• من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • تواصل معنا
  • دخول / تسجيل
  • اللغة
    • English
    • Chinese

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

منصة معنى الثقافية
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
هدهدة
No Result
عرض جميع النتائج
السبت, أغسطس 29, 2026
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
No Result
عرض جميع النتائج
منصة معنى الثقافية
هدهدة

كرومر: قصة قصيرة | من «ذا أتلانتيك»

بواسطة معنى
23 يناير، 2025
من ذا أتلانتيك
A A
كرومر: قصة قصيرة | من «ذا أتلانتيك»

بقلم: بول يون

في منطقة نيو مالدن كانا يمتلكان متجرًا صغيرًا معًا. لقد كان المكان الذي يمكنك الحصول فيه على المجلات وصحف القيل والقال من سيول. بعد ذلك عندما حصل الجميع على هواتف ذكية، أصبح المكان المناسب لاقتناء حافظات لها على أشكال القطط اللطيفة والأبقار وأفراس النهر، والمكان المناسب لاقتناء أقلام الجلّ أيضًا. كان الطلاب يشترون بعض الألوان بينما كانوا يمرون لأخذ المشروبات الغازية، أو عندما يصبح الجوّ أكثر دافئًا وهم ينتظرون دورهم أمام ماكينة صنع الثلج، التي أقنع هاري زوجته بضرورة شرائها. في البداية كان هاري يريد آلة لعبة بينبول (pinball)، واضطرت غريس إلى إخباره أن هذا أمر سخيف. مَن مِن الأطفال يلعب بينبول هذه الأيام؟

لم يمانع هاري مجيء الأطفال أبدًا -فقد ساعده الأطفال على نسيان أنهما استيقظا يومًا ما ليجدا نفسيهما في منتصف الأربعينيات من العمر- لكن غريس كانت تذهب إلى المخزن الخلفي كلما دخلوا. قالت إن السبب في ذلك هو أن أصواتهم بدت لها مثل آلات فرم الورق، وكانوا دائمًا يأخذون صندوقًا ما ويتركونه في مكان آخر. لكن هاري كان يعرف السبب الحقيقي وراء ذلك، فقبل سنوات جاء أحدهم إلى المنضدة بينما كانت غريس ترتب الأقلام، وسألهما عما إذا كانا كوريين شماليين حقًا وكيف كانت الحياة هناك، وما إذا كانا يعانيان أي عيوب صحية أو مشكلات في الأسنان، وما إذا كانا في الواقع أخوين أو شيئًا من هذا القبيل.

كان أحد الآباء قد ذكر تعليقًا بشأنهم، ربما على العشاء، أو في أثناء مروره بالمتجر، وكان طفله يسمع ذلك. لقد حدث هذا عدة مرات على مرّ السنين، ومن المحتمل أن يحدث حتى وفاتهما.

لم يكن هاري وغريس كوريين شماليين بالكامل. كان أبواهما قد فرّا معًا في أوائل السبعينيات، ثم وجدا بعد شهر منزلًا هنا في الجالية الكورية جنوب غرب لندن، والتي نمت أكثر مع مرور السنين. وجد والد غريس عملًا سائق شاحنة توصيل، بينما عمل والد هاري في متجر لبيع المنتجات المنزلية والحدائق، وتجول هاري وغريس لاحقًا في الدفيئة الزراعية محاولين التعرف على أسماء النباتات والزهور. إذا كان هناك حديث عن الرجلين اللذين هربا من الشمال فإن التركيز عليهما يتضاءل مع مرور السنين؛ لأن مزيدًا منهم فعلوا الشيء نفسه، وجاءوا إلى نيو مالدن. تزوج أبواهما من امرأتين كوريتين جنوبيتين؛ وأنجبا طفلين، وغريس أكبر من هاري بسنة.

كان هاري وغريس يعرف أحدهما الآخر طوال حياتهما، وكان زواجهما أمرًا محتملًا لم يتحدّثا عنه أبدًا حتى حدث. عندما كانا طفلين قضيا بعض الوقت معًا في شقّتيهما مداورةً، وكانت إحدى والدتيهما تطبخ لهما؛ وكانا يذهبان إلى المدرسة معًا، وكانا يتشاجران حول ما سيشاهدونه على التلفاز، ومن سيقود الدراجة، ومن سيجلس في الخلف. عندما كبرا كان أحدهما يضرب بطن الآخر وهما يسرقان سجائر أحدهما الآخر، ويذهبان إلى الحديقة العامة للتدخين وقراءة المشاهد الغريبة في الروايات بصوت عالٍ بعضهما لبعض. وتسللا بعيدًا إلى ويمبلي لمشاهدة حفل تكريم فريدي ميركوري، وعندما بدأت آني لينوكس الغناء فهمت غريس ما يعنيه اختطاف الأنفاس. مع مرور السنين صارا يتدربان على اللغة الكورية لأنهما نسيا بعض الكلمات والعبارات، كما أنهما تساءلا أكثر فأكثر عن طفولة أبويهما، اللذين لم يتحدثا أبدًا عن حياتهما التي سبقت هذه الحياة.

في أحد أيام الشتاء كان هاري وغريس في الخارج يمشيان عندما انفجرت قنبلة تابعة للجيش الجمهوري الإيرلندي على بعد بنايتين. ومع هذا البعد رفعت قوة القنبلة غريس إلى ذراعيه، كما لو كانت منطادًا يهبط في الرياح. لقد تذكر الصمت الغريب العائم عندها. شكل معطفها الأحمر الذي يشبه المنطاد، ثم الثلج، الذي لم يكن ثلجًا، بل خياراً من الطوب الذي تطاير، وارتماء غريس فجأة بين ذراعيه، حيث كان المكان الأكثر أمانًا الذي يمكن لها أن تتخيله دائمًا كما أخبرته لاحقًا.

ورأى خريطة المستقبل التي تتكشف لهما. لقد رآها دائمًا. لقد أبقتهما على مرّ السنين وأنجحت المتجر. ما لم يتوقعه هو فقدان ثلاثة من والديهم في غضون عامين. توفي والد هاري بسبب تمدّد الأوعية الدموية في الدماغ، ووالدته بالسرطان ، وكان والد غريس يعاني مرضًا ي القلب، أو ربما جرحًا فيه بعد أن فقد صديقه والد هاري. 

