بقلم: جوليان باجيني. | ترجمة: كمال المصري.
جوليان باجيني، كاتب وفيلسوف، أحدث مؤلفاته كتاب: «كيف تُفَكِّر كالفيلسوف» (2023م).
لا بُدَّ أنْ تعرفَ.
هل تقرأ هذا المقالَ نتيجةً لاختيارك الحرِّ؟ قطعًا يبدو لك الأمرُ كذلك؛ فقد كان بإمكانك على أيِّ حال أن تقرأ شيئًا غيره، أو أن تفعل شيئًا مُختلفًا تمامًا، نحن نشعر أنَّنا أحرارٌ وأنَّنَا مَن نُقرِّر خياراتنا، ولسنا مُجَرَّدَ قنوات تسري خلالها أحداث سلسلة السبب والنتيجة. لكن، لو فكَّرت في الأمر أكثر قليلًا فَسيتهاوى أمامك هذا المفهوم “الطوعي” عن حريَّة الإرادة.
اختياراتُكَ جميعها حتميَّة نوعًا ما
ارجعْ إلى الوقت الذي رأيتَ فيه العنوانَ الرئيس لهذا المقال أو الرابطَ الخاصَّ به، بالنظر إلى “بيئة الاختيار” التي وجدتَ نفسك فيها، والتي تشمل تاريخَك وشخصيَّتَك والخيارات الأخرى المُتاحة لك وحالتك المزاجيَّة وجدولك الزمني، ألم يكن من المُحتَّم عليك إمَّا أن تبدأ قراءة المقال، أو أن تحفظه لوقتٍ لاحق، أو أن تمضي إلى شيءٍ آخرَ؟ وبما أنَّك قرَّرت مُتابعة القراءة حتى الآن، هل أنت مَن يتحكَّم حقًّا في مدى انبهارِك أو انزعاجك من الكلمات التي تقرأها؟
لا يُمكِنك فعلُ أيِّ شيءٍ للتغلُّب على هذه المخاوف، ربَّما تميل إلى التوقُّف عن القراءة الآن كدليلٍ على حريتك في الاختيار، ولكن إذا فعلت ذلك، ألن يكون هذا أيضًا هو ما كنت ستفعله دائمًا، إذا وضعتَ في الحُسبان كيفيَّة ردِّ فعلك على قراءة هذا النوع من الكتابات؟ إنَّها مثل مسرحيَّة توم ستوبارد المُسمَّاة «موت روزنكرانتز وجيلدنستيرن» (1966م)؛ حيث يشعر البطلان الموجودان على متن سفينة بأنَّهما مُجَرَّدُ بيادق في لُعبةٍ أكبرَ؛ إذ يقول روزنكرانتز: “يُمكِنني القفزُ في المياه، وهذا من شأنه أن يُعطِّل لهم الأمر”، فيردُّ عليه جيلدنسترن: “هذا إنْ لم يكونوا يُعوِّلُون على قيامك بذلك بالأساس”.
لكن، إذا حقَّ القول إنّا مُجبرون في كلِّ اختيارٍ نختاره، ولا يسعنا التصرُّف بطريقةٍ مُغايرة لما نتصرف بها، فإنَّ عواقب ذلك تصبح مُزعجة: ماذا نقول مثلًا عن أفعال السارق أو المُحتال؟ وماذا عن عنف الزوج المُسيء أو المُغتصب؟ ولماذا نمتدحُ الأعمال البطوليَّة إذا كان المُنقذون والمُخاطرون مُجبرين على إتيانها ولم يكن بوسعهم أن يفعلوا خلافَ ذلك؟ لن تكون هناك حاجة إلى اللوم والثناء، ولن يكون في الثواب والعقاب أيُّ عدالةٍ.
لا مفرَّ من سلسلة السبب والنتيجة.
عندما يُفكِّر المرء في الآثار المُترتِّبة على العيش في عالمٍ طبيعي تمامًا لا تتدخَّل فيه أيُّ قوةٍ خارقة، تُساوِره الشكوك بشأن حريَّة الإرادة؛ ومن الأمثلة على ذلك ما كتبه الشاعر لوكريتيوس في القرن الأول الميلادي في كتابه: «عن طبيعة الأشياء» إذ يقول:
… إذا كانت الحركات جميعها سلسلةً متصلة دائمًا فيما بينها،
ومن الحركة القديمة تتولَّد دائمًا الحركة الجديدة…
فمن أين تَتأتّى الإرادة الحرَّة للمخلوقات على هذه الأرض،
أين لها أن تُنتزعها من الأقدار؟…
قد تقول فيزياء الكمِّ إنَّ بعض الأسباب تكون احتماليَّة في طبيعتها، وبالتالي فهي لا تُحدِّد آثارها بشكل صارم، لكنّ عشوائيَّة السببيَّة الكموميَّة هذه لا يُمكِن أن تكون تفسيرًا لمفهوم حريَّة الإرادة؛ فالحريَّة ليست القدرة على التصرُّف بشكل عشوائي دون أي سيطرة على الآثار التي تنتج عن التصرُّف.
