مقابلات وحوارات

التحرّر من الصورة التي تشدّنا شدًا – حوار مع تشارلز تايلور حول التعددية الثقافية، والذهن، ودور الفلسفة

حاوره: إبراهيم الكلثم - بسّام بركة

لتحميل الحوار : حوار منصة معنى مع تشارلز تايلور


1–نشكرك جزيل الشكر بروفيسور تايلور على قبول دعوتنا. نوّد أن نفتتح حوارنا بسؤالك عن مشاورك الأكاديمي، واهتماماتك المتنوعة، والمواضيع المتعددة التي كنتَ وما زلتَ مؤثرًا فيها تأثيرًا كبيرًا: من كانوا أشدَّ الأشخاص تأثيرًا في نشوء اهتماميك في الفلسفة والسياسة (إنْ وُجد مثل هذا الشخص)؟ هل وُجِدَ حدثٌ أو كتابٌ زجَّ بك في مجال الفينومينولوجيا؟

قررتُ التركيز على الفلسفة دون غيرها في تحضيري للدكتوراة. أما قبل ذلك، فإنّي نِلتُ درجةَ البكالوريس في التاريخ من جامعة مكغيل، وشهادة أخرى في نفس الدرجة من جامعة أكسفورد في الفلسفة، والسياسة، والاقتصاد؛ ومساري كان السياسة. ولكن أثناء مرحلة دراستي في هذه الشهادة الثانية، وجدتني على نحو متنامٍ استوحش ما رأيته مقاربةً جافّةً وعقيمةً في مقاربة الفلسفة في التقليد الإنجليزي المهيمن، والذي بُني على الأبستيمولوجيا الحديثة في أعقاب ديكارت، ولوك، وهيوم. كنتُ منزعجًا حدَّ أني غيرتُ رأيي بخصوص مستقبلي؛ إذْ كانت نيتي حتى نهاية شهادتي الثانية أن أنهي دراساتي عندها، وأتوظف في منظمات عالمية غير حكومية في مجال مساعدة الطلاب (منظمة خدمات الجامعة العالمية).

ولكنني بدلًا من ذلك سجلت في برنامج دكتوراة ناويًا أن أبحث عن موقف فلسفي يفنّد المذهب التجريبي (empiricism) الذي عُلّمته في أكسفورد، ويستبدله. توسعت في بحثي عن مصادر محتملة، ووقعت على كتاب ميرلوبونتي، «فينومينولوجيا الإدراك الحسّي»، الذي قرأته بحماس محموم. لقد كان طريق خروجي من مأزق المذهب التجريبي واضحًا: عبر الفينومينولوجيا (وقد نُشِرَتْ أطروحتي في الدكتوراة في كتاب بعنوان «The Explanation of Behaviour» [تفسير السلوك]).

2- ولكن منذُ ذلك الحين (عام 1964)، يبدو أن الفلسفة السائدة في العالم الناطق بالإنجليزية (أعني الفلسفة التحليلية) قد مرّت بتغييرات ملحوظة. فمثلًا، «الانعطافة السياسية» مع أعمال فلاسفة كجون رولز، كما ويبدو أنها أخذت تهتم اهتمامًا متناميًا بمسائل قد كانت إلى حد بعيد مهمشة في مطلع تاريخ الفلسفة التحليلية (مثلًا، الاهتمام بالأخلاقيات والأخلاق، وفلسفة «الحياة الطيبة»، إلخ). كيف تقييم هذه التغييرات؟ وما الذي ما زلتَ تراه إشكالًا جوهريًا في هذا التقليد الفلسفي؟

أنتما على حق، وُجِدتْ «انعطافة سياسية» مهمة في الفلسفة التحليلية، كان المسؤول عن استهلالها إلى حد بعيد كتاب جون رولز بالغ التأثير «نظرية في العدالة» (أرجو أنني تذكرت العنوان الصحيح)، ولكنني لم أتحمس لذلك كحماس زملائي الفلاسفة التحليليين؛ إذْ إنه كشف عن بعض من نفس الافتراضات غير الممحصة في الأبستيمولوجيا التحليلية. فما أخذ مأخذ تسليم في الأبستيمولوجيا كان أبستيمولوجيا ديكارت ولوك التي أشرت إليها في جوابي عن السؤال الأول. لقد وُجِدَ تركيز على الفرد في النظرية السياسية، دون محاولة حقيقية في فهم ضروب الروابط الاجتماعية (في اختلافاتها التاريخية)، والديناميكيات الداخلية للضروب المختلفة من المجتمعات التي كانت نتاج ذلك. لقد كانت نظرية سياسية دون سياسة.

