مقابلات وحوارات

«أُغنية الغراب» – حوار مع محمد السلمان

حاورته: بلقيس الأنصاري

لتحميل الحوار : حوار محمد السلمان


1- المخرج والسيناريست محمد السلمان، يسعدنا استقبالك لإجراء هذا الحوار؛ بدايةً حدّثنا عن بداياتك مع السينما، مِمَن تأثّرت مِن المخرجين، وأين تجدك ما بين الهندسة والسينما؟

في طفولتي وصولًا إلى مرحلة المراهقة، لم أكن مولعًا بالسينما بشكلٍ خاص، بل كنت أقضي جلّ وقتي في الشوارع والقرى؛ حيث تولد القصص كل يوم. لذا بدأ احتكاكي بأصناف الناس وخلفياتهم المتنوعة في وقتٍ مبكِّر.

لم تكن العائلة تملك اهتمامًا في هذا المجال بعينه، لكن على الجانب الآخر كان أبي حريصًا جدًا على اقتناء أحدث كاميرات الفيديو واستعمالها بهدف التوثيق. وكان أخي أكثر إلحاحًا واهتمامًا في تصوير المشاهد العائلية بجانب تجاربه الأخرى، وعليه فقد شهدت لأول مرّة العملية الإخراجية بأبسط صورها.

في أيام الثانوية وأنا أقلّب بين القنوات بعشوائيةٍ استوقفني فيلم «Memento»، للمخرج كريستوفر نولان، الذي كان يُعرض على القناة السعودية الثانية. كان أول فيلمٍ يُشعرني بوجود المخرج؛ فقد أدهشني السرد غير الخطّي بتنقلاته، ما منحني التفكير المطوّل في عقلية مَن صنع هذا الفيلم.

مرحلة الجامعة كانت زاخرة بالتجارب، حيث كانت جامعة البترول بيئة خلّاقة. وحين تواجه مثلًا أسئلة في الرياضيات والفيزياء، تشعر وكأنك تخترع الإجابة وتصنعها؛ لاعتماد نهج الحلّ على الفهم الكلي، ما عزّز داخلي الرغبة في ابتكار شيء جديد وأصيل.

وبنيّة تعلّم مهارات جديدة، انضممت إلى العديد من الأندية الطلابية المختلفة كالأندية العلمية والإدارية، وأمّا نادي المسرح فانضمامي إليه كان حاصل الصدفة البحتة؛ حيث دعاني زميل لي في التخصص أثناء تبادل أطراف الحديث معه، دعاني للنادي لكونه من يرأسه، وأيضًا لأنّ الغالبية هناك من أبناء مدينتي الأحساء؛ لذا رأى بأني سأحظى بوقتٍ ممتع: «بسّ زورنا». حينها لم أعلم بأنّ زيارتي هذه ستكون نقطة تحوّل؛ إذْ كانت تجربة نادي المسرح ساحرة وغنية. طبيعة الأشخاص هناك غير متكلفة – أحمد الشايب وهو من أعزّ أصدقائي اليوم، كان من يُلقي ويرحّب – لذا شدتني هذه البيئة التي شعرت فيها بالانفصال عن وجودي الفيزيائي في الجامعة، ومن ذلك التمارين المسرحية التي تتضمن الركض والتمثيل؛ كل هذا كان كمتنفّس يعيدني بطريقةٍ ما لمحمدٍ الطفل الذي كان يركض ويلعب.

وفي النادي بطبيعة الحال بحكم الاهتمام المشترك بعالم المسرح والسينما، كان من الوارد ذكر أسماء الأفلام والمخرجين. وتأثّرًا بهذه البيئة تغيّر نمط مشاهدتي للأفلام؛ إذ أخذت أبحث عن الأعمال التي تندرج تحت اسم مخرجٍ معيّن لأشاهد إثر ذلك جميع أعماله، ما كوّن لديّ تصوّر عن الأساليب والرؤى الإخراجية باختلافها.

ولكل فترة مخرج يعدّ مفضّلًا عند اكتشافه إلاّ أن من الأكيد وجود أسماء خالدة أعجبت بأعمالها: دارين أرنوفسكي، والأخوين كوين، وتوجد مفارقة بينهم، فالأول يمتاز بطابعٍ تراجيدي فلسفي، والآخران يمتازان بطابعٍ كوميدي فلسفي.