لكن، يبدو أنَّ المسمار الأخير في نعش حريَّة الإرادة يأتي من علم الأعصاب؛ إذ زعمت العديد من دراسات الدماغ إثبات أنَّ الأفعال تبدأ في الدماغ قبل أن يكون لدينا أي وعي بأنَّنا اتَّخذْنا قرارًا، وهذا يعني -بعبارة أخرى- أنَّ فكرة “سأختار ذلك” تأتي بعد وقوع الاختيار فعلًا؛ إذ تتحدَّد الأفعال عبر عمليات دماغيَّة لا شعوريَّة وغير مختارة، ويأتي الشعور باتخاذ القرار لاحقًا، ومن هذا المنطلق، فإنَّ الاعتقاد بأنَّ هذه الأفكار لها أي دور في تحديد ما يفعله المرء سيكون مثل الخلط بين الضجيج الذي يُصدِره المُحرك والقوة التي تُزوِّده بالطاقة.
تبدو الإرادة الحرة الطوعيَّة مُجَرَّدَ وهمٍ؛ ذلك لأنّنا مهما شعرنا بالحريَّة فإنَّ فهمنا للطبيعة يُخبرنا أنَّ الإنسان لا يختار بل يتتبّع تاريخ أي اختيار عبر تاريخه الشخصي والبيئة التي يحيا فيها، وحتى لو نَحَّيْنَا الفيزياء جانبًا، فَسَيتّضحُ لنا أنَّ في لحظة اختيارنا تكون شروط هذا الاختيار قد تحدَّدت مُسبقًا، ومن ثمَّ فإنَّ القدرة على الهروب من تلك الشروط لن تكون أكثر من القدرة على الإتيان بأفعال عشوائيَّة، وإذا صحَّ هذا كلّه، فإنَّ الثناء واللوم والمسؤوليَّة تبدو جميعًا وكأنَّها أوهامٌ هي الأخرى.
فهل حانَ الوقت لقبول الفكرة التي تقول إنَّنا مُجَرَّدُ آلاتٍ بيولوجيَّة، مُجَرَّد قِرَدة ذكيَّة تخدعنا تصوراتنا فتجعلنا نظن أنَّنا فوق الطبيعة؟
فَكِّرْ في الأمر مليًّا.
إذا أردنا أن نُثبِتَ حريَّة الإرادة، فسيكون من قبيل الخيال أن نُحاول إنكار نتائج علم الأعصاب وحقيقة أنَّ العالم محكوم بقوانين السبب والنتيجة الفيزيائيَّة؛ لذلك علينا أن نتَّبِعَ استراتيجيَّة أفضل، وهي إعادة التفكير فيما تعنيه حريَّة الإرادة. وعندما نفعل ذلك، يُمكِننا أن نرى مدى الشكِّ الذي يُخالط التفسير الطوعي لحريَّة الإرادة.
وجودُ إرادةٍ حرَّةٍ طوعيَّة يعني أن تكون مُتقلِّب المزاجِ تمامًا.