3- ما موقفك من الحرية الدينية وممارستها العمومية في كندا؟ وما الأسس الفلسفية (أو الاجتماعية أو السياسية) التي تُقيم عليها موقفك حول حرية المسلمات في ارتداء الحجاب في كندا؟

أؤيد بشدّة الموقف العام حيال الحرية الدينية في كندا. الاستثناء هو التشريع في كيبيك الذي يضع موانع معينة في المهن الوظيفية للأشخاص الذين يرتدون «علامات دينية»، والتي تتعلق خصوصًا بالنساء الذين يرتدون الحجاب، وبناء على هذه التشريعات؛ حُرمنْ من التوظيف في الوظائف التعليمية في المدارس. وقد عارضت هذا التشريع من البداية؛ إذْ شاركت في رئاسة لجنة شُكِّلتْ عندما أُثيرت هذه القيود أول مرة، وخلص تقريرنا إلى اعتراض صارم على هذه القيود.

4- تتحدث في كتاباتك عن حالات مختلفة من العلمانية تختلف باختلاف الزمان والمكان. كيف تعرّف العلمانية؟ وهل يمكن أن توجد مع الدين (على الأقل في الدول الغربية)؟ كيف تقرأ العلاقة بين العلمانية والدول ذات الأغلبية المسلمة؟

علّة حديثي عن ذلك هو أننا دعمنا مفهومًا عن المجتمع العلماني -يُفصل فيه بين الكنيسة والدولة- وهو مبني على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ولكن توجد ثلاثة مفاهيم يصح أن يبنى عليها الفصل؛ أي ثلاثة أشكال أساسية للعلمانية بهذا المعنى (بالفرنسية: Laîcité):

  1. مفهود يقصد منه حماية الدين من تدخل الحكومات.
  2. مفهوم يهدف إلى حماية الدولة من هيمنة دين معين.
  3. مفهوم مبني على حقوق الإنسان، ويقترح وجود دولة محايدة بين الأديان، وكذلك بين الدين وغير الدين. وينافح هذا المفهوم عن حرية الضمير، ويضمن ممارسة الأديان بحرية ضمن حدود معينة وواضحة (مثلًا، ألا تكون ممارسة دين معين حائلًا دون ممارسة دين آخر).

كان المفهوم الأول حاضرًا في زمن تأسيس الجمهورية الأمريكية عام 1787، والمفهوم الثاني مضمرٌ في التشريع الفرنسي عاميّ 1904 و1905 (حين وجدت حركة كاثوليكية مَلكية قوية أرادت إلغاء الجمهورية). ولكن لا يلائم سياقنا إلا المفهوم الثالث حيث لا يوجد دين مهيمن؛ بل تنوعات كثيرة ومختلفة من الأديان والاعتقادات الميتافيزيقية بين المواطنين.

يبدو واضحًا لي أن المفهوم الثالث دون غيره هو شكل العلمانية الوحيد الذي يصح الدفاع عنه في مجتمع متنوّع مثل كندا، وأن تشريعات من قبيل قانون 21 الحالي في كيبيك يشكل خرقًا واضحًا لحقوق مواطنين معينين، كما أنه في غاية الوحشية بالنسبة لنساء معينين غالبًا ما يكن مهاجرات حديثات عهد بالهجرة؛ وعليه، فهن معرّضات لمثل هذا الظلم (إذْ لا يوجد لديهن نظام يساندهن مثل الأشخاص الذين أسسوا أنفسهم منذ زمن طويل في بلدنا).

