عندما يتعرّض الطلاب في هذه الأيّام لأوّل مرّة للأخلاق الفلسفية، تُقدّم عادةً بثلاثة مناهج متنافسة: أولًا، العاقبية، التي تقول إن الحياة الأخلاقيّة هي مسألة تحديد الأفعال التي ستؤدّي إلى أفضل النتائج بشكل عامّ، ومن ثَمّ يجب القيام بهذه الأفعال. ثانيًا، إثيقا الواجب، والذي تضمّن اكتشاف القواعد أو المعايير التي توجّه الأعمال الصالحة، واتباع تلك القواعد. ثالثًا، الحياة الطيّبة. هذا المصطلح مشتق من الكلمة اليونانية (يوديمونيا)، والتي كان لها دلالة على كون الموضوع «مباركًا» ولكنها عادة ما تُترجم إلى «السعادة». إذن، يقول منهج الحياة الطيبة، أن الأخلاق تدور حول معرفة كيف تكون سعيدًا.
وما قد لا يُقال للطلاب هو أنه لفترة طويلة كانت كل النظرية الأخلاقيّة في التراث الأوروبّي هي نظرية الحياة الطيّبة، فهي كانت النظرية الوحيدة السائدة في أوروبا؛ كان لدى المدارس الأخلاقيّة الكلاسيكية العديد من الخلافات، لكنهم جميعًا ادّعوا أنهم حدّدوا أفضل طريقة للعيش، والتي قصدوا بها طريقة الحياة التي تجعلنا سعداء. وينطبق هذا حتى على المشككين القدامى، الذين اعتقدوا أن أساليبهم في دحض جميع ادعاءات المعرفة ستؤدّي في النهاية إلى “التحرّر من الاضطراب” من خلال علاجنا من القلق بشأن ما إذا كانت معتقداتنا صحيحة أم لا، لكن هذا ينطبق أيضًا على أتباع المتعة القدامى، مثل الأبيقوريين، حيث كانت نصيحتهم تعظيم المتعة وتقليل الألم، الأمر الذي يبدو وأنه يندرج ضمن العاقبية؛ لكن أبيقور أوضح أنه أيضًا كان يعلم أتباعه كيف يعيشون دون انزعاج، أو كما قد نقول، براحة البال، وعلاوة على ذلك، يهتم الأبيقوريون بمتعهم الفرديّة، وليس متعة الآخرين، على الأقل في المقام الأول.
يقودنا هذا إلى اعتراض واضح على منهج الحياة الطيّبة، وهو أنها تتمحور حول الذات؛ كيف يمكن لنظرية أخلاقيّة تركّز على إسعادي أن تشرح واجباتي الأخلاقيّة تجاه الآخرين؟ بالتأكيد، قد أرغب في التأكد من أن عائلتي وأصدقائي، أو حتى رفاقي المواطنين، في حالة جيّدة، لكن لمجرّد مصلحتي الشخصية، فبالتأكيد لا أريد أن أعيش وسط أناس بائسين. في الواقع، يقضي أرسطو، الذي يُنسب إليه غالبًا باعتباره المفكّر المركزي في منهج الحياة الطيّبة، وقتًا طويلًا في شرح سبب تكوين الشخص السعيد للصداقات. مع ذلك، من الصعب أن نقول لماذا يجب على عالم الحياة الطيّبة أن يهتم برفاهية الغرباء، وعلاوة على ذلك، يبدو من الغريب أنني يجب أن أهتمّ بالآخرين فقط كنتيجة غير مباشرة للاهتمام بنفسي، لذلك غالبًا ما ناقش العلماء ما إذا كانت حجج أرسطو يمكن أن توفر لنا أسبابًا للإيثار الحقيقي.
شيء مماثل ينطبق على تقليد الحياة الطيبة من ثقافة قديمة أخرى، ألا وهي البوذية. فبخلاف أبيقور، تركّز تعاليم بوذا على تحرير الذات من المعاناة، وفي حالة بوذا، النصيحة هي التخلي عن الرغبة، وهذا أيضًا لا يبدو مناسبًا جدا لتحفيز الاعتناء بالآخرين. قد يقول البوذيون إن الأمر كذلك. بما أنّ جعل المرء سعيدًا يتطلّب التخلّي عن الرغبة في الأشياء لنفسه، فهو عكس الفلسفة المتمحورة حول الذات. فمن خلال التخلّي عن الرغبة، سيطوّر المرء تعاطفه مع الآخرين. لكن ليس من الواضح على الفور لماذا يجب أن ينشأ الشعور الإيجابيّ بالتعاطف من الحالة السلبية لانعدام الرغبة.