لنفترض أنَّنا سنُحرَم من إحدى قدراتنا البشريَّة الأساسيَّة، وهي: القدرة على الاختيار؛ أعني لو كانت قراراتنا حتميَّة بأيِّ معنًى من المعاني. لكن، تخيَّل معي ما الذي يلزمك هنا حتى لا يكون اختيارك حتميًّا. قد يعني ذلك أنَّ لديك القدرة على تَجاوُز تفضيلاتك الثابتة وشخصيَّتك وتاريخ حياتك، وأنَّ بإمكانك أن تُقرِّر القيام بشيءٍ لا تُحدّده هذه الأشياء، بل يُحدّده فقط شيء نُسمِّيه «إرادتك الحرة». إنَّ مثل هذه الحريَّة ستكون بلا مُبرِّر؛ لأنَّ الأساس الوحيد لاختيارك سيكون هو عين القدرة على الاختيار؛ فهل ترى أنَّ الهوى الخالص شكل من أشكال الإرادة الحُرَّة يستحقُّ أن نرغب فيه؟
لنأخذ مثالًا بسيطًا؛ نحن لا نُريد أن تكون لدينا القدرة على اختيار أيِّ نكهة من الآيس كريم، بل نُريد النّكهة التي نعتقد أنَّها أكثر نكهة سنستمتع بها، ونحن لا نُريد القُدرة على التصويت لأيِّ حزب سياسي، بل نُريد التصويت للحزب الذي نعتقد أنَّه سيدعم القيم التي نُؤمن بها. إنَّ حريَّة الاختيار مُهمة تحديدًا؛ لأنَّها تعكس شخصياتنا وتفضيلاتنا وقيمنا، وليس لأنَّها يُمكِن أن تتجاوز هذه جميعًا؛ ذلك لأنَّ التزاماتنا الأخلاقيَّة والسياسيَّة لن تعني شيئًا إذا كانت أشياء يُمكِننا أن نختار تغييرها متى شِئنا.
القيود المفروضة على اختياراتنا تُتِيح ظهورَ مفهوم الشخصيَّة.
يتَّفِق هذا مع ما قاله ديفيد هيوم: إنّه من المُحتَّم والمرغوب فيه أن يكون كل خيار نتخذه -في أي وقت- هو أفضل خيار يتوافق مع دوافعنا الشعوريَّة واللاشعوريَّة في ذلك الوقت؛ ذلك لأنَّه لن تتشكّل لدينا أي شخصيَّة أخلاقيَّة إذا لم نكن نشعر بقوة بالأفعال التي يجب القيام بها أو لا يجب علينا القيام بها، ويعتمد المجتمع البشري على حقيقةٍ مفادها أنَّنا نتوقَّع من البشر أن يتصرّفوا بالانتظام والقدرة على التنبؤ ذاتهما مثل باقي عناصر الطبيعة، ولو لم يكن الأمر كذلك، فلن تعرف أبدًا ما هي الهديَّة التي ستُقدّمها لصديق، أو لن يكون لديك أي سبب للالتزام بعلاقة طويلة الأمد، وذلك طالما لن يكون لديك أدنى فكرة عمَّا إذا كان الشخص المَعنيّ سيُغيِّر ذوقه، أو سيفقد ميزاته المُحبَّبَة.
المدح واللوم لا يعتمدان على الحريَّة المُطلقة.
من الأفكار موضع الشك هنا أيضًا فكرة أنَّنا بحاجةٍ إلى تبنِّي مفهوم الإرادة الحرة الطوعيَّة لكي نستطيع إلقاء الثناء واللوم ومنح الثواب وإنزال العقاب؛ فالمُبرِّرات الفلسفيَّة الرّئيسة للعقاب هي القَصاص والردع وإصلاح الجاني والإشارة إلى الرفض المُجتمعي. ومن بين هذه الأسباب، يستلزم السبب الأول فقط (القصاص) وجود إرادة حرة طوعيَّة لتبريره، بيدَ أنَّ هناك أيضًا الكثيرين مِمَّن يرون أنَّ فكرة القَصاص فكرة بغيضة.
لا تتطلب إعادة التفكير في حريَّة الإرادة التخلِّي عن فكرة المسؤوليَّة بل تعديلها، فلا يُوجَد إنسان مسؤول مسؤوليَّة تامة عن هُويَّته وبالتالي عمَّا يفعله، لكن لا ينبغي أن تكون المسؤوليّة مُطلقة لكي تكون حقيقيَّة؛ فالإنسان لا يتحمَّل المسؤوليّة كاملة وتامَّة عند مولده، بل هي شيء يتعلم كيفيَّة تحمُّله بشكل مُتزايد تدريجيًّا، وقبول المرء بأنَّه قد ارتكب خطًأ ثمَّ تحمُّل المسؤوليَّة عنه يعني عزمه على محاولة عدم الوقوع في ذلك الخطأ مرةً أخرى، وإصلاح ما قد فسد نتيجة لتصرُّفه، ومن الواضح أنَّ لدينا القدرة على القيام بذلك، وهذا هو كل ما يهمُّنا هنا، أمَّا مسألة كون الاستجابات حتميَّة في أساساتها فهي مسألة خارجة عن موضوع نقاشنا.
من المُفِيد أن تشعر أنَّه كان في استطاعتك فعلُ الأشياء بطريقةٍ مختلفةٍ، حتى لو كان ذلك خيالًا.