لذلك أنا أعارض هذا التشريع معارضةً شديدة، ولن يرتاح بالي حتى يسقط. وإلى ذلك الحين، سأشعر بالخزي من كوني كيبيكي.

5- هل ينبغي أن نحصر المفهوم الثالث للعلمانية في الدولة الغربية؟ هل تعتقد أن الثقافات الأخرى مطلوبٌ منها أن تفهم أنفسها دون الإشارة إلى العلمانية (بالمفهوم الثالث الذي أشرتَ إليه للتو)؟

لا، لا أعتقد أن هذا السؤال يخص المجتمعات الغربية دون غيرها؛ بل هو يخص جميع المجتمعات المختلفة دينيًا، وهذا التصنيف يشمل المجتمعات التي لها دين واحد تاريخيًا، ولكنّ مواطنيها لا يلتزمون بهذا الدين -لأي سبب كان- بمن فيهم الملحدين وغير الدينيين. فالهند إبان دستور غاندي-نهرو تعدُّ مثالًا لجمهورية كانت علمانية بالمعنى الثالث الذي ذكرته. توجد محاولة مقلقة جدًا تقوم بها حكومة حزب بهاراتيا جاناتا في الهند لقلب هذا الدستور؛ بحيث تجعل المسلمين مواطنين من الدرجة الثانية؛ بل حتى تضطهدهم. آمل ألّا ينجحوا في ذلك.

6- لكَ نظرة ناقدة للفردانية في المجتمعات الغربية، كما ذكرت في كتابك «أخلاقيات الأصالة». برأيك، هل يمكن أن يعيش الفرد المعاصر ذاتيته دون الغرق في فردانية أنانية؛ خصوصًا في أيامنا الحالية حيث جائحة كورونا تنتشر، وتفضي بالناس إلى شعور متنامٍ بالتكاتف، وشدّ أواصر القربى بينهم؟

توجد مصادر عديدة للتضامن في الديمقراطية الحديثة. وهي عادةً ما تتشكل فيما قد نسمّيه «هوية سياسية»: التكاتف بهدف خلق بنية سياسية ستضمن الخير العام، وازدهار جميع أعضاء المجتمع؛ حيث يقول كل فرد رأيه حول مما يتكون هذا الخير العام. وعادةً ما يحفّز الهدفُ المشتركُ ذاك المعنى من الانتماء الذي يصح أن نسميه «وطنية»، والفخر لكونك عضوًا في هذا المجتمع (ولهذا يعتريني الخزي إذا لم أحقق هدفنا في الدفاع عن رفاه جميع أعضاء المجتمع).

إنّ الوطنية محفزٌ قوي للتضامن، ولكن قد يُدعّم بأخلاقنا الكونية أو إلتزاماتنا الدينية. وهذه الأخلاق والإلتزامات قابلة للتهميش، وعادةً ما تُهمّش. ويحدث ذلك عادةً حين يوجد فصل حاد حول مسألة كيفية تعريف الهوية السياسية، وهو ما نعيشه حاليًا في العديد من الدول الديمقراطية؛ إذْ يقترح بعض الناس أن طيفًا من المواطنين دون غيرهم من ينبغي أن يحظوا بجميع الحقوق والامتيازات (مثلًا: الرجال مقارنةً بالنساء، والأوروبيون البيض مقارنةً بذوي الأصول الأفريقية أو بالسكان الأصليين، والهندوس مقارنةً بالمسلمين، كما تفعل حكومة الهند الحالية). إنّ هذه التحيزات تشرّع مظالم لا يصح الدفاع عنها، وتضيّق حدود التضامن، كما أنها تقدح شرارة نزاعات تكون فيها هوياتنا السياسية العزيزة سببًا للتناحر، وليس عونًا على التكاتف.