ثم قررت والدة غريس أنها اكتفت من نيو مالدن. لم تكن غريس وهاري على علم بأنها كانت تشعر بالاستياء هناك. لقد خطّطت للانتقال إلى ولاية أريزونا، حيث كان لديها ابن عمّ، وألا تأخذ معها شيئًا تقريبًا.

لم يكن هاري رجلًا يؤمن بالخرافات، ولا روحانيًا، ولكن مع رحيل والديه ووالد غريس صار يؤمن بالأسى، الأسى المذهل الذي لا يمكن تفسيره. كان شعور الحيوان البطيء والثقيل مثل المعطف الذي لا يستطيع خلعه أبدًا. لقد غير ألوان النهار وأصواته. كل لحظة كانت تذكره بوالده: عندما تمشي امرأة وهي تحتضن نباتًا في وعاء، أو عندما يأتي صوت من زاوية الشارع، أو عندما يظهر تقرير إخباريّ عن كوريا الشمالية، أو عندما تظهر والدة غريس ومعها قائمة بالأشياء التي يمكن أن يحصل عليها هاري وغريس إذا أرادا، كألبوم صور قديم، ملابس، منفضة سجائر، زجاجة مشروب غير مفتوحة، دراجة.

لم يخبر غريس بذلك مطلقاً، لكنه شعر بالارتياح بعض الشيء عندما أعلنت والدتها قرارها بالذهاب إلى أريزونا. كانت والدة غريس ترسل كلّ بضعة أشهر بطاقة بريدية من صحراء أريزونا، كانت غريس تلصقها على جانب السجلّ، وكان ينساها في الغالب حتى تأتي البطاقة التالية.

واعتقد هاري أنه ربما سيتقرّب من غريس بطريقة جديدة بعد أن بقيا وحدهما؛ سيكتشف جزءًا مختلفًا من الخريطة التي كان يحملها في رأسه. في النهاية سوف يتخلصان من هذا المعطف، ويجدان بعض الهوايات للقيام بها معًا أو تكوين صداقات جديدة، أو رؤية المزيد من الأشخاص الذين ذهبا معهم إلى المدرسة. ربما يدخران بعض المال ويذهبان في رحلة – ولو لفترة وجيزة، إلى مكان ما حيث لا يعرف أحد شيئًا عنهما، وحيث يكونان مجهولين.

ولكن في غياب عائلتيهما، أصبحا أكثر عزلةً وانفصالًا في الحياة خارج نطاق متجرهما وبعضهما مع بعض. ولو سأله أحد ما عن سبب حدوث ذلك أو كيفيته، فإنه لا يعلم. كان ينظر حوله ليجد أن فترة ما بعد الظهر قد انتهت تقريبًا، ويدرك أنه لو اختفت غريس لما كان ليلاحظ ذلك. كان الأمر كما لو أن الأيام، وكلّ الساعات في تلك الأيام، قد تصلبت وتحولت إلى حلقة حولهما. شعر كأنّ هناك شيئًا مخفيًّا خلف السحب وهو ينتظر أن ينكشف.

كانا يذهبان إلى العمل، ويفتحان المتجر، ويبقيان حتى إغلاقه، ويبيعان ما يبيعان، ويستلمان الشحنات، وينظفان الأرضيات، ويمسحان المنضدة، ويحتفظان بالكتب، ويتناوبان على تناول الغداء في الغرفة الخلفية، ويتصلان بالشرطة عدّة مرات في الشهر بسبب الأشخاص الذين يتسببون بالمشكلات أو الأشخاص الذين لا يريدون المغادرة.

لم يتغير شيء. في إحدى الليالي، في غرفة نومهما، انقلب على جانبه منهكًا، ولم تكن المرة الأولى التي يشعر فيها بالذهول حين يدرك أن المرأة التي بجانبه هي الشخص الوحيد المتبقي في الدائرة المباشرة التي يمكن أن يطلق عليها اسم عائلته. ربما كان قرارهما بعدم إنجاب الأطفال خاطئًا. هل فات أوان ذلك؟

ضحكت غريس.

قال لها وهو يغمز لها: “لكن هذا لا يعني أننا لا يمكن أن نحاول”!

قالت له: “هل غمزت لي للتوّ”؟

ما الذي كانت تنظر إليه دائمًا عبر الإنترنت؟ تساءلَ عن عدد المرات التي فكر فيها أبواهما بالمكان الذي تركاه وراءهما. ما إذا كانا سعيدين حقًا هنا، وما إذا كانا قد حظيا بزواج جيد، وكانا قادرين على تجاهل الكوريين الجنوبيين الذين كانوا يسمعونهما -هما وزوجتاهما- أشياء بسبب هويتهما؛ وما إذا كانت نفسيتهما قد تعافت من المشاجرات الحتمية والكلمة المسيئة المكتوبة على سيارتيهما بالرش: “شيوعي”. وما إذا كانا قد ندما على إنجاب أطفال. وماذا كان يدور في أذهانهما لحظة وفاتهما. إن كان هناك أي شيء يدور فيهما أصلًا.

قال هاري أكثر من مرة: “دعيني أمت أولًا”، وكانت غريس تجيب دائماً: “لا أعتقد ذلك”!

بدأ بإهداء أقلام الجل، ومحاولة تذكر أسماء جميع الأطفال، ومعرفة ماهية القيل والقال وما اعتقدوا أنه رائع، والأفلام والبرامج التلفزيونية التي يجب مشاهدتها.

وحتى لو حاول جاهدًا فلن يتمكن من تذكر وجه والده. كان يتذكره عندما لا يحاول فقط.

كان يحلم بالزهور التي كان دائمًا ينسى أسماءها زهور ضخمة حملتها غريس عبر نهر واسع، وكادت أن تتعثر بينما ظلّت تقول: “لا أعتقد ذلك”.

كان هاري على وشك أن يغلق المتجر في إحدى ليالي الخريف عندما رن الجرس وفتح الباب. في البداية اعتقد أنه لا بدّ أن يكون أحد الأطفال، وكان كذلك حقًّا. كان يرتدي سترة من نوع هودي، لذا لم يتمكن هاري من رؤية الدم على الفور. ثم بانت ملامح الطفل تحت أضواء المحلّ، كان أنفه مصابًا. كان الدم ينزف على شفتيه، وكان الطفل يلعقها كما لو كان كلبًا.

مدّ هاري يده إلى ذراع الطفل، لكن الطفل شعر بالفزع. قال هاري: “لا تخفْ. أنا هاري. هذا هو متجري”. لقد تحدث باللغة الكورية، متسائلًا عما إذا كان الطفل سيفهم، وفهمه.

قال هاري: “ما اسمك”؟

قال الطفل: “لا أعلم”.

كان يبلغ من العمر 12 عامًا تقريبًا، وليس أكثر من 13 عامًا.

قال الطفل: “لا يمكنني… لا يمكنني أن أتذكر”.

دخلت غريس من الخلف. كانت تريق دلو الماء على الأرضيات وهي تحمل الممسحة. تجمد الطفل، وأكّد له هاري ألا يخاف؛ لأنها زوجته.

لقد خطّطا لمشاهدة فيلم في تلك الليلة، والخروج لتناول العشاء، وهو أمر لم يفعلاه منذ وقت طويل. حتى إنه حجز في مطعم السوشي الذي ذهبا إليه بمناسبة عيد ميلادها في أحد الأعوام، وهو المطعم الذي يحتوي على كشك زاوية في الخلف بستائر جعلتها تشعر وكأنهما من المشهورين.

كان المكان مظلمًا في الخارج، وكان الثلاثة يتأملون وهم ينظرون في النافذة، كانوا واقفين بلا حراك.

قال هاري: “يجب أن نتصرف حيال ذلك”.

مسح الطفل أنفه بكم سترته، وأصدر صوتًا يوحي بالانزعاج.

قال هاري: “دعنا نبعدك عن النوافذ”، ومدّ يده إليه مرة أخرى. هذه المرة، سمح له الطفل بذلك. أرشده هاري إلى الممر المؤدّي إلى الغرفة الخلفية، وكانت غريس تنظر إليهما طوال الوقت، وكانت لا تزال تحمل الممسحة بينما تغلق الباب الأمامي.

أجلس هاري الطفل ووضع منديلًا على أنفه، وطلب منه أن يرفع رأسه إلى الخلف. سأله عما إذا كان يتذكر أي شيء، فأومأ الطفل برأسه وأشار إلى هاتف هاري.

اتصل الطفل. كان بإمكان هاري سماع المرأة على الطرف الآخر وهي ترد وتبدأ في الصراخ بهستيرية. أومأ الطفل كثيرًا، كما لو أن المرأة كانت هناك معهم، وكرر أنه لا يستطيع التذكر. سأل الطفل هاري عن المكان فقال: “نيو مالدن، جنوب غرب لندن”. ثم وصف له زاوية الشارع حيث كان المحل. كرر الطفل كلّ شيء، ثم أغلق الخط وتوقف لبرهة. ثم نظر إلى هاري وقال إنه عندما اتصل بالمرأة وكان يتحدث إليها، كان يعلم أنها والدته، لكنه الآن لم يعد متأكّدًا بعد الآن.

قال هاري: “ومن عساها تكون”؟

فرك الطفل رأسه، ثم رفعه مرة أخرى. وقال إنه لم يشعر قبل ذلك بالحيرة إلى هذا الحد. قال إن الذكريات كانت تعود إليه، ولكن كان الأمر كما لو أن الذكريات كانت على بعد خطوة دائمًا، مع العلم أنه كان يحاول الوصول إليها.

وصل اثنان من رجال الشرطة، فقد اتصلت بهم غريس. اعتقد هاري أن الطفل سيحاول الهرب لكنه لم يفعل. انزلق على الكرسي وأمسك أنفه وأغمض عينيه.

ذهب هاري معه إلى المستشفى. أعطاه الطفل الرقم الذي اتصل به، وترك هاري رسالة للمرأة عن المكان الذي سيذهبان إليه. مكث في المستشفى طوال الساعات الثلاث التي قضاها الطفل هناك، وأبقاه يتحدث بينما ضمدت الممرضة أنفه المصاب، وأجاب عن أسئلة رجال الشرطة واستمع إليهم وهم يطرحون أسئلة على الطفل.

سأل أحد رجال الشرطة إذا كان الطفل في سيارة. وقال إن إصابة الأنف تشير إلى احتمال وقوع حادث سير. كان من الممكن أن تسبب صدمة الرأس فقدانًا جزئيًا للذاكرة. سأل ما إذا كان الطفل هو من يقود السيارة.

كلّ ما ظلّ الطفل يردّده هو “كرومر”، فظنّ أنه يعيش في بلدة كرومر.

قال هاري: “بجانب البحر”؟

دوّن الشرطي شيئًا ما في دفتر ملاحظاته.

كانت بلدة كرومر هي المكان الذي ذهب إليه هاري وغريس لقضاء شهر العسل. كان لدى صاحب المطعم الكوري في الشارع ابن عم يعمل في فندق على شاطئ البحر، وقد حصل لهما ابن العم على خصم تخفيضي. لقد أمضيا ساعات على الممشى الخشبيّ وزارا الحانات وتسوّقا. لقد كان المكان كبيراً.

وتساءل عما إذا كان الطفل يعرف صاحب المطعم بطريقة ما، وإذا كان هذا هو السبب وراء وصوله إلى نيو مالدن. قال اسم الرجل لكن الطفل هز رأسه.

ثم وصلت والدة الطفل. كانت أصغر بكثير مما تخيله هاري، في أوائل الثلاثينيات من عمرها، وترتدي النوع نفسه من السترة التي يرتديها الصبي. اقتربت من هاري وقالت: “شكرًا لك، شكرًا لك، شكرًا لك”! وانخرطت في البكاء. كانت رائحتها مثل الشامبو القوي. أظهرت للشرطة رخصتها، ثم صورة للطفل في حقيبتها.

قال الشرطي وهو يعيد لها بطاقة هويتها: “كرومر”.

همس الشرطي لهاري بينما كانا يشاهدان اجتماع الشمل: “أراهن بعشرة جنيهات… عشرة جنيهات أنه كان الأب. لقد أخذ الصبي. وأصبح في حالة سكر. ارتطمت السيارة في مكان ما. سنجد السيارة ومن ثم الرجل”.

لقد عرفها الطفل بوضوح، لكنه لم يتمكن من معرفة شعوره تجاهها. ومع ذلك عندما عانقته وضع ذراعيه حولها، وبقيا هكذا لبعض الوقت، أجسادهما مثل صدفة عملاقة في قاع البحر.

وعندما عاد هاري إلى المتجر كانت الساعة تشير إلى الواحدة صباحًا تقريبًا. في الشارع مرت سيارة أجرة، ثم سارت فتاتان ترتديان التنانير على الرصيف، وهما تتمايلان وتلوّحان بالعصي المضيئة.

وكانت غريس حيث تركها، تمسح الأرضيات. أخبرها أنها قد مسحت الأرضيات سابقًا. تثاءبت وفركت عينيها بمفاصل أصابعها. سألت عن الطفل. أراد أن يقول شيئًا عن الفيلم والعشاء اللذين خطّطا لهما، لكن حلقه كان متشنجًا وكان جسده فجأة ثقيلًا مثل كيس البطاطس. انتقلت قناة الراديو إلى فاصل إعلان تجاري، وامتلأ المتجر بصوت اللغة المتسارع مثل تغريد العصافير، ومدّ هاري يده وفك أصابع غريس من الممسحة.

ولم يعرف هاري أبدًا من هو الطفل، أو ما حدث له تمامًا. لم يكن يعرف ما إذا كانت الشرطة قد عثرت على سيارة، أو ما إذا كان هناك أب حقًّا. لقد بحث عن أخبار عبر الإنترنت عن حادثة في الحي في اليوم التالي وطوال الأسبوع، ولكن لم يُذكَر أي شيء. حتى إنه سأل شرطيًّا آخرَ توقف في المتجر لتناول القهوة، وشرح له هاري الأمر. أخذ الشرطي عددًا قليلًا من الأقلام الموجودة على المنضدة، وقال إنه آسف، وأن هذه القضية لم تكن قضيته، ولكن أخبر هاري أنه فعل الصواب مع الصبيّ.

ولم يفهم هاري ما كان يعنيه الشرطيّ.

كانت غريس تتمتع بمهارات أفضل في البحث عبر الإنترنت، لكنها أيضًا لم تتوصل إلى أي شيء. قالت: “انسَ الأمر”! وانتقلت إلى ما كانت تشاهده على هاتفها وهي مستلقية على السرير.

ربما كان هاري نفسه قد شاهد كثيرًا من البرامج التليفزيونية التي أحبها الأطفال مؤخرًا. لقد شعر بعقدة صغيرة بداخله أراد أن يفكّها لكنه لم يتمكن من الوصول إليها. لقد تساءل عما إذا كانت ذاكرة الطفل قد عادت. وتساءل عما إذا كان الأب مريضًا، أو مدمنًا، أو الاثنين في آنٍ واحد. عندما كان هاري طفلًا، اقترب رجل من والده ذات يوم، وسأله عما إذا كان “في حالة عقلية سليمة”. كان والد هاري يوصل النباتات إلى المطعم الموجود في الشارع في اليوم السابق لافتتاحه، وأسقط صندوقًا. لم يكن الحادث هو السبب الذي جعل الرجل يسأل؛ فقد كان والده بالكاد يتكلم، حتى تساءل الناس ما إذا كان أخرس.

تذكر هاري تفكيره فيما تعنيه عبارة “في حالة عقلية سليمة”.

في اليوم التالي طلب هاري من غريس أن تأخذ مكانه، وسار إلى ذلك المطعم. كان المالك، جون، جالسًا على طاولة لإعداد أدوات الوجبات الجاهزة، ووضْع عيدان تناول الطعام والمناديل في أكياس بلاستيكية. ولم يظهر أنه كان متفاجئًا برؤية هاري، حتى لو كان كذلك. تفاجأ هاري نفسه عندما اكتشف أن شعر جون قد أصبح رماديًا أكثر من ذي قبل. كم من الوقت مضى دون رؤية أحدهما الآخر؟ كان جون يعيش في مكان غير بعيد عن متجر والد هاري لأدوات المنزل والحديقة، حتى أنه ذهب معهما إلى حفل تكريم فريدي ميركوري، لكنهما لم يقضيا كثيرًا من الوقت معًا منذ أن غادرت والدة غريس إلى أريزونا.

سأله هاري عن ابن عمه.

قال جون: “لم يعد يعمل في الفندق”.

ثم أخبر هاري أن ابن عمه انزلق على الدرج في الشتاء الماضي وكسر وركه، ففقد وظيفته في الفندق، ولذلك ذهب إلى مدينة يورك الواقعة في الشمال. قال جون: “نحن نرسل له ما في وسعنا”.

وسأل ما إذا كان هاري يتطلع للحصول على تخفيض في الفندق مرة أخرى، لكن هاري لم يستمر في النقاش. ونظر بدلًا من ذلك في القائمة، وطلب الغداء لغريس، متظاهرًا بعدم ملاحظة أن جون كان ينظر إليه. كان يعلم أن جون قد تساءل عن سبب عدم حضورهما منذ فترة، ولا حتى لتناول العشاء. لقد انتظر أن يقول جون شيئًا ما كما لو كان غاضبًا، أو منزعجًا، أو محتارًا، لكن جون ابتسم فقط واستمر في تجهيز أدوات طلباته الخارجية.

كان يعتقد أن تلك الذكرى ستبقى معه كما بقيت ذكريات معينة. رجل يسأل والده ما إذا كان في حالة عقلية سليمة؛ وغريس بين ذراعيه بينما كان حطام البناء يتساقط عليهما مثل الثلج.

جلس هاري بجانب النافذة. انتشر الظلال على البلاط الذي تسطع عليه أشعة الشمس بينهما مثل لعبة دوامة الخيل في الحديقة العامة القريبة التي ذهبا إليها عندما كانا طفلين. وهو يراقب الظلال، شعر هاري فجأة، كما لو أنه كان جالسًا هنا لعدة ساعات، أو كان ذلك الوقت متأخرًا جدًا من اليوم مقارنة بما افترضه.

قال جون: “تبدو متعبًا يا هاري، يبدو أنك تبذل جهدًا كبيرًا في العمل”.

قال هاري: “أنا بخير”.

كانت رائحة زيت الطهي الساخن تفوح من المطبخ. انحنى هاري إلى الأمام، وأخذ بعض المناديل وعيدان تناول الطعام، ووضعها داخل الأكياس البلاستيكية.

قال جون: “هل لهذا علاقة بموضوع الصبي الأسبوع الماضي”؟

قال هاري: “كان من بلدة كرومر”.

قال جون: “يقولون إنه كان هاربًا”.

“من يقول ذلك”. سلم هاري جون بعضًا من الأدوات التي جهزها.

قال جون: “يقولون إنه فقد ذاكرته قبل أن يصل إلى المكان الذي يريد الذهاب إليه. والآن عليه أن يعود إلى المنزل دون أن يكون لديه أي فكرة عن سبب هروبه أساسًا أو ممّن يهرب”. أخذ جون مزيدًا من الأدوات من هاري، وقال ضاحكًا: “تخيلنا أمام ويمبلي، وننسى سبب وجودنا هناك وننظر حولنا”.

قال هاري: “لقد بدت جيدةً، أعني الأم. لا أعتقد أنه كان هاربًا منها”.

قال جون: “يا رجل، آني لينوكس، أمر يؤلم القلب، باوي أيضًا بالطبع. ولكن في الحقيقة لا توجد أوجه مقارنة. انظر إلى ذراعي، أصاب بقشعريرة بمجرد التفكير في الأمر”.

حكّ هاري ذراعه. لقد فكر فيما سمعه جون. لقد تذكر والدة الصبيّ، التي اعترف لنفسه بأنها كانت جميلة، والطريقة التي ظلت تقول بها له شكرًا.

كان الطعام جاهزًا. أعطى الموظفون هاري طبق أرز إضافيًا. طلب منه جون أن يلقي التحية على غريس. وبعد ذلك قال إنهما يجب أن يأتيا إلى ليلة البنغو التالية، قال هاري إنهما سيفعلان ذلك، وعاد إلى المتجر.

كان يعتقد أن تلك الذكرى ستبقى معه كما بقيت ذكريات معينة. رجل يسأل والده عما إذا كان في حالة عقلية سليمة، وغريس بين ذراعيه، بينما كان حطام البناء يتساقط عليهما مثل الثلج، 

والدفيئة في الليل، ورش الطلاء على السيارات. لكن في الواقع مع مرور الوقت، كان كلما هو عالق بداخله ينخلع ويسقط. توقف هاري عن التفكير في الصبي أو والدته. أو إذا عاودته الذكرى، فإنه لم يعد يظلّ متمسكًا بها، كما كان في الأسبوع الأول.

لم ترد أي أخبار أخرى عن هذا الأمر عبر المتجر، ولم يتحدث عنه أحد مرة أخرى، ولا حتى غريس. لقد جعلهما المتجر مشغولين بما فيه الكفاية، فقد مرت الأيام بسرعة. وبعد بضعة أشهر تعرضا لحادث مؤسف يتعلق بطلب كبير -لم تصل شاحنة التسليم أبدًا- استحوذت الحادثة على حياتهما لمدّة أسبوع، تتبّعا خلاله عملية التسليم، وإجراء مكالمات هاتفية، والتعامل مع العملاء الذين يأتون ويشتكون. لقد توقّع أن التوتر سيتفاقم، وأنه سيبدأ هو أو غريس في الشجار أو الصراخ أو الابتعاد، وهي الطريقة التي يتعاملان بها دائمًا مع التوتر.

small red cup centered on large brown table

ستيفان دوتر/ الموقع الإلكتروني Connected Archives

ولكن هذا لم يحدث أبدًا. ضحكا معًا. تبادلا النظرات، ثم نظرا إلى العميل الذي اعتبر عدم وجود الحليب كارثة. قالا إنه ليس هناك ما يمكن القيام به تلك الليلة، وأغلقا الأبواب مبكرًا، وذهبا لمشاهدة الفيلم الذي فاتهما، وكان لا يزال يُعرض في المسرح المحليّ – وهو فيلم كوميدي عن فتاة من بلدة صغيرة في أمريكا تنتقل إلى المدينة.

جاءت العطلات، والتي كانت دائمًا نعمة لهما، حيث توقف جميع الذاهبين للحفلات في طريقهم إلى مكان آخر عند المتجر. لقد باعا كلّ الكمية لأشياء لا تنفد كمياتها أبدًا في الأيام الأخرى، مثل ورق التغليف والمقصات وتلك الملصقات المضيئة في الظلام المخصصة للأطفال. في ليلة رأس السنة الجديدة، توجها إلى المركز المجتمعي ولعبا البنغو، وشاهدا الموسم الجديد من الدراما التاريخية الكورية حتى هتف جون كم كانا فاشلين وبدآ حفلة رقص.

صدحت أغنية Queen. اعتقد هاري أن غريس بدت جميلة وهي في حالة سكر قليلة، تحاول مواكبة جون بينما يغني الاثنان معًا، ويتجنبان برك الثلج الصغيرة الذائبة من أحذيتهما. كان يشعر أنه لم يمضِ كثير من الوقت، فما زال يتذكر عندما كانا يتسللان إلى الدفيئة ذات ليلة وهما طفلان؛ لأن غريس كانت مقتنعة بأن شيئًا ما يحدث للنباتات عندما ينام البشر، وأرادت المشاهدة. وكيف ناما تحت غطاء بلاستيكي قبل أن يتمكنا من ملاحظة أي شيء، وكيف وجدهما والده بعد ساعة وهو يشعر بقلق شديد.

كانت هذه هي المرة الوحيدة التي ضربه فيها والده. قال والده وهو جالس على ركبتيه: “لا تهرب أبدًا”، ثم ضرب هاري مرة أخرى، فجأة أصبح القمر ساطعًا في الدفيئة، وأصبح والده مجرد صورة ظلية.

كانت غريس هي التي ذكرت كرومر في أوائل العام التالي. كانت خلف المنضدة وتتصفح موقع السفر على هاتفها. كان عيد ميلادها قريبًا. الشتاء يعني أيضاً فترة الركود، كما يمكنهما العثور على تخفيض جيد. في المركز المجتمعي، بينما كانا يرقصان في حالة سكر، اتّفقا على أنهما إذا تذكّرا المحادثة التي دارت بينهما فسوف يغلقان المتجر لمدة يومين.

لقد تذكرا. لقد كان قرارًا للعام الجديد، على الرغم من أنهما سمعا أنه لم يعد أحد يطلق عليه اسم “قرار” بعد الآن. هل كان هذا صحيحًا؟

قالت: “ماذا عن كرومر”؟ وتساءل هاري إذا كانت تتذكر الصبي. لقد أخبرها كيف ظلّ الصبي يردّد هذه الكلمة مرارًا  حتى ظهرت والدته. ذكّر هاري غريس الآن، فقالت: “يا إلهي، لم أفكر في ذلك منذ زمن طويل. ماذا حدث له”؟

هاري لم يعرف. أصدرت غريس صوتًا بشفتيها. حرّكت الشاشة للأسفل، وقالت إن الفندق الذي أقاما فيه لقضاء شهر العسل ما يزال باهظ الثمن لهما، لكنها وجدت فندقًا آخرَ أصغرَ حجمًا في مكان أبعد قليلًا على الشارع.

قالت غريس وهي متبسمة: “إلا أنه بعيد عن الممشى الخشبي”.

مسح هاري صينية التنقيط الخاصة بآلة صنع الثلج. وكتب تذكيرًا لنفسه للجرد غدّا.

قال هاري: “أهذا ما تريدينه”؟

قالت غريس: “هذا ما أريده”.

ذهبا بالسيارة في نهاية الشهر. أبلغا الجميع في الحيّ، وسأل الجميع متى سيوظّفون مساعدًا حتى يمكن إبقاء المتجر مفتوحًا في الأيام التي يكونان فيها بعيدَيْن. وعد هاري وغريس بالنظر في الأمر، ثم فكرا في الأمر في أثناء الرحلة، ووعد كل منهما الآخر بالبدء في البحث.

قال هاري: “أي واحد من هؤلاء الأطفال الذين يأتون إلى المتجر”، وأدارت غريس عينيها. توقفا لتناول طعام الغداء في مدينة نورويتش. وذكر أنهما بحاجة إلى طلب مزيد من البسكويت للمتجر، وجعلته غريس يعدها بأن هذا هو آخر شيء يقوله عن المتجر حتى عودتهما. قرعا علبتي البيرة، وطلبا مقدارًا كبيرًا، لذلك بحلول الوقت الذي وصلا فيه إلى كرومر بدت فكرة العشاء مستحيلة.

ومع ذلك لم يرغبا في إضاعة العطلة، واعتقدا أن المشي عبر المدينة سيساعد في فتح شهيتهما. ارتديا سترتيهما وقفازاتهما واتجها إلى الداخل أولًا، متبعين طريقًا ضيّقًا متعرجًا تصطف على جانبيه مبانٍ مكونة من طابقين، مطلية بألوان مختلفة.

كانت غريس تحاول أن تتذكر متجر السيراميك الذي زارته في شهر العسل، فقد اشتريا صحون العشاء من هناك، واعتقدت أنه ربما يمكنهما الإضافة إلى مجموعتهما. بحثت باستخدام هاتفها، لكنها لم تستطع تذكر الاسم. ربما كان على بعد بناية واحدة من المكان الذي كانا فيه، لكنهما لم يجدا هناك سوى متجر للهدايا التذكارية بجوار متجر لبيع الملابس. وقفا لينظرا إلى المعاطف المعروضة في النافذة، وهاري يتتبع انعكاس غريس والنفخة الشاحبة في أنفاسها. لاحظته وهو ينظر، لسبب ما شعر حينها بالإحراج ونظر بعيدًا.

لم يستطيعا معرفة موقع المتجر، لكنهما عثرا على مطعم السمك والبطاطا الذي تناولا فيه الطعام كلّ يوم تقريبًا. كان الأشخاص في الغرفة الصغيرة نصف الممتلئة للمطعم يحدقون بهما وهما يشقان طريقهما إلى الطاولة. تجاهلا النظرات وتذكرا شهر العسل، والكنيسة والحديقة الصغيرة، حيث جلسا وتشاركا “الآيس كريم”. ثم تذكرا الجدال الذي دار بينهما عمّا إذا كان يجب أن يتوجها إلى بدلة غريت يارموث، فقد أخبرها هاري: “وما الفرق هناك؟ كل منهما بلدة ساحلية”.

ابتسمت غريس. الآن بعد مرور سنوات، اعترفت بأن هذا ربما كان صحيحًا، أو على حق. وواصل رجل على الطاولة التي خلفها النظر. نظر إليه هاري بدوره، ثم سأل غريس ما إذا كانت تشعر بالملل هنا، فأومأت برأسها موافقة.

قالت غريس، وهي تمد يدها عبر الطاولة: “أنا آسفة. لم أقصد ذلك”.

وقال: “لا بأس في ذلك”. والتفت إلى النافذة، حيث كانت بعض الطيور الكبيرة تطير إلى البحر.

“هل هناك شيء يدور بذهنك يا هاري”؟

قال هاري: “إنه أفضل ممّا أتذكره”، وهو يمزق السمكة المقلية بيديه، ويغمس قطعها في الصلصة.

كان والد غريس يحب السمك المقلي. وذكر أنه في كلّ مرة كان يتناول فيها السمك المقلي، كان يتذكر والد غريس.

قال هاري وهو يتناول قطعة أخرى: “هل سبق لك أن رأيتِهما يتعاركان”؟

“ماذا”؟

“لا أتذكر أبدًا أنهما تعاركا، كانا دائمًا متفاهمين”.

“لقد كانا كذلك حقًا”.

“كانا مهذبين جدًا أحدهما مع الآخر”.

“لا تكن سخيفًا يا هاري”.

مر عليهما النادل وطلبا عبوات إضافية من البيرة.

قال هاري: “أتمنى لو أمكنني رؤيتهما عندما كانا طفلين في قريتهما. أراهن أنهما خاضا معارك قوية. الأطفال ليسوا مهذبين. وهذا ما يعجبني فيهم”.

قالت غريس: “لقد كانا نصف ميتين. وعندما وصلا إلى هنا بعد سنوات، كانا أكثر من نصف ميتين. لم يتمكّنا أبدًا بالشعور بأنهما على قيد الحياة. تلك كانت حياتهما. يحاولان مواكبة مستوى الجميع. أنت تعرف ذلك جيدًا يا هاري.

“ما الذي لا يعجبكِ في الأطفال”.

أنزلت غريس الشريحة. كان بإمكانه رؤيتها وهي تشهق ثم تزفر. ثم مدّت يدها وأمسكت بيده وضغطت عليها قليلًا.

“لا أدري ما تنوي الوصول إليه هنا يا هاري”.

دخل زوجان آخران. وصلت البيرة، وصدح مكبر الصوت بموسيقى هادئة.

لم يكن هو نفسه يدري ما ينوي الوصول إليه. وبينما كان يضغط على يدها لاحظ أن الرجل الذي يقف خلف غريس قد ذهب. انتهيا من العشاء بينما كانا يستمعان إلى الموسيقى.

بدأت ثلوج خفيفة تتساقط على المدينة الساحلية. كانا سيسيران مسافة أطول، لكنهما عادا إلى الفندق، مرورًا بالفندق الأكبر الذي أقاما فيه من قبل، حيث كان يعمل ابن عم جون. نظرا من خلال الباب الدوار في الردهة المضيئة، متسائلين ما إذا كان أي شيء قد تغير، ولكن عندما رحب بهم أحد عمال الفندق، شعرا بالخجل واستمرا في المشي بالتوازي مع الممشى الخشبي، والمحيط مقابلهم.

لم يصبح الثلج أثقل أبدًا، لكنه ظلّ ثابتًا بما يكفي لترطيب سترتيهما. لم يكن الأمر مزعجًا. كان بإمكانهما تذوقه عندما انحنت غريس باتجاهه في غرفة الفندق الصغيرة، ثم انتشرت رائحته في كلّ مكان عندما خلعا سترتيهما. كان الأمر كما لو كانا في حالة سكر من الثلج وليس من البيرة. ضحكا بصوت أعلى من عادتهما. لقد كانا سعيدَيْن لوجودهما هنا. كان من الجيد أنهما جاءا إلى هنا مرة أخرى.

بعد ذلك بينما كانا مستلقيين على السرير معًا، وشعر غريس يبلّل ملاءة السرير، بدأت تحلم. كان يسمعها تتحدث، لكنه لم يستطع فهم ما تقوله. شاهد فمها يتحرك في أشكال. كان يقتنع شيئًا فشيئًا بأنها لم تكن نائمة حقًا، ثم أدرك أنها كانت تغطّ في نومها.

عمَّ كانت تحلم؟ ما الحياة التي عاشتها هذه الأيام، أو كانت تتمنى أن تعيشها، ولم تخبره عنها؟

تدحرجت غريس إلى جانبها، ووضعت البطانية فوقها في أثناء نومها. الغرفة أصبحت باردة. وقف هاري ليتفحّص منظّم الحرارة الإلكتروني ليجد أنه لا يعمل. ارتدى بيجامته وألقى عليه رداء الفندق.

قال: “سأعود بسرعة”، وهو يعلم أنها لن تجيب، وأغلق الباب خلفه بهدوء قدر الإمكان.

تتبع هاري النجم المتوهج وهو ينطلق في السماء، ويرتفع أعلى ممّا توقع، ثم يهبط ببطء عائدًا إلى الأسفل، متمايلًا قليلًا في مهبّ الريح. 

في الردهة ذكر منظّم الحرارة، وتردّد عندما قالت موظفة الاستقبال إنها ستحضر شخصًا ما إلى هناك على الفور. لم يكن يريد إيقاظ غريس. قال: لدينا بطانية إضافية. لا بأس، لقد تأخر الوقت! ماذا عن الغد”؟

لم يكن لديه أي فكرة عن الوقت. لقد كان الوحيد في الردهة. كان على وشك العودة للأعلى، لكنه وجد نفسه يخرج بدلًا من ذلك. لقد توقف الثلج، وغطّت طبقة رقيقة الشارع والرصيف. كان يستمتع بالبرد، ويستمع إلى أمواج المحيط. كان الجوّ هادئًا للغاية لدرجة أنه شعر كما لو أن العالم قد اختفى وتركه وغريس خلفه. كيف سيكون شعوره حيال ذلك؟

لقد كان يفكر في هذا عندما رأى شخصًا على مقعد في الممشى الخشبي. كان هذا الشخص طفلًا يرتدي سترة من نوع هودي، ويستدير بين الحين والآخر لينظر إلى الرصيف والمحيط.

عبر هاري الشارع. عندما نظر الطفل إلى الأعلى، عرف هاري على الفور أنه ليس الطفل الذي كان يبحث عنه.

قال: “أنا آسف. ظننت أنك شخص آخر”.

قال الطفل: “من هو الذي ظننت أنه أنا”؟

فكّر هاري في ذلك، وقال: “شخص أعرفه”.

“ما مشكلتك؟ أنت تمشي بالخارج بهذا الرداء”.

هزّ هاري رأسه مدركًا أن هز رأسه أمر سخيف. وأوضح أنه نزيلٌ في الفندق، لكنه تساءل بعد ذلك عما إذا كان ينبغي عليه قول ذلك. مرت سيارة بقربه، وأضاءت مصابيحها الأمامية لمدّة وجيزة. كان الطفل خائفًا، لكنه لم يُبدِ ذلك. عندما سأله هاري عما يفعله هنا، أجاب الطفل: “هذا هو مكاني”. فتح الحقيبة بجانبه وسأل هاري عمّا إذا كان مهتمًا بالبضائع. كان بداخلها ساعات، ونظارات شمسية، وسجائر، ومجوهرات، وأكياس بلاستيكية صغيرة بها أشياء لم يعرفها هاري.

نظر هاري حوله. وفي نهاية الرصيف حط طائر على السياج المعدني (الدرابزين) كما لو كان يوازن نفسه على حافة العالم، ونظر إلى المياه المتراجعة.

قال هاري: “إنه ليس وقتًا أو مكانًا مزدحمًا بالناس”.

قال الطفل: “يمكنني أن أكون هنا في أي وقت أريد. أستطيع أن أطير مثل فراشة. أستطيع أن ألسع مثل نحلة. كلّ يوم حر. هل أنت حر أيها الرجل العجوز؟

لم يكن متأكدًا من كيفية الإجابة عن ذلك. لم يكن معتادًا على وصف الناس له بأنه رجل عجوز.

فتح الطفل أحد الأكياس البلاستيكية الصغيرة، وأخذ أحد الأشياء من داخله، ثم هزه. بدأ يتوهج. بدا وكأنه رسم كرتونيّ لنجمة. قال الطفل: “إنه للأطفال. إنهم يحبونه”! أدخل النجم في مسدس بلاستيكيّ ثم صوب فوقهما وأطلق. تتبع هاري النجم المتوهج وهو ينطلق في السماء، ويرتفع أعلى ممّا توقع، ثم يهبط ببطء عائدًا إلى الأسفل، متمايلًا قليلًا في مهبّ الريح. خطا هاري ثلاث خطوات إلى اليمين، وفتح يده وأمسك به.