بقدر ما تنطوي فكرة الإرادة الحُرَّة على بعض الأفكار الخياليَّة، إلّا أنَّ هذا قد يكون أمرًا طيّبًا، ما دام كُنَّا ندرك أنَّها أفكار خياليَّة، لنأخذ مثلًا فكرة أنَّه “كان باستطاعتنا أن نتصرّفَ بشكلٍ مختلف”، والتي تُعدُّ فكرة محوريَّة للغاية في الجدل الدائر حول موضوع الإرادة الحرة؛ فهذه الفكرة ليست صحيحة حرفيًّا بمعنى ما، لكن، فكرة أنَّه كان باستطاعتنا أن نتصرّف بشكلٍ مُغاير ليست بلا معنى أو عديمة الجدوى.
يُوضِّح دانيال دينيت هذه الفكرة في كتابه: «الحريَّة تتطوَّر» (2004م)، مُستخدِمًا المثال المُقتبَس من (جون أوستن) لاعبة الجولف التي أخطأت رمية سهلة، ثم قالت في نفسها: “كان بإمكاني أن أُسدِّدها في الحفرة”. إذا كنتَ تعتقد أنَّ جملتها تعني أنَّه إذا عاد الزمن للوراء إلى اللحظة التي رمتْ فيها لاعبة الجولف الكرة فإنَّه بوسعها أن تلعبها بطريقة مختلفة، فستكون مُخطِئًا، وربَّما لا تقصد لاعبة الجولف نفسها قول هذا، بل تقصد أنَّ تسديد الكرة نحو الحفرة كان مُمكِنًا ضمن مهاراتها، وأنَّ هذا كان نوعَ التسديدة التي كانت ستُسدّدها عادةً.
بناءً على ذلك؛ لا تُفيد فكرة “كان بإمكاني أن أُسدِّدها في الحفرة” في إخبارنا عن حقيقة بديلة لم تحدث، بل تهدف الفكرة إلى توجيه ذهن لاعبة الجولف للتركيز على الخطأ حتى لا تُكرِّره في المَرَّة القادمة، رُبَّما من خلال جعلها تُفَكِّر في السبب الذي جعلها تُخطِئ الرمية.
إنَّ الأفكار كلّها التي تقول: “كان يُمكِن فعلها خلافَ ذلك” لها قيمة ووظيفة مُماثلة. وهكذا، فإنَّنا نتعلم كيفيَّة تحمُّل المسؤوليَّة والقيام بعمل أفضل في المرة القادمة؛ فقط لأنّنا نُفَكِّر في الأشياء التي كان من المُمكن القيام بها بسهولة بطريقة مختلفة، لو كانت الظروف مختلفة أو كان الإطار العقلي مختلفًا قليلًا، وتختلف مثل هذه الأفكار المفيدة عن الأفكار التي تُراوِدنا عندما لا يكون بوسعنا أن نتصرف بطريقة مُغايِرة في أيِّ موقف مماثل، كان من الجائز إلى حدٍّ ما ألّا تستطيع لاعبة الجولف أن تلعب الكرة بطريقةٍ مختلفةٍ عمَّا لعبته، سواء أخطأت تسديدة سهلة أم شبه مستحيلة. لكن، في حين أنَّه من المنطقي لها أن تُفَكِّر في التسديدة السهلة التي أخطأتها على أنَّها شيءٌ كان من المُمكن تجنُّبُه، يظلُّ من غير المُجدي أن تُفَكِّر في التسديدة المُستحيلة بالطريقة ذاتها.
لذا؛ حتى لو لم يكن لدينا ما اعتدنا تسميته بالإرادة الحرة، فإنَّ الأمر قد لا يكون كارثيًّا كما يبدو؛ حيث يجب أن تنبع أفعالنا من مُعتقداتنا ورغباتنا وشخصياتنا، وإلّا فإنَّها لن تكون أفعالًا لأشخاص ذوي صفات ثابتة وقيم راسخة، كما يظلُّ الثواب والعقاب مُهمين؛ لأنَّ الإنسان بحاجة إلى تشجيع نفسه وغيره على فعل الأمور الصحيحة، وحتى الأفكار من قبيل: “كان باستطاعتي التصرُّف بشكلٍ مختلف” -وإن كانت ليست صحيحة حرفيًّا- إلا أنَّها ضروريَّة لمُراقبة الذات والتحسين المستمر.
لا ترفض مفهوم “الإرادة الحُرَّة”، بل أَعِدِ التفكير فيه.