نهايةً توجد صِلة بين المخرج الذي يصمّم ويهندس تجربة المشاهِد، والمخترع الذي يبتكر تكنولوجيا معينة، إلاّ أن عمل المخرج قائم على اتصالٍ مباشر مع عقل الإنسان؛ حيث يتحكم بما يرى ويشعر، ويضعه في منطقةٍ تثير تساؤلاته. وعند إدراكي لهذا الدور الذي يقوم به المخرج اشتعل بداخلي الشغف مقرونًا بالفضول لخلق عوالم وشخصيات. فعندما تكون أنت المخرج والكاتب، وحين يُشاهد شخص ما فيلمك، يبدو الأمر وكأنه يلج إلى عالمك الذي صمّمته، وهنا بالذات وجدت التقاطع بين الهندسة والسينما.

2- «تعيش الصناعة السينمائية في السعودية وقتًا ذهبيًا». من هذا المنطلق كيف أثّر هذا الوقت الذهبي في خلق قوةٍ مرئية ناعمة، وما مدى نجاحها في إيصال واقع النقلة الحضارية والفكرية للمجتمع السعودي إلى العالم؟

بالفعل هذه فترة مهمة في تاريخ صناعة الأفلام السعودية، لوجود الدعم والتمكين بما فيه التطوير، والتدريب، وكل ما قد يساهم في نموّ هذه الصنعة. إذ نشهد الآن ما سيكون في الغد تاريخًا، تعود إليه الأجيال القادمة لتدرس هذه البداية.

وسوف نلاحظ مع الأيام والسنوات تبلور هوية واضحة مستقلة للسينما السعودية في الداخل والخارج. وعندما يعبّر المخرج بشكلٍ شخصي؛ سيتصلّ بالناس بصورةٍ أفضل، فحكاية فردٍ واحد كفيلة بأن تحمل بين طياتها تفاصيل وهوية مجتمع بأكمله. ورغم تباين الشخصيات واختلاف تجاربهم إلاّ أني أرى بأنّنا ننتمي لنسيجٍ اجتماعي وثقافي يميّزنا كسعوديين.

سوف يفهمنا الآتي من ثقافةٍ مختلفة، عندما يشاهد أفلامنا المستلهمة من تجارب الماضي والحاضر، التي نروي من خلالها أحلامنا المستقبلية وآمالنا كمجتمع. الأفلام هي أيسر الطُرق للتعرّف على ثقافة وحضارة شعبٍ ما. ولنأخذ السينما الأمريكية على سبيل المثال: يوجد هناك مَن لم يسافر إلى أمريكا إلاّ أنه ملمّ بقضايا الفرد الأمريكي، وأسلوب حياته ومستوعبٍ لتنوّعه، كما أنه على معرفةٍ بطبيعة الأرياف والمدن، حتى أنه قادر على أن يكون  دليلك في نيويورك مع كونه لم يطأها قط. وأستشهد هنا بزيارتي الأولى إلى أمريكا، حتى قبل أن أتعلّق بالأفلام لكنّ أوّل تعليقٍ شاركته لصديقي: «أحسّ أنّي داخل فيلم! منتظرًا أن يبزغ في السماء عنوانه». ذلك لأنّ كل مشهدٍ يذكّرني بتفاصيلٍ من أفلامٍ مختلفة، فيما كان المجتمع يمارس حياته العفوية.

عملية نقل الواقع الحضاري والثقافي للمجتمع لا تتمّ إلاّ عبر نقله من خلال شعور شخصياته، عليك أن تعرف هموم الفرد السعودي وما يسعده، مستعرضًا تركيبته النفسية وطريقة تعاطيه مع صراعاته اليومية؛ إذ عن طريق الدواخل النفسية يُنقل الواقع الحسّي، بعيدًا عن دائرة الإحصاءات والأرقام.

ومن هذا المنطلق فإنّ تلك العملية ستكون نتاج العديد من الأفلام على مدار السنين؛ لأنّ وجود حصيلة كبيرة من الأفلام سيؤدي إلى رسم أنماطٍ متفرّدة تلتقي في تقاطعاتٍ معينة، تنتج رونقًا خاصًا بالسينما السعودية.