 7- تُعرف كندا بتنوع سكانها العرقي والثقافي الذي يعيش فيما بينه دون وجود أي إشكالات كبيرة. ما رؤيتك لمستقبل «التعددية الثقافية» في القرية الثقافية التي نعيش فيها؟ هل سكان العالم الحاليين ملزمون بالتعايش سويًا في مجتمع متعدد الثقافات؟

نعم، إنّ ذلك نتيجة تراكمات متعددة محصلتها ما نسميه «عولمة»: التراكمات الاقتصادية، والثقافية، وتلك الناتجة من الهجرات الجماعية التي تفضي بنا إلى العيش جميعنا بين جيران من مختلف الأصول الثقافية، والعرقية، والدينية، والثقافية، واللغوية؛ إلخ. وقد تعاش هذه التجربة من ناحيتين: إما ازدياد نفور  السكان من «الأجانب» (تذكر مثلًا ردات فعل العديد من الدول الأوروبية إزاء اللاجئين من الحرب في سوريا وغيرها)، أو أن يدرك السكان «الأصليون» أن حياتهم قد أصبحت أثرى بقدوم أناس لهم مختلف المظاهر، والمهارات، والممارسات الثقافية، والفنون، والرقصات؛ إلخ. وقد أفضت هذه الاستجابة الإيجابية إلى تدعيم ما نسميه «تعددية ثقافية» في كندا.

ولا أريد أن يفهم من كلامي أننا جميعنا صالحون؛ بل إنّ ردتيّ الفعل الإيجابية والسلبية موجودة في بلادنا فيما يخص حضور المهاجرين (انظر مثلًا في دعم قانون 21 في كيبيك). إنّ  الحظ وواقعة أن الدولة بُنيت بواسطة المهاجرين هما ما أدى إلى تدعيم «التعددية ثقافية» في كندا، ولكن بصرف النظر عن ذلك، لا يوجد خيار نقارع به العدائية والارتياب من الآخر في عالم ما فتئ يزداد تنوعًا واختلاطًا إلا تبنّي عقلية «التعددية الثقافية»؛ حيث تُرى التعددية بوصفها إثراءً، وليست تهديدًا. إنّ ما يضمن بقاء التعددية الثقافية هو التجربة المعاشة؛ خصوصًا من الشباب الذين يجدون أن حياتهم قد أصبحت أغنى، وأعمق، وأشمل في معنى الإنسانية بواسطة مصادقتهم لأناس ذوي أصول متنوعة، وأديان وثقافات مختلفة.

(وأقول، على مستوى حياتي الشخصية، كانت هذه هي تجربتي المعاشة؛ فمثلًا، بعض المسلمين الذين قابلتهم، وقرأت عنهم، ساعدوني في تشكيل هويتي. إنّ موجة الإسلاموفوبيا التي تكتسح الغرب ليست مجرد آفة؛ بل هي عبثية ومنافية للحقائق).

8- ما دور اللغة في بناء الثقافة وتشكيل الهوية؟ هل تعتقد أن التعددية اللغوية أفضت إلى التعددية الثقافية وتعدد الهويات؟ هل ترى أن الأحادية اللغوية -كما في المنطقة العربية- تكشف عن وحدة الثقافة والهوية؟

اللغة لازمة في تشكيل الثقافات والهويات؛ ولهذا فإنّ التعددية اللغوية بالغة الأهمية اليوم في هذا العالم المعولم؛ حيث تعيش مختلف الثقافات جوار بعضها. إنّ التعددية اللغوية تعزز التفاهم، وتقوض شيطنة الآخر.

9- سؤالان مرتبطان بمفهوم الديموقراطية:

  1. هل تقبل أن تتعايش الديمقراطية -التي ورثها الغرب من الإغريق القدامى، ومارسها في سياقات مختلفة عبر تاريخ ممتد طويل- مع أنظمة سياسية أخرى؟ هل تقبل الديمقراطية وجودها؟
  2. يعيش أغلب سكان العالم المعاصر (وعلى وجه التحديد في الغرب) في جوّ «ديمقراطي»، ولكنّك قلت في عدّة مناسبات إنّ الديمقراطية تعاني ضعفًا وتقهقرًا. هل ينبغي علينا أن نغيّر الديمقراطية ونطوّرها؟ أم ينبغي علينا أن نخترع نظامًا اجتماعيًا وسياسيًا جديدًا؟

