ليست كل الحيوات قابلة للسرد. هناك من يمضون في الظلّ، دون أن تُسلَّط عليهم الأضواء أو تُنسَج حولهم الحكايات. لا مآسي تُروى، ولا بطولات تُتداول. مجرّد سيرة هادئة، تنزلق بين «السرديات الكبرى»، وتفلت من كل تصنيف. لا نقطة تحوّل فارقة، ولا لحظة سقوط مدوٍّ، ولا ذروة تُبرر النهوض. إنها الحياة كما هي: ممتدّة في الزمن دون ادّعاء، خافتة لا تستجدي انتباهًا، بلا خاتمة درامية، ولا عنوان يجذب اليد إلى الغلاف.
في تلك الممرات الجانبية، حيث لا مجد ولا هزيمة، يعيش كثيرون. لا مكان لهم في دفاتر التاريخ، ولا في تقارير الإنجاز، ولا على قوائم من أنقذوا العالم أو خذلوه. لا يتصدرون شاشات، ولا تُتداول صورهم. ومع ذلك، لا يمكن القول إنهم غائبون. هم هناك، في الداخل الصامت للعالم، يكدّسون الأيام بلا صخب، ويجتازون الحياة ببطء لا يضبطه الزمن ولا تستعجله الرغبة.
لا يسألون عن جدوى الأشياء كل صباح، ولا يعلنون انسحابهم من سباق لم ينضموا إليه أصلًا. قراراتهم صغيرة، لكنها ثابتة. اختياراتهم متواضعة، لكنها مدروسة. لا يطلبون من العالم أن يتذكّرهم، ولا من الآخرين أن يفهموا ما لم يُقال. يكتفون بأن يكونوا في سلام مع إيقاعهم الخاص، حتى لو لم يتسق مع «متطلبات» العصر.
اللغة التي تصفهم نادرة، لأن خطاباتنا لا تحتفي إلا بما يلمع. كل ما لا يُحرّك ضجيجًا، لا يُرى. وكل ما لا ينتهي إلى سرد، يُهمل. لذلك، لا تلتقطهم الرواية الكبرى، رغم أنهم الوجه الآخر للحياة: الوجه الذي لا ينعكس على الشاشات، لكنه يملأ المدى اليومي للوجود.
لا يشعرون أنهم مُقصون من شيء، ولا يظنّون أن ثمّة ما فاتهم. فهم لم ينظروا يومًا إلى الحياة بوصفها مسرحًا، ولم يتعاملوا مع ذواتهم كما لو كانت مشروعًا قابل للتقييم. لا حاجة لديهم لتوثيق ما مرّ، ولا لمراكمة العلامات التي تقيس النجاح. تكفيهم لحظة يشعرون فيها أن العالم لم يُثقل عليهم أكثر من اللازم، وأن المساء جاء بلا ندوب إضافية.
في ثقافة تصرخ في وجوهنا كل يوم: «كن استثنائيًا»، يبدو هؤلاء كأنهم خارج اللعبة. لكنهم، في حقيقتهم، في صلب الحياة ذاتها. فمن قال إن المعنى لا يُولد إلا من التميّز؟ من قرر أن السير البسيط لا يحمل حكمة؟ هناك حكمة في الصمت، وفي القبول، وفي المرور دون ضوضاء. هناك شجاعة في أن تحيا دون رغبة في لفت الانتباه، ودون حاجة إلى دور رئيس.
هؤلاء لا يُفتَقدون إذا غابوا، ولا يُنتظر منهم شيء إذا حضروا. ومع ذلك، حين تتغير الأجواء النفسية من حولنا، حين يصبح الهواء أثقل علينا، ندرك أنهم لم يكونوا غائبين فعلاً، بل كانوا يخلقون التوازن بصمتهم، ويضبطون إيقاع الحياة بخفّتهم.
أن تعيش في الممرّ الجانبي لا يعني أنك أخطأت الطريق. قد تكون ببساطة اخترت مسارًا لا يضرّ أحدًا، ولا يسرق الضوء من غيره، ولا يستعرض حتى حين يكون محقًا. هذه الحياة غير القابلة للتسويق لا تُلهِم أحدًا، لكنها أيضًا لا تترك خلفها ندوبًا. هي ما تبقّى من المعنى بعد أن يغادرنا الضجيج.
ربما لا يحتاج الجميع إلى قصة تُروى. ليست المسألة في ضعف الأهمية والأثر، ولا في غياب العمق، بل في نوع آخر من الحضور لا يطلب تصفيقًا ولا يترك شعورًا بالندم. وفي زمننا الذي تعلو فيه صوت منصّات العرض، تبدو هذه الحيوات الصامتة وكأنها لم تُعش أصلًا، لكنها في حقيقة الأمر عاشت، وتواصل العيش، دون حاجة إلى شهود. يكفيها أنها تركت أثرًا خفيفًا على الأرض، لا يُرى من بعيد، لكنه حقيقي بما يكفي لأن يُحسّ.
…………………………………………..
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر الكاتب فقط.