عند التخلِّي عن المفهوم الطوعي، لا يتعيَّن علينا التخلُّص من فكرة الإرادة الحرة بالكليَّة؛ فالإرادة الحرة ليست وهمًا، بل إنَّ المفهوم الطوعي للإرادة الحرة هو المَعيب ويصعُب الدفاع عنه؛ ذلك لأنَّه يفهم أنَّ التمييز بين الحر وغير الحر يتوقف على ما إذا كانت معتقداتنا ورغباتنا وخياراتنا لها أسباب أم لا، وهو سَخَفٌ؛ لأنَّه من المُؤكد أنَّ كلَّ شيء يحدث لسبب، إنَّ ما نحتاج إليه هو مفهوم “توافقي” للإرادة الحرة؛ أي مفهوم يُوفِّق بين حريَّة الإنسان والضرورة السببيَّة للعالم المادي.
هذا المفهوم يختبئ على مرأى من الجميع، وذلك في الطّرائق التي نُميِّز بها بين الأفعال الحرة وغير الحرة في الحياة الواقعيَّة؛ فنحن نادرًا ما نضع هذا التمييز على هيئة أطروحة ميتافيزيقيَّة حول السببيَّة، بل إنَّنا بالأحرى نُميِّز بين الاختيارات القسريَّة وغير القسريَّة؛ أي أنَّه إذا لم يُجبرني أحدٌ على فعل ذلك، كنتُ سأتصرف بحريَّة.
أمَّا الشكوك حول حريَّة الإرادة فتنزع إلى القول إنّ هذه القوى القسريَّة تُوجَد بداخلنا، ويتجلَّى ذلك بوضوحٍ عندما يقول الناس: “عقلي جَعَلَنِي أفعل ذلك”. ولكن “عقلك” لا يُمكِنه دفعك لفعل أي شيء، إلّا إذا كنت “أنت” مُجَرَّد كيانٍ مُنفصل عن عقلك، فإذا كان عقلك جُزءًا منك، فإنَّ عبارة “عقلي جعلني أفعل ذلك” ليس لها أيُّ معنى. وفي نهاية المطاف، إذا لم يكن عقلك عنصرًا رَئيسًا في عمليَّة اتخاذ القرار، فماذا غيره إذن؟ هل هي روحك غير الماديَّة؟ لكن، من المُثير للاهتمام أنَّ معظم مَن يُدافِعون عن الإرادة الحرة الطوعيَّة يُجيبون على هذا السؤال المجازي بـالإجابة “نعم”، ويكون لديهم إيمانٌ دينيٌّ بوجود مثل هذه الأرواح، أمَّا مَن يقبلون ماديَّة الحيوانات البشريَّة فيَرَوْنَ أنَّ هذا الخيار غير مطروح من البداية.
حَقِّقْ حريَّة إرادتك المُستحقة عبر التوفيق بين رغباتك من الدرجتين: الأولى والثانية.
بالرغم مِمَّا سبق؛ فلا يكفي القول إنَّه ما دامت الخيارات غير قسريَّة فهي حرة؛ فالنّحل لا يُجبَر على نشر حبوب اللقاح تحت تهديد السلاح، لكنَّ سلوكياته شديدة التلقائيَّة؛ حيث لا يُمكِن تصنيفها على أنَّها حرة. وبالمثل، فإنَّ السلوكيات البشريَّة التلقائيَّة أو التي لا تستند إلى تفكير، مثل الاستهلاك الإدماني مثلًا، لا تُعدُّ سلوكيَّات حرة حريَّة أصيلة هي الأخرى. إذنْ، ما الذي يجعل بعض الاختيارات البشريَّة تصل إلى مرتبة الحريَّة الحقيقيَّة بدلًا من مُجَرَّد الاختيار القسري؟
إنَّ أفضل إجابة عن هذا السؤال هي نظريَّة “هاري فرانكفورت” المُهِمَّة حول الفرق بين الرغبات من الدرجتين الأولى والثانية، ورغباتنا من الدرجة الأولى هي تلك الرغبات الآنِيّة: قطعة كعك، أو ممارسة الجنس، أو حكّ جلدنا في موضع الحكة، أمَّا الرغبات من الدرجة الثانية، فهي رغبات عن هذه الرغبات؛ قد لا أرغب في تناول الكعك؛ لأنَّني أحاول أن أتناول طعامًا صحيًّا أكثر، وقد لا أرغب في ممارسة الجنس؛ لأنَّ الشخص الذي أرغب فيه ليس هو الشخص الذي تربطني به علاقة زوجيَّة.