إجابة عن السؤال الأول: لا شك في ذلك، فأولئك الذين يعيشون في بلدان ديمقراطية يعدّون وجودها يهيء لهم طريقًا لحياة أفضل، بواسطة وجود الحريات التي تقدمها، ويضمنها القانون، والفرص التي تقدّمها للمشاركة في تشكيل القانون والسياسات. وأعني ذلك حينما تؤدي الديمقراطية وظائفها كما ينبغي لها، وليس كما هو حالها في دول مثل روسيا؛ حيث لا تُضمن سيادة القانون، والانتخابات صورية جزئيًا. ولكن لا يصح أن تفرض الديمقراطية على الناس من الخارج؛ فلا بد أن تتعايش مع أنظمة غيرها.

وهذا لا يعني أننا لا نرحب بسيرورة الديمقراطية حينما تحدث، أو الإجراءات الاقتصادية -مثل المقاطعة- التي قد تقوض أنظمة سياسية غير ديمقراطية، وعلى وجه الخصوص تلك التي تنتهك حقوق الإنسان.

إجابة عن السؤال الثاني: لا بد من استدامة تحسين الديمقراطيات، والأهم من ذلك، الحيلولة دون تقهقرها، مثلًا، كما نرى في الأحداث الحالية: توجد انشقاقات عميقة فيما يخص الهويات السياسية الديمقراطية، كما ذكرت آنفًا في إجابتي عن السؤال السادس.

إنّ أزمة هذه الحالات نابعة جزئيًا من اللامساواة التي ضُمّنَتْ في الهويات السياسية والتاريخية: الرجال مقارنةً بالنساء، والبيض مقارنةً بالسود والسكان الأصليين، واضطهاد المثليين. إننا نعيش في زمن يتنامى فيه وعي مفاده أن الدفاعَ عن هذه المظالم متعذّرٌ، وتبرز فيه مطالب إنهاء هذه المظالم. وقد أنتج ذلك ردَّ فعل عنيف، والكفاح الناجم عنه ولّد انشقاقات عميقة، واختلافات جذرية حول طبيعة هوياتنا السياسية. وآمل أن الأجيال الصاعدة ستؤيّد المساواة وتحتفي بها أكثر من كبار السنّ أمثالي.

10 – اشتهرت بأنك فيلسوف، ولكن لك مواقف صارمة حول مختلف مناحي الحياة؛ كالسياسة، والمجتمع، والتعليم؛ وغيرها. هل ترى أن دور الفلسفة اليوم محصور في التفكير في حياة الناس اليومية؟ أم يوجد دور جوهري لا بد أن تؤديه الفلسفة نفهم بواسطته حياتنا المعاصرة؟ وهل تعتقد أن الفلسفة فقدت دورها السابق، وينبغي عليها أن تعيد بناء نفسها توافقًا مع ما طرأ من تغيير في الفرد المعاصر؟

أوّد أن أُعرّف الفلسفة بوصفها محاولة تحديد مفاهمينا الأساسية التي نتحدث عنها، ونفكر بواسطتها في وجوه الواقع المختلفة، ونقد هذه المفاهيم نقدًا فاحصًا. إذْ توجد أسئلة فلسفية حول الفيزياء، وعلم الاجتماع، والسياسة؛ إلخ، ولا بد أن تجد الفلسفة موطئ قدم، وإلا سرنا على عمى، واتبعنا أنماط تفكير لم تفحص فحصًا ملائمًا، كما كان حالنا مع النظريات التجريبية للمعرفة التي ثُرْتُ عليها.  جميع الحقول المعرفية تتطلّب التأمل الفلسفي من حين إلى آخر، ولكن لا يصح أن تكون الفلسفة حقلًا منفصلًا، كما كانت ترى نفسها. توجد جوانب عامة منها قد تُدرّس منفصلة عن غيرها -مثل المنطق- ولكن عندما نفكر في المسائل الفلسفية المضمرة في العلوم الإنسانية؛ أي تلك المسائل التي تخص جوهر البشر، وأساس المعرفة، ولبّ المشاعر، وطبيعة المجتمع؛ إلخ -باختصار، مسائل ما نسميه «الأنثروبولوجيا الفلسفية»- لا يصح أن تفكر فيها دون إلمام معرفي بحياة البشر في جوانبها المختلفة: أشكال المجتمع، وجوانب الحياة الذهنية والعاطفية، وطبيعة التواصل اللغوية؛ إلخ. لا يصح أن تكون الفلسفة في هذا الموضع حقلًا منفصلًا. لا يصح مقاربة الأسئلة الفلسفية حول المجتمع دون قسط كبير من المعرفة حول المجتمع؛ أي، تلك الأمور التي نتعلّمها من دراسة علم الاجتماع، وعلم السياسة؛ إلخ. إنّ تاريخ الفلسفة يتطلّب معرفة بالتاريخ؛ إلخ.