عندما نظر مرة أخرى إلى السياج كان الطائر قد ذهب. عندما أعاد هاري النجم إلى الطفل، سأله عما إذا كان من هنا، وما إذا كان قد سمع عن هروب طفل في العام الماضي.

قال هاري: “فتى كوريّ. يبلغ من العمر 12 أو 13 عامًا، في عمرك نفسه تقريبًا”.

قال الطفل: “يا صاح، أنت ترتعش بشدة”.

أغلق رداءه ونفخ في يديه. في الخارج على الماء، بالقرب من الأفق المظلم، كانت سفينة صغيرة تعبر مسرعة كما لو كانت تنزلق على الزجاج. أين كانت متجهة؟ فجأة لم يعرف ما الذي يقع شرقه مباشرة على الجانب الآخر من المحيط. أو كم من الوقت سيستغرقه القارب الصغير للوصول إلى ذلك الساحل الآخر. لم يسبق له أن ذهب إلى أي مكان خارج إنكلترا، ولم يسبق ذلك لغريس أيضًا.

قال هاري: “ماذا بعدُ؟ ماذا سيحدث لي بعد الآن”؟!

تجاهله الطفل، وحدق خلف هاري في طفلة أخرى، وهي فتاة خرجت للتوّ من الفندق الذي كان يقيم فيه هاري وغريس. أغلقت سحّابها ولوحت وعبرت الشارع.

قالت: “مرحبًا” لهاري، أو للطفل، لم يكن هاري متأكدًا تمامًا، وكانت أنفاسها تتصاعد من حولهما وهي تضع يديها في جيوب سترتها وتقفز في مكانها.

أنزل الطفل قبعة سترته وعدّل شعره، فأصبحت ملامح وجهه ناعمة.

قال: “سأبحث عن الصبي”، وقبل أن يتمكن هاري من التصحيح له أو معرفة قصتهما، أسرع الاثنان إلى الممشى الخشبيّ معًا، وذهبا أبعد وأصبحا أكثر خفوتًا -نجم آخر يحلق في الأفق. انعكاس ضوء القمر يتراقص على الماء، وبقيت آثار أقدامهما على الثلج.

المصدر

(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة ذا أتلانتيك).

تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.

الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.

الوسوم: ترجمات معنى
ShareTweetSendShareSend
المقال السابق

أثبت لي فقدان الذاكرة المفاجئ أن الذات مجرد خيال ووهم | من «سايكي»

المقال التالي

الشيطان الذي يسكنها | من «ذا أتلانتيك»

هموم قصر العمر | بدر مصطفى

هموم قصر العمر | بدر مصطفى

26 أغسطس، 2026

لا يقاس قصر العمر بعدد السنوات، فهو يتولد في الأساس من التفاوت بين اتساع الممكن وضيق الزمن. العالم أكبر من...

فلسفة الدّين عند فريدريك نيتشه | محمد  ڭـــزّو                                              

فلسفة الدّين عند فريدريك نيتشه | محمد  ڭـــزّو                                              

22 أغسطس، 2026

وُصف نيتشه (1844-1900م)، الفيلسوف الألمانيّ، بأوصاف عديدة كانت أغلبها قدحيّة، لارتباطها بحياته الشّخصيّة وما عاناه من انهيارات عصبيّة، فقيل عنه:...

لو كان رجلًا!| بدر مصطفى

لو كان رجلًا!| بدر مصطفى

7 أغسطس، 2026

«لو كان الفقر رجلًا لقتلته»— مقولة مأثورة لو كان الفقر رجلًا لكنا واجهناه، وربما قضينا عليه، بوصفه العدو الأكبر. لكن...

مقاربة سيميائية تأويلية لإعادة بناء الأهل والمكان والقيمة في لامية العرب |حاكمة السعدي

مقاربة سيميائية تأويلية لإعادة بناء الأهل والمكان والقيمة في لامية العرب |حاكمة السعدي

1 أغسطس، 2026

ليس الشعر كله وصفًا للموجودات؛ فمنه ما يسبغ عليها صورًا كما يراها، ومنه ما ينقض حدودها ويعيد رسمها، وإن «لامية...

عن منصة معنى

«معنى»، مؤسسة ثقافية تقدّمية ودار نشر تهتم بالفلسفة والمعرفة والفنون، عبر مجموعة متنوعة من المواد المقروءة والمسموعة والمرئية. انطلقت في 20 مارس 2019، بهدف إثراء المحتوى العربي، ورفع ذائقة ووعي المتلقّي المحلي والدولي، عبر الإنتاج الأصيل للمنصة والترجمة ونقل المعارف.

روابط سريعة

  • أرشيف معنى
  • مكتبة معنى
  • تطبيق معنى
  • الأفلام

التصنيفات

Articles & Essays MIT SMR SJPS أوراق ودراسات إعلانات معنى إيون الحياة الطيبة الفلسفة الآن الفيلسوف الجديد المتن الفلسفي المتن الفلسفي بودكاست ذا أتلانتيك سايكي سيكولوجي توداي غير مصنف مراجعات مقابلات وحوارات مقالات مقالات فرنسية مقالات من الصين نيويورك تايمز
  • الرئيسية
  • من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • السلة
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • تواصل معنا
  • English
  • Chinese

© 2026 منصة معنى الثقافية

مرحبا بك!

قم بتسجيل الدخول إلى حسابك

هل نسيت كلمة المرور؟ تسجيل

قم بإنشاء حساب جديد!

املأ النموذج أدناه للتسجيل

جميع الحقول مطلوبة. تسجيل الدخول

طلب إعادة تعيين كلمة المرور

يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.

تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
لست عضو الآن ؟ سجل الآن
استخدام Google
استخدام Apple
Or Use Social
إعادة تعيين كلمة المرور
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
تسجيل
هل أنت مستخدم مسجل بالفعل؟ تسجيل الدخول الآن
No Result
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
  • دخول / تسجيل

© 2026 منصة معنى الثقافية

-
00:00
00:00

قائمة التشغيل

Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00