأولى بعض أشكال العنف في سياقات معينة، في حين ترفضه بشكل قاطع من حيث المبدأ في نظرية ثانية. ومن هنا تحديدًا، يصبح من السهل فهم موقف آرنت (II).
١ – التفرقة بين المجالين العام والخاص وتطبيقه في سياق قضية السود
انبثق مقال «تأملات حول ليتل روك» من استياء حنّة آرنت بعد اطلاعها على صورة نُشرت في الصحف الأميركية عام 1957م، تُظهر الطالبة السوداء إليزابيث إيكفورد وهي تسير وسط حشد من البيض المعارضين لالتحاقها بمدرسة مخصّصة للبيض في مدينة ليتل روك. غير أنّ آرنت أخطأت في تحديد هوية الفتاة الظاهرة في الصورة، إذ نسبتها إلى طالبة سوداء أخرى هي دوروثي كونتس، التي كانت تخوض تجربة مماثلة لدخول مدرسة للبيض في ولاية كارولاينا الشمالية. وقد بدت الصورتان متقاربتين إلى حدّ كبير، مع فارق حاسم واحد: كانت دوروثي مرفوقة بشخص بالغ أبيض، بينما واجهت إليزابيث الحشد وحدها.
كانت إليزابيث إحدى «التسعة من ليتل روك»، الذين تعرّضوا إلى السخرية والبصق أثناء توجّههم إلى المدرسة البيضاء، وحتى عرقلة قوات الحرس الوطني التي استدعاها حاكم ولاية أركنساس بهدف منعهم من دخول المدرسة العامة. وبفعله هذا، تحدّى الحاكم السابقة القضائية “حكم براون Brown” الصادر عام ١٩٥٤م والقاضي بإلغاء التمييز العنصري في المدارس الأمريكية.
بدءًا من ثمانينيات القرن التاسع عشر، أُضفيت الشرعية القانونية على سياسات الفصل العنصري في جنوب الولايات المتحدة، ولا سيما بعد حكم المحكمة العليا الشهير في قضية «بليسي ضد فيرغسون» (Plessy v. Ferguson) الصادر في 18 مايو 1896م، الذي اعتبر القوانين العرقية المتبعة في الجنوب متوافقة مع الدستور. وقد كرّس هذا الحكم مبدأ «منفصلون لكن متساوون»، الذي أتاح فصل السود والبيض في الفضاءات العامة، شريطة الادعاء بتكافؤ الحقوق. ولم تُقدِم المحكمة العليا على مراجعة هذا الموقف إلا بعد مرور عقود، حين بدأت تحوّلًا تدريجيًّا تجلّى أولًا في قرارها حظر التمييز العنصري في المدارس العامة بموجب حكم «براون» في 17 مايو 1954م. غير أنّ تطبيق هذا القرار في ولايات الجنوب جاء بطيئًا ومتعثّرًا، إذ واصلت السلطات المحلية انتهاج سياسات الفصل ورفضت الاعتراف بالاندماج، إلى أن اندلعت أحداث ليتل روك عام 1957م، أي بعد ثلاث سنوات من حكم براون.
ووفقًا لتحليل بيل، تستند حنّة آرنت في مقالها «تأملات حول ليتل روك» إلى تمييز نظري ستقوم بتفصيله لاحقًا في كتابها «حالة الإنسان الحديث» (1958م). ويعود أصل هذا التمييز إلى الممارسات السياسية في أثينا القديمة، حيث كان المجال العام يُعد الحيز الوحيد لمشاركة الرجال الأحرار في الحياة السياسية، على أن تكون هذه المشاركة مشروطة بتحررهم من الالتزامات والقيود المرتبطة بالمجال الخاص، الذي كان يضم النساء والعمال والعبيد.
توسع مفهوم المجال العام تحت وطأة تأثير الثورة الفرنسية ليشمل قضايا اجتماعية مثل العمل، أو الإسكان. إذ غزت هذه القضايا المجال السياسي المُختزل في مفهوم الحرية، وهذا ما اعترضت عليه آرنت حيث تُعدّ قضية الفصل العنصري للسود مرتبطة بالنظام الاجتماعي. وهذا يعني أننا لو تتبعنا مسار أفكارها المتعلقة بفرض سياسات إلغاء الفصل العنصري، فإن السلطات السياسية -بما فيها المحكمة العليا- تتدخل في قضايا لا تندرج ضمن مجال اختصاصها. ولهذا، فإن آرنت تُعارض حق الحكومة في أن تقول -لها-: مع من سيتلقى طفلـ -ها- هذه التوجيه”، كما جاء في مقالها تأملات حول ليتل روك.