يقول فرانكفورت إنَّنَا نملك نوعًا من حريَّة الإرادة يستحقُّ الامتلاك عندما تتوافق رغباتنا من الدرجتين الأولى والثانية ثُمَّ نتصرَّف بناءً عليها، ولكن عندما نختار أن نفعل شيئًا لا نُرِيد القيام به، مع أخذ الأمور كلّها في الحُسبان، فإنَّنا نفشل في ممارسة حريَّة إرادتنا ونتصرَّف بشكلٍ قهري، وإذا لم نُفَكِّر حتى فيما إذا كنا نرغب في رغبةٍ ما، فإنَّنا لا نمارس حريَّة الإرادة إذا تصرفنا بناءً على تلك الرغبة الأولى دون تفكير.
لا تفلت الرغبات من الدرجة الثانية من سلاسل السبب والنتيجة؛ لأنَّها في جوهرها نتيجة لسلسلة من الأحداث التي لم نخترها. لكن، يُمكِننا اختيار الأشياء التي نقوم بها بحريَّة “طوال الوقت”. لا يُمكِن لأحد أن يختار الأشياء التي تُشكله بشكل أساسي مثل: جيناته، مجتمعه، عائلته، وحتى الله لن يكون حرًّا في تغيير طبيعته، إذا كان موجودًا.
إنَّ إدراك حريَّة الإرادة التي نملكها يتطلَّب قبول حقيقة أنَّ الحريَّة الكاملة أمرٌ مستحيل؛ ذلك لأنَّ امتلاك الإرادة الحرة يعني أن نكون أحرارًا بما يكفي لأن نختار بأنفسنا على أساس الأسباب التي نتبنَّاها بعد تفكير، لا أكثر أو أقل.
النقاط الرئيسة – كيف تُفَكِّر في حريَّة الإرادة
- اختياراتك جميعها حتميَّة نوعًا ما. في كثيرٍ من الأحيان، قد تشعر كما لو أنَّ لديك الحريَّة في التصرف كما يحلو لك (نظريَّة تُعرف باسم “الطوعيَّة”)، ولكن عند الأخذ في الحُسبان تاريخك وشخصيتك ومزاجك وغيرها من العوامل، فَستجدُ أنَّ حتميَّة التصرف قائمة في كل ما تفعله.
- لا مفرَّ من سلسلة السبب والنتيجة. حتى فيزياء الكمِّ وعشوائيَّة السببيَّة الكموميَّة لا يُمكِن أن تُقدِّم لنا مفرًا؛ لأنَّ القدرة على التصرُّف بشكل عشوائي ليست مثل امتلاك الإرادة الحرة.
- إنَّ امتلاك إرادة حرة طوعيَّة يعني أن تكون مُتقلِّبَ المزاج تمامًا. إنَّ التصرف دون أسباب سيكون بمثابة التصرف بلا عقل، ومثل هذه الحريَّة ستكون بلا مبرر؛ لأنَّ الأساس الوحيد لاختيارنا هو القدرة على الاختيار نفسه.
- القيود المفروضة على اختياراتنا هي التي تُتيح ظهور مفهوم الشخصيَّة. لن تكون لدينا أي شخصيَّة أخلاقيَّة إذا لم يكن لدينا شعورٌ قويٌّ بأنَّ هناك أشياء لا يسعنا فعلها وأشياء أخرى يجب علينا فعلها.
- المدح واللوم لا يعتمدان على الحريَّة المُطلقة. إنَّ قبول المرء بأنَّه قد ارتكب خطأً ثُمّ تحمل المسؤوليَّة عنه يعني عزمه على محاولة عدم الوقوع في ذلك الخطأ مرة أخرى، وإصلاح ما قد فسد نتيجة لتصرُّفه، ومن الواضح أنَّ لدينا القدرة على فعل ذلك، وهذا هو كل ما يهمُّنا هنا.
- من المُفيد أن تشعر أنَّه كان في استطاعتك التصرُّف بطريقة مختلفة، حتى لو كان ذلك خيالًا. عندما نُفَكِّر أنَّه كان من المُمكن القيام بالأشياء بشكلٍ مختلف لو كانت الظروف مختلفة، أو كان الإطار العقلي مختلفًا قليلًا، فإنَّ هذا وحده يجعلنا نتعلَّم تحمُّل المسؤوليَّة والتصرُّف على نحو أفضل في المرة القادمة.