هذا لا يعني أن هذه التراث القديم لا يمكن أن يفسّر الإيثار، ولكن هذا يعني أنه إذا كان بإمكانهم استيعاب المواقف الإيثارية، فإنهم سيفعلون ذلك بشكل غير مباشر فقط، كنوع من المنتجات الثانوية للبحث عن السعادة للذات، وعلى النقيض من ذلك، وضعت النظريّات الأخلاقيّة المتنافسة الإيثار في المقدمة، بل في المركز. تخبرني العاقبية أن أفكر في أثر أفعالي على الجميع، وليس عليّ أنا فقط؛ وإثيقا الواجب تضع الكثير من القواعد حول كيفيّة معاملة الآخرين. تبدو هذه فائدة فلسفية كبيرة، لكنّ لها جانبًا سلبيًا عندما يتعلّق الأمر بمسألة التحفيز. فماذا لو كنت لا أهتمّ بشكل خاصّ بمضاعفة المنفعة للأشخاص الآخرين؟ أو إذا كنت لا أشعر برغبة في اتّباع القانون الأخلاقيّ؟ قد يقول مناصرو هذه النظريات إنهم يحاولون فقط قول ما تتطلّبه الأخلاق، ولا يحاولون إقناع أيّ شخص بالاستجابة لتلك المطالب.
لكن منهج الحياة الطيبة يمكن أن يدّعي المزيد هنا؛ فإذا استطاع الفيلسوف أن يقدّم لك وصفًا مقنعًا للحياة السعيدة، سيكون لديك دافع فوري لاعتماد وصفاته. فمن البديهي -كما يلاحظ أرسطو- أن نقول: إن الجميع يريد أن يكون سعيدًا.
يساعد هذا في تفسير سبب كون منهج الحياة الطيبة لفترة طويلة هي الإطار الوحيد للتفكير في الأخلاق في الغرب. أولًا وقبل كل شيء جاء سؤال من الواضح أنه ملحّ للجميع: “ما الحياة الطيّبة؟” قُدّمت إجابات مختلفة: حياة المعرفة، وحياة العقل، وحياة من المتعة، وحياة الفضيلة… يمكن بعد ذلك استخلاص الإيثار من هذه الإجابات: إنه لمن دواعي سروري أن يكون لديك أصدقاء؛ ومعاملة الناس بعدل؛ لذا ادّعى منظّرو الحياة الطيبة أن عيش الحياة الطيبة يتطلّب أن تكون طيّبا مع الآخرين، على الرغم من أن هذه لم تكن نقطة البداية.
إذا كانت هذه طريقة طبيعية للتفكير في الأخلاق، فلماذا ظهرت نظريات أخلاقيّة معارضة لها؟ قد تكون الإجابة الكاملة طويلة، لكنها تحتاج إلى الإشارة إلى الدين. في الواقع، بتشبث منهج الحياة الطيبة بقوّة في تقاليد الإيمان الإبراهيميّ، ولا يزال المسلمون في العصور الوسطى مثل الفارابي واليهود مثل موسى بن ميمون والمسيحيّون مثل الأكويني يضعون السعادة في قلب الأخلاق، ولكن ظهرت خيارات أخرى. فقد كان علماء اللّاهوت يقترحون أن الله -ببساطة- هو الذي يقرر ما هو صالح. السبب الذي يجعلك لا تقتل الناس هو أنه قال لك لا تفعل. ومن أنت لتتحدّى وصايا الله؟
بالطبع قد يتساءل المرء: لماذا وضع الله هذه الوصايا بالضبط؟ أظنّ أن التفكير الأخلاقيّ الغربيّ قد تباعد جزئيًا بسبب الإجابات المختلفة التي توحي بنفسها لهذا السؤال. هل هذه الأوامر بعينها لتعظيم بعض النتائج، أم لإدراك مجموعة من القوانين عقلانية؟ أم ببساطة من أجل أن نكون سعداء؟