3- إلى ماذا يحتاج العمل الفني الإبداعي ليكمل النموذج الفني المحلي، ويدعم تأثيره البانورامي على العالم متجاوزًا البقعة الجغرافية التي ينتمي إليها؟ وهل فيلم «أغنية الغراب» هو النموذج السعودي الإبداعي؟

أرى أنّ حكاية محلية صادقة تُروى بشكلٍ محكم، سوف تبني جسر الوصول إلى العالمية. فنجيب محفوظ الذي شقّت أعماله طريقها حتى وصلت إلى نوبل، لم يكن يحكي إلاّ عن روح الحارة المصريّة وشخوصها، مقارنةً بنماذج تهمّها القضايا الخارجية أو تنجرف لمغريات نيل الجوائز ونشوة الوصول إلى المهرجانات العالمية؛ فنجدها تتحدّث بلسان الآخر بعد أن تكسو الفيلم بجلدٍ محلي. ولا أرحّب بشكلٍ شخصي بهذا التوجّه بل وأمتعضه، لعلمي بأنّ المشاهِد المحلي مستشعر جيّد وقادر من خلال نبرة الطرح أن يميّز صدق العمل الفني المحلي من عدمه.

لا أخوّل نفسي لتحديد نموذج والحكم على مدى صحته، فعُرف الفن يقتضي خلوّه من الأعراف، وأما تعيين النماذج ربما يكون مفيدًا فقط على الصعيد التعليمي. وشخصيًا ميّال للتجريب في أنّ ينهل المخرج والكاتب القصص من الذاكرة الحسية، وأن يجسّد تساؤلاته الناتجة من إبصار الظواهر المجتمعية، ويطلق العنان لأيّ فكرةٍ ملحّة في ذهنه.

وأتطلّع لمستقبلٍ يمنح لكل مخرجٍ شريحة تستهويها أفلامه وتمثّل ذائقتها، حيث يكون سؤال: «من مخرجك السعوديّ المفضّل؟»، مفتاح لأحاديثٍ عميقة تكشف تباين الأذواق أو تشابهها. فالمخرج في نهاية المطاف لا يخرج عن دائرة مجموعةٍ لديها خصوصيتها، وتشبه طريقته في التراجيديا والكوميديا. عندما نحظى بهذا الثراء في أساليب الطرح، ونرى حضور الخلفيات المتنوعة على الشاشة؛ سوف نشكّل جوقة من الأصوات المختلفة، بأنغامٍ تميّز السينما السعودية، يصل صداها إلى العالم أجمع.

4- كيف يسهم النقد المتكرر في الأفلام السعودية للفكر الأيديولوجي، في صناعة سينما محلية تنتمي إلى بيئاتٍ فكرية جديدة منشأها الخيال الخاص لا الذهنية النمطية الجمعية؟ 

أعتقد بأنّ السينما ليست أداةً نفرض بها أيديولوجيا معينة على المشاهِد أو نستخدمها لمهاجمة أيديولوجيات أخرى. وربما ذلك شيء يصعب تفاديه، إلاّ أنه لا يجب أن يكون الهدف الأساس للكاتب والمخرج. أما بخصوص طرح الأفكار أو ترك الرسائل، فهذه نتيجة ثانوية من خلق التجربة. وما أفضّله هو أن تدور التجربة السينمائية حول الشخصيات وعوالمهم، بظروفهم الخاصة. ولست بالضرورة بحاجةٍ إلى خلق شيء غير موجود، فالواقع يفوق الخيال غرابة. وتخيّل الشخصيات دون الاستناد للواقع، سوف يصنع شخصيات نمطية قائمة على الافتراض، وتفتقر للتعقيد، بينما المشهد على أرض الواقع مختلف. فمثلًا عندما تريد كتابة دور شخصية محافظة، ذات أيديولوجيا معيّنة، مقررًا أن تتماشى جميع أفعالها وفقًا تامًا لهذه الأيديولوجيا، هل سيكون ذلك صادقًا؟ بل بعيد كل البعد عمّا قد يواجهه الإنسان الطبيعي من صراعاتٍ وتناقضات.