وفي الوقت ذاته، تُبدي آرنت معارضة شديدة ضد قوانين الفصل العنصري، وتؤكد بــ “أن إلغاء هذه التشريعات أمر بدهي وبالغ الأهمية” (المرجع نفسه). ولكن في المقابل، يبدو التباس الأمر عليها في التفرقة بشكل مصطنع بين القوانين والممارسات، إذ ترى في حال استلزم علينا إلغاء القوانين العنصرية، فإنه من المستحيل أن يكون للسلطات السياسية حق فرض هذه التغييرات على سلوك المواطنين. حيث ترى أن مسألة إلغاء الفصل العنصري مسؤولية حصرية للمجتمع الذي عليه تحقيق ذلك بشكل تدريجي. وهكذا تسلك آرنت مسار المحكمة العليا (المتعلّق بحكم براون الثاني في ٣١ مايو ١٩٥٥م)، الذي توصّل إلى استنتاج مفاده أن عملية إلغاء الفصل العنصري ستحتاج إلى فترة طويلة من الزمن.
تروّج آرنت للفكر المجتمعي ذي طابع الأنجلو-أمريكي، والمضادّ تمامًا لفكرة العالمية الموروثة عن فكر التنوير، والثورة الفرنسية. وبحسب هذا النهج، فإن لكل أفراد مجتمع ما، الحق في التعايش مع بعضهم بعضًا، دون إجبار من السلطات العامة على الانفتاح. وكما تؤكد آرنت، باعتبارها يهودية، أن من حقها إذا رغبت في قضاء عطلتها بين يهود آخرين، ألّا يفرض عليها أحد غير ذلك. ومن هذا المنظور، يصبح الفصل العنصري نتيجة مكتسبة من حرية مجتمع ما.
تثير آرنت مسألة أن اليهود الأمريكيين يعيشون بدورهم نوعًا آخر من الفصل العنصري المتعمّد يختلف جذريًّا عن الفصل العنصري للسود، ويطال جميع جوانب حياتهم الاجتماعية، مثل: التعليم، والسكن، والعمل، وحتى النقل. ومن هذا المنطلق ترى بيل أن آرنت افتقرت إلى الفهم العميق لقضية السود، وانتقدت موقفها بشدة، معتبرة إياه نوعًا من الازدراء تجاه الآباء السود الذين يواصلون، رغم التضحيات الجسيمة، السعي لتحقيق حلمهم في جعل ابنتهم “بطلة” في أعين المجتمع. ينبع سلوك آرنت من تطبيق التفرقة العميقة التي سبق أن طرحتها في كتابها “عن معاداة السامية Sur l’antisémitismeا“ المنشور سنة ١٩٥١م، حيث تُفرّق فيه بين “حديثي النعمة parvenus” و”المنبوذين parias”: فالفئة الأولى تسعى للاندماج، في حين ترفض الفئة الثانية ذلك، أو تعجز عن تحقيقه. وفي مقالها عام ١٩٥٧م، تذهب آرنت إلى القول بأن الآباء السود يستغلون ابنائهم كوسيلة لتحقيق “الصعود الاجتماعي”، وهو ما تراه بيل تعبيرًا يدلّ على معاملتهم باعتبارهم “حديثي نعمة”.
في الواقع، تبدو مواقف آرنت أكثر تعقيدًا مما يُفترض أحيانًا؛ فهي لم تستخدم قطّ مصطلح «حديثي النعمة» لوصف الآباء السود، ولو كانت ترى فيهم ذلك لما ترددت في التصريح به، إذ عُرفت آرنت بجرأتها وحدّتها في تناول القضايا الاجتماعية الحسّاسة. فمفهوم «حديثي النعمة» عندها يشير إلى اليهود الذين سعوا إلى الاندماج إلى حدّ إنكار أصولهم، بل والامتناع أحيانًا عن الرد على الإهانات المعادية للسامية، كما أوضحت في كتابها عن معاداة السامية. وهذا التصور لا ينطبق على وضع الآباء السود في ليتل روك، إذ تؤكد آرنت بوضوح أن السود، بخلاف جماعات أخرى، لا يستطيعون إنكار أصولهم بسبب لون بشرتهم. ولو أنها استخدمت ثنائية «المنبوذين» و«حديثي النعمة»، لكان تصنيف السود قد انحصر، دون تردد، في الفئة الأولى. وفي هذا السياق، تشير بيل إلى أن السود يُعدّون بالفعل «منبوذين» داخل المجتمع الأبيض السائد، لافتةً إلى الصمت الملتبس الذي يطبع موقف آرنت إزاء هذه النقطة.
وعوضًا عن هذه الثنائية، تعتمد آرنت تمييزًا آخر يكشف جانبًا أكثر تعقيدًا من تصورها، هو التمييز بين «المرئي» و«اللامرئي». فالمرئي، في نظرها، ينتمي إلى المجال السياسي، بينما يُحال اللامرئي إلى المجال الاجتماعي. غير أنها تقلب هذا التمييز على نحو إشكالي، إذ ترى أن لون بشرة السود يجعلهم غير قابلين لأن يكونوا «لا مرئيين»، وبالتالي غير قادرين على الاندماج على غرار جماعات أخرى تستطيع إخفاء خصوصياتها والتواري خلف اللامرئية. لكن هذا الطرح يقود آرنت إلى تناقض داخلي؛ إذ تُظهر بيل أن «المرئية» التي تنسبها آرنت إلى السود هي نفسها العامل الذي يعرّضهم للتهميش الاجتماعي وللتمييز العنصري.
ترى آرنت أن سعي الآباء السود نحو الارتقاء الاجتماعي يثقل كاهل أبنائهم بحمل ثقيل يتمثل في خوض معركة كان من المفترض أن يخوضوها بأنفسهم. وفي هذا السياق، ترى بيل أن آرنت تستند إلى تجربتها الشخصية باعتبارها طفلة كانت ضحية للتمييز العنصري في ألمانيا، حيث كانت والدتها تحميها دائمًا من الهجمات العنصرية من البالغين. ومرورًا بهذه التجربة، استخلصت آرنت أن دور الآباء يكمن في حماية أطفالهم من قسوة الواقع، وألا يتركوهم يواجهون العالم بمفردهم. لذا، صُدمت عند رؤية صورة دوروثي، حيث كانت الطفلة في قلب تجربة مؤلمة، تواجهها وحدها بلا سند من والديها (رغم أن والد دوروثي كان حاضرًا في الواقع، إلا أنه غاب عن الصورة). ومن هنا، تساءلت آرنت بتوجس: “هل وصلنا حقًّا إلى النقطة التي بات فيها الأطفال مطالبين بتغيير العالم أو إصلاحه؟”.
وفي نهاية المطاف، كشف التاريخ عن مغالطة الفيلسوفة، حيث أثبت حكم براون الأول الصادر عن المحكمة العليا أنه كان نقطة التحول الفارقة التي انطلقت منها مسيرة تراجع التمييز العنصري في الولايات المتحدة. ومن ثم، يُمكن لبيل، وبكل إنصاف، أن تضع أفكار آرنت في موضع المقارنة مع السياق التاريخي الذي نشأت فيه. ولكن بيل، وفي خطوة أكثر غموضًا، تتجاوز هذه المقارنة لتوسّع النقاش إلى قضية العنف.
٢- رفض العنف
في الجزء الثاني من عملها، توسع بيل نطاق دراستها لتشمل أعمالًا أخرى لآرنت، أبرزها “مقالة حول الثورة (١٩٦٣م) Essai sur la Révolution”، ومقالة “من الكذب إلى العنف (١٩٧٢م) du Mensonge à la violence “. حيث تلاحظ بيل في هذه الأعمال، أن لدى آرنت نزعة واضحة إلى التقليل من شأن الانتهاكات العنصرية التي جرت عبر التاريخ.
تُبدي آرنت إعجابًا بالغًا بالثورة الأمريكية، وتعدّها الثورة الوحيدة ذات الطابع السياسي الخالص، لأنها سعت أساسًا إلى تأسيس نظام حكم جديد يقوم على الحرية. وتنسجم هذه الثورة، في نظرها، مع تصورها المعياري للسياسة المستلهم من النموذج الأثيني. في المقابل، ترى أن الثورة الفرنسية كانت محكومة بالفشل، ولا سيما بسبب انخراطها في السعي إلى القضاء على الفقر، وهو هدف أخفقت في بلوغه. ومن ثمّ، تقدّم آرنت نقدًا حادًا للثورة الفرنسية بوصفها ثورة اجتماعية أكثر منها سياسية، فضلًا عن تبنّيها لقيم كونية كانت الفيلسوفة شديدة التحفظ إزاءها. ولا يخلو هذا الموقف من أثر تجربة آرنت الشخصية مع فرنسا، البلد الذي لجأت إليه فرارًا من النازية، حيث أقامت سبع سنوات قبل أن تُجبر على الهرب إلى الولايات المتحدة، بعد نجاتها بأعجوبة من سياسات الترحيل التي نفذتها السلطات الفرنسية آنذاك.