باختصار، لن تفقد الفلسفة دورها إلا بـ«تسطيح» الفكر الإنساني عمومًا، ولكن هذا الدور لن يمارس دون الاستعانة بالعلوم المتخصصة.

11 – قدّمت في كتابك «حيوان اللغة» مفهومك حول دور اللغة في تشكيل الذهن البشري، والكون من حوله. أيسعك أن تُلخّص رؤيتك حول اللغة ودورها في تشكيل البشر؟ هل يوجد لها دور في تشكيل الهوية الفردية والهوية الجمعية؟

أتفق مع أرسطو في قوله إنّ اللغة هي السمة المحددة للإنسان؛ فنحن «حيوان اللغة» (باليونانية: zoon echon logon)، ولكن اختلافي الجوهري هو أنني أرى أن اللغة عادةً ما عُرّفَتْ تعريفًا ضيقًا. فقد عامل التقليدُ التجريبي في الفلسفةِ اللغةَ بوصفها وسيلة لترميز المعلومات وحفظها، ولكنها أكثر من مجرد ذلك. سعيت في كتابي إلى محاولة استكشاف أدوار أخرى تؤديها اللغة: مثلًا، أدوار تكوينيّة في تحديد المشاعر، أو في نُطق أعمق حدوسنا حول الأخلاقيات والإيمان الديني، أو في تأسيس الأرضية التي نقف عليها سويًا حين نتبادل أطراف الحديث -مثلًا، هل نقف بوصفنا متساوين أو تابعين؟- دع عنك دور الشعر، أو عن علاقته بالموسيقى. عالجت بعض المسائل في «حيوان اللغة»، ومهّدت الطريق لغيري، وهو طريق أسير عليه في جزء ثانٍ لهذا الكتاب.

12- هل يمكن أن تذكر بعض تفاصيل هذا الجزء الثاني؟ ما أفكاره الرئيسية التي تسعى إلى استكشافها فيه؟

مثلما أن «حيوان اللغة» يبني على نظريات اللغة التي بزغت عند الرومانسيين الألمان -الشعراء منهم والفلاسفة- فكذلك الجزء الثاني يناقش بعض محاولات الشعراء الرومانسيين، وما بعد الرومانسيين -الألمان وغيرهم- لاستعادة جانب من الصلة بالكون (الكوزموس).

13- شاركت مع الراحل هيوبرت درايفوس في تأليف كتاب «استعادة الواقعية»، ونود أن نناقش هذا الكتاب بشيء من التفصيل بواسطة الأسئلة التالية:

  1. استهللتما الكتاب باقتباس لفيتغنشتاين من كتابه «تحقيقات فلسفية»: «توجد صورة تشدّنا شدًا»، ويبدو الكتاب برمته شرحًا لهذا الاقتباس. دون الدخول في التفاصيل، ما هي هذه «الصورة»؟ بمَ يختلف تشخيصكما وتحليلكما النقدي بخصوص نزوعنا إلى الوقوع في فخ هذه «الصورة» عن بقية الانتقادات الموجهة إلى «النزعة التأسيسية» التي عادةً ما يجدها المرء في النصوص الأبستيمولوجية في تقليد الفلسفة التحليلية؟
  2. تعدّان هذه «الصورة» أكثر من مجرد نقاش أكاديمي حول موضوع أبستيمولوجي؛ بل قد يُرى بوصفه أمرًا له عواقب جسيمة بخصوص فهمنا لأنفسنا والعالم من حولنا. هلّا فصلت في هذه الفكرة؟
  3. كان ريتشارد رورتي هو المحاور الحاضر/الغائب في هذا الكتاب. ما الذي لم يفهمه رورتي على وجهه بخصوص هذه «الصورة»؟
  4. يبدو أنكما تفضّلان في هذا الكتاب توجهًا معينًا في فلسفة الذهن وعلم الإدراك؛ ألا وهو «الإدراك المجسّد». كيف تفهم «الإدراك المجسّد»؟ وهل يمكن أن يساعدنا هذا التوجه في الهرب من قبضة هذه «الصورة»؟