- لا ترفض مفهوم “الإرادة الحرة”، بل أَعِد التفكير فيه. يعترف المفهوم “التوافُقيّ” للإرادة الحرة بالضرورة السببيَّة للعالم المادي، لكنَّه يعترف أيضًا بأنَّه إذا لم “يُجبرني أحدٌ على فعل ذلك” فإنَّني أتصرُّف بحريَّة.
- حَقِّق حريَّة إرادتك المُستحقة عبر التوفيق بين رغباتك من الدرجتين: الأولى والثانية. تشمل الرغبات من الدرجة الأولى: الرغبة في الحصول على كعكة، أو ممارسة الجنس، أو حتى أو حكّ جلدنا في موضع الحكة؛ أمّا الرغبات من الدرجة الثانية فهي رغباتك حول هذه الرغبات، مثل: الرغبة في مقاومة الرغبة في الكعكة. الكائنات الحرة هي تلك التي يُمكِنها التصرُّف بناءً على رغباتها بشأن رغباتها، وليس فقط التصرُّف تلقائيًا بناءً على رغباتها.
لماذا الأمر مُهِمٌّ؟
إنَّ تبنِّي وجهة النظر التوافقيَّة عن حريَّة الإرادة يُشجِّع على قيام مجتمع أكثر إنسانيَّة.
إذا تَبنّيْنا فكرة توافقيَّة عن حريَّة الإرادة سيكون علينا أن نُخلِّص أنفسنا من أوهامِ وضلالاتِ الحريَّة والسيطرة “المطلقتين”. قد يكون من المُزعج لنا قبول حقيقة مفادها أنَّنا لا نستطيع أن نفعل غير ما نفعله، أو أنَّه لا يُمكِننا أن نكون مُختلِفين عمَّا نحن عليه. لكن، إذا تمكنَّا من التغلُّب على هذه الأفكار المُزعجة، سيكونُ بإمكاننا الانتقال إلى حالٍ من التواضع والتعاطف يتصف بأنَّه أكثر إنسانيَّة وواقعيَّة من ذلك الحال المُتجذِّر في الاعتقاد الساذج بحريَّة الإنسان غير المُقيدة.
لقد أظهرت الدراسات مثلًا أنَّه كلَّما زادَ إيمان الناس بحريَّة الإرادة، أصبح حكمهم أكثر قسوة، ليس على المُجرمين فحسب، بل على ضحاياهم أيضًا؛ فنحن عندما نفشل في الاعتراف بقيود الحريَّة، نُصبح أقل تسامحًا وأكثر ميلًا للعقاب. ولكن رفض حريَّة الإرادة تمامًا سيكون بالتأكيد إحدى الطّرائق التي تجعلنا أكثر تسامُحًا، بيد أنَّه قد يدفعنا أيضًا إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث تُشير مجموعة أخرى من الدراسات المعروفة إلى أنَّه عندما نُشجِّع الناس على الاعتقاد بأنَّ الإرادة الحرة مُجَرَّد وهمٍ، فإنّهم يُصبِحون أكثر ميلًا للغشِّ. والمنطق الذي يركنون إليه هنا هو أنَّه إذا لم تكن لدينا إرادة حرة، فلا يُمكِن لوم أي شخص على أفعاله؛ لذلك لا يُعدُّ من المنطقي أن نَشْمَئِزَّ من ارتكاب الأخطاء.
ينبغي لنا أن نتشكَّك في هذه الدراسات كلّها؛ حيث إنَّ العديد منها لم ينجح في الحصول على النتائج نفسها عند تكرارها. ومع ذلك، وبغضِّ النظر عن الدراسات، فمن المنطقي أنَّ الإيمان بالإرادة الحرة الطوعيَّة يستلزم تحميل المرء الكثير من المسؤوليَّة، أمَّا رفض الإرادة الحرة تمامًا فيعني انتفاء المسؤوليَّة بالكليَّة. إذن؛ وحدَه النهج التوافقي هو الذي يمنحنا إطارًا يُمكِننا من خلاله مُحاسبة الناس بشكل مُناسب، فهذا النهج يرى أنَّه لا ينبغي إعفاء الناس من المسؤوليَّة بشكلٍ تام، بل يجب علينا أن نُصبح أكثر وعيًا بما يُشِّكل سلوك الناس، وبالتالي نكون أكثر فهمًا لذلك السلوك، يجب علينا كذلك أن نُطبِّق الشيءَ نفسه على الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا أيضًا.
يسمح النهج التوافقي أيضًا بقَبول الحقيقة الثابتة التي تقول إنَّ ما نُفَكِّر فيه يُغيِّر الطريقة التي نتصرَّف بها؛ حيث يفترض كثيرون أنَّه إذا كان ما نقوم به كلّه محكومًا بالأساس بحتميَّة السبب والنتيجة، فإنَّ أفعالنا تنجم عن عمليات الدماغ التي “تتجاوز” أفكارنا ومعتقداتنا. لكن، لا يُمكِن للأمر أن يكون بهذه البساطة؛ لأنَّنا عندما نُغيِّر ما نعتقد فإنَّنا نُغيِّر الطريقة التي نتصرَّف بها؛ فأنا مثلًا إذا كنتُ أعتقد أنّ هذه الكعكة مسمومة، فلن آكلها. ولهذا السبب من المُهِمِّ أن نُفَكِّر في أفعالنا كونها خاضعة لسيطرتنا بدرجةٍ ما: فما نعتقده فيه يُغيِّر ما نفعله.
الدرس الأخير الذي لم نفهمه بالقدر الكافي هو أنَّه لا ينبغي لنا أن نخشى حقيقة مفادها أنَّنا نتَّخِذُ العديد من قراراتنا لا شعوريًّا؛ فالفنانون مثلًا كثيرًا ما يقولون إنَّهم لا يعرفون إطلاقًا مصدر أفكارهم، وإنَّهم يشعرون بأنَّهم قنوات ناقلة أكثر من كونهم مُبدعين، لكنَّ، الفنَّ هو أحدُ أسمى أشكال التعبير عن حريَّة الإنسان، ودور العقل الواعي هو مُعالجة وصقل ما يصدره اللاشعور، فتكون النتيجة هي الإبداع، وهو إبداع الفنان بالكامل. ومن دون الوعي الشعوري بما نقوم به تكون الحريَّة مستحيلة، بيدَ أنَّ السيطرة الواعية ليست شيئًا نحتاج دائمًا إلى ممارسته.
الروابط والكتب
يُمكِنكم الاطلاع على وصف أكمل لمشكلة حريَّة الإرادة والحل الذي أتبنَّاه في كتابي: «استعادة الحريَّة: إمكانيَّة الإرادة الحرة» (2015م). كما أُناقِش بعض قضايا الكتاب في هذا الحديث عبر الفيديو على موقع (Weekend University) وفي هذه الحلقة من بودكاست (The Philosopher’s Zone) على إذاعة ABC.
هذه الحلقة من سلسلة «في زماننا» على إذاعة بي بي سي 4، التي يُقدّمها ملفين براج، تطرح مناقشة جيدة للموضوع مع الفلاسفة سيمون بلاكبيرن وهيلين بيبي وجالين ستروسون.
يضمُّ بودكاست (Philosophy Bites)، الذي يُقدّمه نايجل واربورتون من منصة سايكي، عدة حلقات عن حريَّة الإرادة يستضيف فيها توماس بينك ونيل ليفي ودانيال دينيت، وهو بودكاست يُمكِننا دائمًا الرجوع إليه.
يُمكِن الاطلاع على مختصر مُفيدٍ جدًّا في هذا الموضوع في كتاب توماس بينك: «الإرادة الحرة: مقدمة قصيرة جدًّا» (2004م). (Free Will: A Very Short Introduction)
يقدم كلٌّ من: جون مارتن فيشر وروبرت كين وديرك بيريبوم ومانويل فارغاس نظرة عامة وشاملة على الجدل الفلسفي المعاصر بشأن حريَّة الإرادة في كتابهم: «أربع وجهات نظر حول الإرادة الحرة» (2007م). (Four Views on Free Will)
يُعدُّ كتاب: «دليل أكسفورد للإرادة الحرة» (The Oxford Handbook of Free Will) الذي حرَّرَهُ روبرت كين وصدر بطبعته الثانية عام 2011م من أكثر الكتب دسمًا في الموضوع وأيسرها توافرًا.
يظلُّ كتاب دانييل دينيت: «حريَّة الاختيار: صنوف الإرادة الحرة التي تستحقُّ الرغبة» (1984م) هو أفضل دراسة معاصرة حول هذا الموضوع في نظري، بل أفضل من كتابه الأخير: «الحريَّة تتطور» (2003م).
يضمُّ كتاب: «حريَّة الإرادة» (Free Will) (الطبعة الثانية، 2009م) مجموعة ممتازة من الكتابات الكلاسيكيَّة عبرَ التاريخ حول هذا الموضوع، وهو مِن تحرير: ديرك بيريبوم.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة سايكي).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