في هذا السياق، تنتقد بيل آرنت لأنها لم تُدرج، على نحو منهجي، مسألة العبودية ضمن تحليلها للثورة الأمريكية. ومع أن آرنت كانت تُدرج العبودية في اليونان القديمة ضمن نطاق المجال الخاص، فإنها أدانت بشدة امتناع الثوار الأمريكيين عن إلغائها، ووصفت ذلك بأنه «إحدى أعظم الجرائم في التاريخ الأمريكي»، وذلك في مقالها الشهير «تأملات حول ليتل روك».
تتبنى الفيلسوفَتان رؤيتين مختلفتين فيما يتعلق بمسألة العنصرية، إذ تركز بيل على العنصرية ضد السود في أمريكا، والتي تعود جذورها إلى تأسيس الولايات المتحدة. في المقابل، تنشغل آرنت بشكل رئيسي بمسألة معاداة السامية، التي تميزها بعناية عن معاداة اليهودية، حيث تعد الأخيرة أقدم مظاهر لرفض اليهود، ويتزامن ظهورها مع صعود المسيحية في العصور الوسطى. أما معاداة السامية، فهي نوع من العنصرية التي تضع اليهود في إطار عرقي منفصل. وعلى الرغم من تناول آرنت لهذا المفهوم، إلا أنها تكتفي بإشارة غامضة إلى نشأته، مفضلة التركيز على أحداث تاريخية مفصلية مثل قضية دريفوس والمجازر التي اجتاحت روسيا في أواخر القرن التاسع عشر، كما تنظر إلى معاداة السامية على أنها ظاهرة محصورة في السياق الأوروبي، دون أن تجد لها حضورًا ملموسًا في الولايات المتحدة. وأما فيما يخص العنصرية ضد السود، لم تطور الفيلسوفة فعلًا تامًّا معمقًا حول هذه القضية.
تُعبّر بيل عن دهشتها من تغييب الثورة الهايتية عن كتاب آرنت «في الثورة»، على الرغم من مكانتها المفصلية وبُعدها العرقي الواضح، غير أن هذا الغياب يعكس، مرة أخرى، حدود أفق اهتمام آرنت الفكري. فالحقيقة أن الفيلسوفتين تنطلقان من مسارين تحليليين مختلفين: إذ تسعى بيل إلى تفكيك نشأة العنصرية الموجّهة ضد السود، في حين تركّز آرنت على تتبّع الجذور التاريخية للنازية والمحرقة (الشواه). ومن هذا المنطلق، تؤكد آرنت—في موقف تعارضه بيل—أن المحرقة تمثل حدثًا فريدًا في التاريخ من حيث حجمها والطابع المنهجي للإبادة التي صاحبتها، بينما ترى بيل أن ثمة مذابح أخرى ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، كالمجازر التي ارتكبها الأمريكيون بحق السكان الأصليين، أو تلك التي مارسها الأوروبيون ضد الشعوب المستعمَرة.
وإذا كانت بيل محقّة في التشديد على أهمية هذه المجازر السابقة للمحرقة وضرورة إدراجها في السرد التاريخي وعدم تهميشها، فإن توسّعها في استخدام مفهوم «الإبادة الجماعية» لا ينسجم دائمًا مع تعريفه القانوني الوارد في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948م، التي تحصره في الأفعال الهادفة إلى التدمير المتعمّد، الكلي أو الجزئي، لجماعة بشرية محددة. فعلى الرغم من فداحة الجرائم التي تتناولها بيل، فإن لكل واحدة منها سياقها التاريخي والإنساني الخاص، ولا يجوز تسويتها ببعضها أو اختزالها ضمن إطار واحد. وتظلّ المحرقة، بما انطوت عليه من تنظيم صناعي للإبادة داخل أوروبا وأدّت إلى مقتل ملايين البشر، حالةً مميّزة ضمن جرائم القرن العشرين، دون أن يعني ذلك التقليل من جسامة الجرائم الجماعية الأخرى التي تعرّضت لها شعوب مختلفة، والتي تبقى بدورها ذات أثر تاريخي وأخلاقي عميق.
ورغم أن بيل تُجبرنا، عبر مقارباتها المربكة، على مواجهة قسوة الغربيين تجاه الشعوب المضطهدة، إلا أنه يصبح من الصعب اتباع أفكارها عندما تبدأ في تبرير العنف.
لطالما رفضت آرنت العنف، ولكن كما تشير بيل، فإن تركيزها ينصب بشكل رئيس على العنف الذي تعرض له الغرب، في حين أنها تذكر بشكل أقل العنف الذي عانى منه الأفارقة والسكان الأصليون في أمريكا. يدفع هذا التفاوت بيل إلى الشك في تساهل آرنت تجاه هذا النوع من العنف. كما يمكن أن نفترض أن آرنت لم تكن مهتمة بكل أشكال العنف، إذ ركزت على تقديم قراءة تاريخية محورية تتعلق بأوروبا والقضية اليهودية. ومع ذلك، يمكننا أن نتفق مع بيل في أن النزعة الأوروبية لدى آرنت تكاد تلامس أحيانًا حد التعالي تجاه الشعوب غير الغربية، وهو ما يتجلى في استخدامها للمصطلح المستهجن “الترويض domestication” لوصف معاملة الأفارقة على يد البوير Boërs في كتابها أصل الشمولية L’origine du totalitarisme.
وعلى الرغم من مبدئها الرافض للعنف، إلا أن آرنت تدعم انتفاضة اليهود في غيتو وارسو le ghetto de Varsovie. لكن بيل، كما يبدو، لا تستوعب كيف أن آرنت لا تُظهر التسامح نفسه تجاه حركة القوة السوداء Black Power. بيد أن المقارنة هنا تفتقر إلى المنطق، فلو لم تضع بيل هاتين الحالتين في سياق واحد، لما خطر لنا ربطهما، فالفوارق بينهما عميقة، فالأمريكيون البيض ليسوا نازيين، وظروف السود الذين يعانون من التمييز والفصل العنصري لا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنتها بالواقع الدموي الذي عاشه اليهود في غيتو وارسو.
تعيد لنا صورة دوروثي كونتس، وهي تمشي برأس مرفوع وسط حشد مليء بالكراهية، صورة غاندي Gandhi أكثر من صورة القوة السوداء. إن المشاعر التي تثيرها هذه الصورة لم تكن لتلامس آرنت وحسب، بل دفعتها أيضًا للتفاعل مع الحدث على الرغم من أن هذا التفاعل جاء بطريقة قد تبدو غير ملائمة. تلوم بيل، في هذا السياق، آرنت على استخدامها للصور النمطية الأوروبية التقليدية، إلا أن هذا الأمر يمكن فهمه أيضًا باعتباره تجسيدًا لشعور آرنت بالانتماء إلى المجتمع الأمريكي. لقد شعرت تلك المفكرة الأوروبية -التي نشأت على يد أعظم المفكرين الألمان قبل الحرب العالمية، مثل مارتن هايدغر Martin Heidegger وكارل جاسبرز Karl Jaspers وغيرهم- فجأة بأنها قريبة بما يكفي من مراهقة سوداء لتكتب: “لو كنت أمًّا سوداء”. وفي جزء آخر من المقال نفسه، تتساءل: “لو كنت أمًّا بيضاء من الجنوب”. ولكن آرنت ليست واحدة من هاتين الأُمَّين، مما يعمق الفجوة بين تفسيرها للأحداث وتفسير بيل، التي تجد نفسها أقرب بكثير إلى أم المراهقة السوداء، وحتى إلى أم بيضاء من الجنوب مما ستكون عليه آرنت في أي وقت.
لم تذكر كاثرين صوفيا بيل في أي لحظة أن حنة آرنت عنصرية، لا بل سعت وجاهدت لكشف التناقضات التي وقعت فيها الفيلسوفة الألمانية الأمريكية، مثل إهمالها في التمييز بين صور إليزابيث ودوروثي، وجهلها بالحقائق المتعلقة بقضية “الطلاب التسعة من ليتل روك”، فضلًا عن استخدامها غير الموفق للتفريق بين المجالين العام والخاص. هل كان يجب على آرنت أن تتناول عالمًا من الواضح أنها لم تكن تعرفه بوضوح؟ وهل تمتلك كاثرين صوفيا بيل المنظور الكافي لتحليل أفكار فيلسوفة نشأت في مطلع القرن العشرين في سياق أصبح الآن جزءًا من التاريخ؟ هذه بعض من الأسئلة العميقة التي يثيرها كتاب كاثرين صوفيا بيل.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