بعبارة مبسطة، إنّ «الصورة» التي تشدّنا شدّا في الأبستيمولوجيا الديكارتية-اللوكيّة هي الذهن [أو العقل] داخل الجسد، والذي يستقبل إحساسات من العالم الخارجي، عبر الحواس، والذي يُزعم أنه يمنحنا رؤية عن العالم «الخارجي». وعليه، تنزع هذه النظرية إلى وضع سؤال شكوكي: كيف نعرف أن نظريتنا المبنية داخليًا عن العالم تتوافق مع الواقع «هناك»؟

وأردنا أن نستبدل هذه الصورة بصورة أنسب يكون فيها فهم الفاعل البشري للعالم نتيجة محاولاته المستمرة في التعامل مع محيطه. أولًا، كونه فاعلًا مجسدًا يشق طريقه ممسكًا بالأشياء، مستكشفًا محيطه، مكونًا أثناء ذلك فهمًا عن العالم؛ والتكوين هذا يشمل التعرّف على اللغة. إنّ إلهامنا الأساس لهذا الفهم الفلسفي نابع من تقليد الفلسفة الفينومينولوجية، وعلى وجه التحديد، فلسفة ميرلوبونتي.

إنّ فهمنا للعالم لا يبزغ «في» الذهن فحسب؛ بل في فضاء التفاعل بين الذهن والعالم. وعليه، جاء مصطلح «الذهن المجسّد».

أما ريتشارد رورتي، فقد شاركنا العديد من الانتقادات الموجهة لتقليد الفلسفة التحليلية، ولكن انتهى به الحال (في نظرنا) إلى قبول الكثير من نتائج الأبستيمولوجيا الشكوكية السائدة، وهذا يعني وضع فهمنا للذهن المجسّد على نفس مستوى الأبستيمولوجيا التاريخية؛ فكلاهما [في نظره] متساويان من ناحية أنهما بلا أساس، ورأس الأمر [في نظره] هو أن تختار «المحادثة» التي ستشارك فيها، مع ما يستلزمه ذلك من تبني افتراضات غير مؤسَسَة.

14- سُرِرَنا بالحديث معك بروفيسور تايلور. نود أن ننهي هذه المحادثة بسؤالك عن مشاغلك الفكرية الحالية -غير تتمة «حيوان اللغة»- التي قد نرى نِتَاجها في المستقبل المنظور؟ وهل توجد مشاريع فلسفية تود أن يشتغل عليها الأجيال الشابة من الفلاسفة؟

من ضمن مشاريعي الحالي دراسة الشعراء الما بعد رومانسيين، كما ذكرت آنفًا في إجابتي عن السؤال 12. كما أنني مهتمٌ اهتمامًا بالغًا بما يقع في الديمقراطيات المعاصرة التي تقاسي ضغوطات ضروب مختلفة من معاداة الأجانب واستبعادهم، واستبعاد الأقليات الثقافية. وأشتغل كذلك على مفهوم لتاريخ النمو الأخلاقي للبشر، مبني على مفهوم «الثورة المحورية» لكارل ياسبرز. وأرى أن هذا النمو لا بد فهمه عالميًا؛ أي، ليس فحسب على ضوء دين واحد أو تقليد فلسفي واحد؛ بل جاء هذا النمو -إنْ جاز التعبير-  بين جميع هذه التقاليد، وبمساعدة منها كلّها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى