أندريا بيترسن
عندما تخبر ميغان سيريتو أبناءها أن وقتهم في مشاهدة “السلاحف المتحولة المراهقة” على أجهزة كيندل الخاصة بهم أو على آيباد العائلة قد انتهى، فإن ذلك لا يمر عادةً بشكل جيد.
“إنهم يشعرون بالاستياء التام، ويصرخون حول مدى عدم عدالة الحياة ومدى قسوتي”، تقول سيريتو، 42 عامًا، وهي أُمٌّ تقيم في المنزل ولديها ولدان، أحدهما في الخامسة والآخر في الثامنة، وناشطة مجتمعية في لونغ آيلاند سيتي، كوينز. أي أنهم يشعرون بالاستياء إذا لم يتجاهلوها تمامًا، “يتصرفون وكأنك غير موجود، ولا شيء موجود” سوى الجهاز، كما تقول، “وهو أمر مزعج للغاية”.
يمكن لمعظم الآباء الذين لديهم أطفال صغار أن يرتبطوا بهذا السيناريو: أطفالهم في حالة غيبوبة أمام الشاشة، ثم المشاجرات والانفعالات التي تحدث عندما يأخذون الجهاز بعيدًا. يمكن أن تكون الانتقالات من نشاط إلى آخر صعبة للأطفال الصغار، لكن الانتقال بعيدًا عن الأجهزة الرقمية غالبًا ما يكون مستوًى آخر من الألم.
“هؤلاء الأطفال الصغار الجميلون يتخذون شخصية مختلفة تمامًا عندما تُزال الشاشات”، توضح ريبيكا ريالون بيري، الحاصلة على درجة الدكتوراه وأستاذة مساعدة في الطب النفسي للأطفال والمراهقين في جامعة نيويورك لانغون. يمكن أن تجعل الأصوات والألوان والحركة السريعة للمحتوى الرقمي أكثر جذبًا وإثارة من العالم الحقيقي، وبالتالي أكثر صعوبة في الانفصال عنه، كما قالت الدكتورة بيري. إن التفاعلية -لمس الشاشة وجعل شيء ما يحدث- تكون مثيرة بشكل خاص للأطفال الصغار. وسيستمر الأطفال في “فعل ذلك”، كما يقول الدكتور ديمتري كريستاكيس، دكتور في الطب، مدير مركز صحة الطفل والسلوك والتنمية في معهد أبحاث الأطفال في سياتل، “إنه مُرضٍ بشكل مكثف”.
بالإضافة إلى ذلك، تقدم العديد من التطبيقات وألعاب الفيديو مكافآت على شكل نقاط أو ملصقات افتراضية، والحصول على تلك المكافآت يمكن أن يكون ممتعًا، “إن مقدمي الألعاب والتطبيقات يدركون تمامًا أنهم يجنون المال من انتباه أطفالنا”، كما قال الدكتور كريستاكيس، “إنهم يدمجون ميزات تصميم تجعل من الصعب وضعها بعيدًا”.
فما الذي يحدث في دماغ الطفل عندما يحدث كل هذا؟ الأنشطة الممتعة تسبب إفراز الدوبامين، وهو ناقل عصبي يرسل إشارة إلى القشرة الجبهية، الجزء من الدماغ المعني بالتخطيط وتنظيم المهام. الرسالة هي “افعل ذلك مرة أخرى، احصل على مزيد من ذلك”، كما يقول الدكتور كريستاكيس. (إفراز الدوبامين ليس محددًا بوقت الشاشة بالتأكيد، بالنسبة للأطفال، يمكن أن يحدث عندما يحصلون على مدح من الآباء أو يأكلون وجبة خفيفة عندما يشعرون بالجوع)، ثم، عندما يوقف الآباء الألعاب أو مقاطع الفيديو على يوتيوب، تنخفض مستويات الدوبامين لدى الأطفال. إن “تجربة الانسحاب تُعدّ مؤلمة”، كما يقول الدكتور كريستاكيس، إذ “تشعر بانسحاب مؤقت كما لو كنت تتراجع عن نشوة”.
لا يمتلك الأطفال الصغار القدرة الكافية على تنظيم عواطفهم، مما يجعل من الصعب عليهم التكيف مع التحولات المستمرة دون الشعور بالانزعاج. في دراسة أجراها باحثون من جامعة واشنطن شملت 27 والدًا لأطفال تتراوح أعمارهم بين 1 إلى 5 سنوات، قال 93 في المئة من الآباء إن طفلهم “يُظهر نوبة غضب، أو يتذمر، أو يقاوم إنهاء وقت الشاشة في بعض الأحيان على الأقل”، وذكر 37 في المئة أن وقت الشاشة “ينتهي دائمًا تقريبًا بشجار”.
توصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بعدم تعرض الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 إلى 24 شهرًا للإعلام الرقمي -باستثناء مكالمات الفيديو- وأن الأطفال من عمر سنتين إلى خمس سنوات لا ينبغي أن يتجاوزوا ساعة واحدة من وقت الشاشة يوميًّا. كما توصي المنظمة بأن يشاهد الآباء الإعلام مع أطفالهم لمساعدتهم على فهمه. (حسنًا، لكن كيف يُفترض بالآباء الذين لديهم أطفال صغار أن يستحموا؟) لقد ربطت الدراسات الاستخدام المفرط للإعلام من قبل الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة بزيادة خطر السمنة، وقلة النوم، وتأخيرات في الإدراك واللغة والعاطفة.
فكيف يمكن للآباء أن يأخذوا جهازًا دون التسبب في نوبة غضب؟ يساعد جعل وقت الشاشة جزءًا متوقعًا ومجدولًا من روتين الأطفال، وفقًا لما ذكره بول دوناهيو، دكتوراه، وهو عالم نفس في سكارسديل نيويورك، (على سبيل المثال، حلقة واحدة من “جورج الفضولي” في اليوم بينما يقوم أحد الوالدين بإعداد العشاء). في دراسة أخرى أجراها باحثون من جامعة واشنطن، أكملت 28 عائلة لديها أطفال تتراوح أعمارهم بين 1 إلى 5 سنوات مذكرات عن انتقالات أطفالهم إلى ومن وقت الشاشة على مدى أسبوعين، وقد وجدوا أنه عندما يكون وقت الشاشة مخططًا، فإن الأطفال يكونون أقل انزعاجًا بكثير عندما يحين الوقت لإنهائه.
تقترح الدكتورة بيري وضع خطة مع أطفالك للقيام بشيء ممتع عندما ينتهي وقت الشاشة، مثل تناول وجبة خفيفة أو الذهاب إلى الحديقة، ثم، قبل بدء الفيديو أو التطبيق، ذكرهم بأنهم سيتمكنون من القيام بذلك النشاط إذا تمكنوا من إيقاف تشغيل الآيباد دون فقدان أعصابهم. سيكون من الأسهل بكثير السماح للأطفال بفعل شيء ممتع بعد وقت الشاشة بدلًا من توقعهم الانتقال مباشرة إلى العشاء أو الاستحمام أو النوم (توصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بعدم استخدام الشاشات خلال الوجبات، وإيقافها على الأقل ساعة قبل وقت النوم). يمكن أن يكون من المفيد أيضًا وجود جدول مكافآت، بحيث يحصل الأطفال على ملصقات مقابل تسليم الجهاز دون الانزعاج.
يُحذِّر العديد من الآباء أطفالهم عندما يقترب وقت الشاشة من الانتهاء، لكن دراسة المذكرات التي أجراها باحثون من جامعة واشنطن وجدت أن الأطفال الصغار كانوا أكثر انزعاجًا عندما قدَّمَ الآباء تحذيرات قبل أن يحين الوقت لوضع الشاشة بعيدًا. أليكسيس هينيكر، الحاصلة على درجة الدكتوراه، وهي الباحثة الرئيسية في الدراسة وأستاذة مساعدة في كلية المعلومات بالجامعة إنها لا تعتقد أن التحذيرات مشكلة جوهرية، لكن الآباء غالبًا ما يستخدمونها كملاذ أخير عندما لا يعرفون ماذا يفعلون، وفي هذه الحالات، يمكن أن تحفز التحذيرات صراعًا على السلطة، و”يمكن أن تذكر الطفل بمن هو المسؤول، وأنه ليس له رأي”، كما تقول الدكتورة هينيكر.
لا تزال الدكتورة هينيكر تقترح على الآباء أن يقدموا تحذيرات لأطفالهم، لكنها توصي بأن تشارك الأُسَر الأطفال في العملية من خلال السماح لهم باختيار متى ستحدث التحذيرات (10 دقائق مقابل 5 دقائق قبل انتهاء وقت الشاشة، على سبيل المثال)، ثم السماح لهم بضبط المؤقت والتعبير عن آرائهم حول النشاط الذي يجب القيام به عندما ينتهي الفيديو أو اللعبة.
بدأت سيريتو باستخدام المؤقت على جهاز أمازون إيكو الخاص بعائلتها لإخبار أبنائها بعدد الدقائق المتبقية من وقت الفيديو، تقول إن المؤقت قد ساعد، إذ “إنهم يسلمونه بسهولة أكبر قليلًا”، قالت، “إنه تقريبًا كشرط بافلوفي”.
ربما يبدو الأمر بدهيًّا، لكن لا تحاول إنهاء وقت الشاشة للأطفال عندما يكونون في وسط لعبة أو فيديو، تقول سارة إي. دوموف، دكتوراه، أستاذ مساعد في علم النفس في جامعة ميتشيغان المركزية، التي طورت، مع زملائها في جامعة ميتشيغان وجامعة ولاية آيوا، مقياسًا لقياس “إدمان” وسائل الإعلام الرقمية لدى الأطفال من سن 4 إلى 11.
يساعد إيقاف ميزة التشغيل التلقائي على منصات مثل نتفليكس ويوتيوب في تقليل الوقت المفرط الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات. تقول الدكتورة أليكسيس هينيكر، التي أجرت أبحاثًا في هذا المجال، إن الدراسة أظهرت أن من الصعب تحديد أو إنهاء وقت الشاشة عندما يبدأ الفيديو التالي تلقائيًا.
يحتاج الآباء إلى البقاء أقوياء والتمسك بخطتهم حتى عندما يواجهون شكاوى صاخبة، تقول جيني رادسكي، دكتوراه، أستاذ مساعد في طب الأطفال في جامعة ميتشيغان، ” إذا كنت تمنح أطفالك موافقة على استخدام وسائل الإعلام لفترات طويلة بشكل غير منتظم، حيث يتوقعون أحيانًا أن تجيبي بـ”نعم”، فإن ذلك قد يجعل الانتقالات المستقبلية أصعب، كما تقول الدكتورة رادسكي، التي شاركت مع الدكتور كريستاكيس في تأليف إرشادات الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بشأن استخدام وسائل الإعلام للأطفال الصغار.
يمكن أن تؤدي جلسة وقت الشاشة القصيرة جدًّا أيضًا إلى نوبات غضب، يقول الدكتور دوناهيو، إذ “يستغرق الأمر بعض الوقت للأطفال للانتقال والتركيز على ما يفعلونه”، يقول، “فإذا قلت: “يمكنك استخدامه لمدة خمس دقائق، ثم سأخرجه من يديك”، فإن ذلك يخلق الكثير من الإحباط”، وهو يوصي بجلسات تتراوح بين 30 إلى 45 دقيقة.
فماذا يحدث إذا اتبعت هذه النصيحة وما زال طفلك يثير الفوضى؟ ابقَ هادئًا وابتعد، يقترح الدكتور بيري. وإذا حدثت نوبات الغضب بشكل متكرر، فقد تحتاج إلى اتخاذ تدابير قاسية، يقول الدكتور دوناهيو، “قد تحتاج إلى أن تقول: “لن نستخدم الجهاز لفترة من الوقت””، ويقول: يجب أن تكفي بضعة أيام من دون جهاز “لمساعدة الطفل على فهم أن الشاشات امتياز”.
ثم عند إعادة الإلكترونيات للأطفال، يقترح الدكتور دوناهيو أن يشرح الآباء أن العودة هي فقط على “أساس تجريبي لمعرفة ما إذا كانوا مستعدين للتعامل معها مرة أخرى”.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة نيويورك تايمز).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