عندما يغير صانع الفيلم من النبرة المثالية لـ «هذا ما يجب أن يكون عليه العالم»، ويتخلّص من «يجب» تلك، سوف تصبح لدينا سينما معبّرة عن حالاتٍ فكرية أكثر، ويكون تباين الآراء حول قرارات الشخصيات بتنوّع تياراتهم الفكرية، بدلًا من الخلاف على أنّ هذا الفيلم له طابع فكريّ واحد.

5- تلعب الكوميديا السوداء دورًا كبيرًا في «أغنية الغراب». هل لأنّ التعامل مع الجوانب السلبية للحياة بواقعية مباشرة يعيد مرحلة ما إلى الأذهان لذا تغلّبت الصبغة الكوميدية على الواقعية؟

 أتذوّق جميع أنواع السينما وأتفاعل معها بدرجاتٍ متفاوتة، ومع التجربة اكتشفت بأنّي أميل إلى الأسلوب الساخر، ولا يسعني تحديد نقطة البداية لذلك الميل، لكني أرجّح عودة السبب إلى صلتي بالقرية التي تنحدر منها عائلة أبي، إذ كنت كثير المداومة على زيارتها. وهي قرية صغيرة تتميّز بحسّ السخرية – الحسّ الذي قد يكون لاذعًا أحيانًا – كانت السخرية هناك هي الطريقة الوحيدة للتغلّب على ظروف الحياة الشاقة. حتى إنّ عناصر السخرية لديهم تكشف عمّا يقاسونه. وأجد في هذا النوع السينمائي قيمة معرفية، بخلاف ما يتمّ ترسيخه عن الكوميديا اليوم، حول أنها صُنعت لأجل المتعة فحسب، بالإضافة إلى تصويرها أيضًا بكونها لا تحمل قيمة فلسفية أو فنية.

في الحقيقة، لم أكن أواري خلف السخرية عدم القدرة على المواجهة المباشرة، كما لم تكن لإضحاك الجمهور أو لرمي نكاتٍ معينة. كل ما في الأمر أني أعمل على دمج المادة الساخرة مع مزيجٍ من الأحاسيس والأسئلة التي تنتاب مجتمعًا ما في زمنٍ محدد. وهذا ما يخرج فيلمًا لا يحدّه تصنيف واحد، فقد يحتوي على لحظاتٍ درامية وسريالية وعبثية، ما يشكّل خليطًا متجانسًا في الفيلم. وتوجد أفلام تجمع بين الصبغة الساخرة والجوانب الثقافية، بمعنى أنها تنقل لك ثقافة أهل المكان في زمانهم. وهنا تُحضرني ثلاثية روي أندرسون، التي تناقش أزمة الوجود لدى الشخصيات الرئيسة، بطرحٍ ساخر بصريًا وسرديًا، أشبه بكونك تنظر من خارج العالم، بواسطة نظّارةٍ فضائية، وتراقب أفعال هذا البشريّ، وتصرفاته، وكيف يدير علاقاته. ما يدفعك للتساؤل حول رأيّ الفضائي فينا، في ما نراه بديهيًا، ولم يُخضع يومًا لعملية المساءلة، ومن يعلم، ربما يجد واقعنا مضحكًا؟

على الضفة الأخرى، أشاهد الأفلام الواقعية وأتفاعل معها بشكلٍ جيد، كمثل: السينما الأوروبية، والسينما الأمريكية المستقلة، وبشكلٍ خاصّ السينما الإيرانية التي تُقارب واقعيتها ما تحمله الأفلام الوثائقية. لكني أعتقد أيضًا أنّ الواقعية ليست معيارًا نقديًا جيدًا للأفلام، حتى لا تكون جميع الأفلام بصبغةٍ واحدة. كما أنّ اللغة السينمائية شاسعة، إذ بوسعك أن تصنع فيلمًا مشاهدته تقارب تجربة سماع الشِّعر؛ لوجود لحظاتٍ شاعريّة وأدبية. وأيضًا بوسعك أن تصنع فيلمًا يندرج تحت الخيال العلمي، وتجعلني أصدّق عالمك، وأتعاطف مع الشخصيات، وأفهم غرائبيتها. لذا لا يهمّ مستوى الواقعية كثيرًا، ما دمت أستطيع الوصول إلى المشاهِد، فمثلًا: أستطيع أن أخلق عالمًا يبدو انعكاسًا في مرآةٍ مقعّرة لعالمي هذا. ويستطيع المشاهِد تمييز هذا الأسلوب، واستيعاب المنظور الكاريكاتوري لديّ كمخرج. لكن لإنجاح ذلك نحتاج إلى الصدق في تكوين الحكاية، والمزج بين ما يشبهني وما أرتبط به، وآخر دخيلًا عليّ لكن بإمكاني الارتباط به، وهنا بالذات يحدث الاتصال الذي أفضّله بين المخرج والمشاهِد.

كل فيلم ستشاهده، آتي من ذاكرة ومخيّلة الكاتب والمخرج، ما أُحبّ أن أُسمّيه: اقتباس بتصرّف، حيث الاقتباس هو الواقع، بينما التصرّف هو العملية الإبداعية والإخراجية، وكلاهما مهمّان على حدٍّ سواء.

6- «حديث الانتماء للفنون». رغم غياب السينما في المحيط العام إلاّ أن عدد لا يستهان به من الشباب كانوا / ما زالوا من أكبر متابعيّ السينما العالمية، هل هذا التعطش للسينما هو من خلق هذا التنافس بين صُنّاع الأفلام من الشباب السعودي؟

منذ البداية وُجدت غالبية مهتمة بالأفلام وتتابعها  بواسطة الـVHS، ومن ثمّ عبر قرص  CDما صوّره رئيس هيئة الأفلام عبد الله آل عياف في فيلمه: «السينما 500 كم»، الذي يحكي عن شابٍّ من الرياض يذهب إلى البحرين، لأجل خوض تجربة السينما لأول مرّة، وهذه القصة مثّلت حال الشباب السعودي آنذاك.

السينما كانت ولا تزال تسترعي اهتمام وذائقة الكُثر. ولم يغيّب عدم وجود صالات السينما وقتها من ذلك الاهتمام، وأعتقد أنّ ما أحدث فارقًا حقيقيًا هو عصر الإنترنت وتطوّر التكنولوجيا، بيدَ أنّ الأدوات السينمائية تحولت لأدواتٍ رقمية زهيدة الثمن يسهل الحصول عليها، ما أحدث موجة التصوير الفوتوغرافي من بعد عام 2000 خاصةً عام 2005، وعلى إثرها استطاعت الناس أن تبدأ رحلة التجريب ما مكّنها من التعبير بشكلٍ مرئي، والتثقّف بصريًا. فقد كنّا أناسًا لغويين بالدرجة الأولى، وقد ناقشت ذلك في فيلمي «أغنية الغراب»، حيث أنّ صراع الأفكار والأيديولوجيات كان بواسطة اللغة بما تضمّه من شعرٍ وأدب.

 وتوفر الإمكانيات والوسائل لم يؤثر علينا قط، بل على العالم أجمع، حيث أصبح باستطاعة الفرد أن يشارك تجربته ويضعها في اليوتيوب وأيّ من المنصات الرقمية الأخرى. ومشاركة هذه التجارب أتاحت لنا فرصة التعرّف ومقاسمة الآخرين ذات الاهتمام، فتكوّنت جماعة تعرّفت على  بعضها بعضًا من مختلف المناطق في المملكة بتنوّع خلفياتهم الثقافية، لكنهم جميعًا يتشابهون في قصص البدايات لمجالٍ جديد و«محمّس». والأهمّ أن مستقبله كان غير واضحٍ أو مرسوم، وهذا الكمّ من عدم الوضوح كان بحاجةٍ لما يغلبه من عزمٍ في المقابل. والذين ظلّوا في طريق التجريب والمحاولة كانوا أُناسًا شغوفين جدًا بما يصنعونه.

عشنا فترة جميلة، حيث بدأ المهتم بصنع محتوىً يناسب ويلامس أبناء جيله. فلا نحتاج أن نسلك طريقًا بيروقراطيًا ما، أو نقصد قناةً معينة أو أن نكون بالصدفة أصدقاءً لمنتجٍ ما، لكي يُفتح لنا المجال، بل الجميع كانوا قادرين على أن يجرّبوا وأن يصنعوا مع مَن يشاركونه في هذا المجال. فكانوا يتعرّفون على بعضهم بعضًا في المحافل السينمائية، وأهمّها مهرجان أفلام السعودية  في الدمام، وقد عُرض فيه فيلمي القصير الأول «فيما بين»، كفيلم الافتتاح.

واليوم أعتقد أنّنا لا نشاهد منافسة إنما تكافل، لا أقول هذا من ناحيةٍ إيجابية محضة، فالمنافسة فعل مستحسن، لكن عمومًا، ما نراه ما هو إلاّ تبادل للخبرات وانفتاح لسماع تجارب الآخرين، فالجميع لديه فضول حول الظروف الإنتاجية أو حتى حول العملية الإبداعية لصنع فيلمٍ ما في بيئتنا، وهذا بحدّ ذاته بداية صحيّة للسينما السعودية.

7- إلى أيّ مدى تلتفت المؤسسات الثقافية السعودية لدعم وإنتاج سينما نخبوية تنطلق من خلفية فكرية ثقافية فنية، ومتى سنرى في دور عرض السينما المحلية أفلامًا نخبوية ثقافية لا جماهيرية؟ 

 توجد مؤسسات عدّة تدعم السينما حاليًا وعلى رأسها هيئة الأفلام، ومهرجان البحر الأحمر الدولي، ومركز الملك عبدالعزيز الثقافي «إثراء» – الذي يدعم وينتج أفلامًا ثقافية – ومهرجان الأفلام السعودية. كما شاهدنا مؤخرًا ظهور سينما مستقلة بشراكة تلفاز 11، وشركة موڤي خلال مهرجان الدرعية تحت مسمى: «وادي السينما». لذا فأنا «متحمّس» لرؤية صالات السينما المستقلة التي تعنى بعرض الأفلام النخبوية وإتاحتها للجمهور المهتم.

دُعم فيلمي الأخير بواسطة صندوق مسابقة ضوء، ولم يكن هناك توجّه نخبوي أو تجاري على وجه التحديد، فتلقّي الدعم، يشترط كفاءة النصّ، وبروز حكاية سعودية أصيلة. وما يهمّ اليوم هو أن نرى حكاياتٍ بلمسةٍ سعودية على الشاشة. وقد يرى البعض أنّ أفلامي نخبوية إلى حدٍ ما، لكني أيضًا لا أقلّل من أهمية الأفلام التجارية، حيث يقع على عاتقها إقناع الجمهور المحلي لمنح الفرصة للسينما المحلية؛ لكونها نسبيًا حديثة الظهور. وكلما وصلت السينما إلى شريحةٍ أكبر، سيقف القطاع على قدميه، دون الحاجة إلى الدعم الحكومي.

وفيما يتعلّق بموضوع النخبوية والتجارية، فإني ألاحظ وجود فكرة نمطية حول أنّ الفيلم التجاري يفتقر دائمًا للقيمة الثقافية بينما الفيلم النخبوي ممتلئ بها. ليس بالضرورة أن تكون هذه الفكرة صحيحة كليًا، كما أوّد التنويه على أنّ نجاح الفيلم التجاري يعود بالفائدة على الجميع، ولنأخذ الأمر على وجهيه: الأول وكما أشرت إليه في البداية فإنّ الناس تتجّه غالبًا إلى عالم مشاهدة الأفلام من البوابة التجارية، وقلّة هم من تعرّفوا على الأفلام النخبوية بدايةً؛ بحكم أنّ الأفلام التجارية هي السائدة. والوجه الآخر الذي ربما يغفل الكثير عنه، هو أن السينما التجارية تخدم صُنّاع الأفلام النخبويين بصورةٍ مباشرة، حيث أن السينما التجارية لها وجود كثيف يُشتغل عليه على مدار العام، وهذا الوجود هو من خلق الشركات التي تخدم القطاع، ما كوّن البنية التحتية من توفر معدّات التصوير والإضاءة، والكثير من التفاصيل الإنتاجية كالشركات التي تعنى بإدارة جدول الممثلين والطاقم ونحوه، كما ساهمت في اكتشاف مواهب الممثلين والمختصين في التقنيات الفنية، وجميع ما ذُكر أعلاه لم يكن ليوجد في السوق لأجل فيلمٍ نخبويًا لا يسعه تخليف أرباحًا عالية، لذا صمود تلك الشركات وتزايدها يعود بالفضل على الجانب التجاري، لكون السينما بالأخص تعتمد على عملٍ مؤسسيّ، بخلاف غيرها من الفنون.

على الجانب الآخر، فأنا شخصيًا أوافق رأي مارتن سكورسيزي حين صرّح بأنّ أفلام مارفل – التي تُعد جمهورية – ليست سينما، بل تشبه مشاهدتها زيارة مدينة الملاهي. بمعنى أنك تقصد فيلمًا يحفز لديك الأدرينالين وما إن ينتهي ستخرج دون أن يلازمك تساؤل أو شعور. ومع ذلك فقد كنت يومًا في الخامسة عشرة من العمر وأتفهم أنّ مشاهدة أفلام الأبطال الخارقين كفيلة بصنع إجازة نهاية الأسبوع.

اليوم اتسعت الفجوة بين الأفلام التجارية والنخبوية، فمثلًا أفلام السبعينات والثمانينات كانت تعدّ تجارية، وعلى النقيض فلو عرضتها اليوم سينظر إليها بكونها أفلامًا نخبوية، فحتى مارتن نفسه كانت أفلامه ناجحة في السوق رغم كونها أفلامًا درامية وذات رتم ناضج يتصف ببطءٍ قد لا يروق للكثير في الوقت الحالي. والأفلام التي عُدّت نخبوية في عصرها، بوسع الجميع فهمها وتقبّلها اليوم، بينما كانت تتفرّد بأساليبٍ جديدة في السرد والتجريب، كاستخدام الفلاش باك والقصّ في المونتاج والكثير مما كان بدعة سينمائية في حينه. ولذا أظن بأنّ مسألة التصنيف مسألة فضفاضة؛ لتغيّر الاعتبارات بعامل الزمكان، ما يدعو للتأمل.

8- «صنعتُ فيلمًا أحبُّ مشاهدته». ما الدور الذي يلعبه المخرج في تصميم تجربة المشاهد، وما حجم المتعة هنا مقارنة بالمسؤولية الكبيرة التي يلعب الحظ فيها دورًا كبيرًا بعيدًا عن محاولة صنع فيلم جماهيري أو نخبوي؟ 

فيما سلف ذكرت ما يعني لي إيّاه دور المخرج على الصعيد الشخصي، والآن فيما يتعلق بالدور الذي يلعبه المخرج في تصميم تجربة المشاهِد، فإني أُشبّه ذلك بعملية دخول المخرج إلى عقل المشاهِد ورسم المنظور الذي سينخرط فيه طوال الفيلم. فالمخرج يحقق أحلامه وخيالاته، ويضمّ المشاهِد إليها عاملاً على إثارة ردود أفعال عاطفية وذهنية. لذا أقرّ بأن المخرج محظوظ في هذه المهنة لقدرٍ من المتعة التي يحظى بها، لكن هذا الامتياز تقف خلفه مسؤولية كبيرة؛ ففي صناعة السينما أنت بحاجةٍ لفريقٍ يعمل على تنفيذ رؤية المخرج أو المساهمة فيها بالاشتغال على تحسينها، لذا يجب أن تكون مستعدًا ومحضّرًا الإجابات على كل تساؤلات الفريق الفنية والإنتاجية. ومن هذا المنطلق سيعتمد نجاح المخرج على كسب ثقة فريقه ومن ثمّ إيمانهم برؤيته، وأيضًا من مؤشرات النجاح أن يكون كل فرد من الفريق سعيد بالنتيجة النهائية ومعتزّ ببصمته في اللوحة التي عمل فيها مع المخرج.

وبذكر الحظ سواءً في صناعة فيلمٍ ما أو في أيّ مشروعٍ آخر، أعمل على التركيز في ما يسعني التحكم به داخل نطاق الإمكانيات، فلا أحسب للأمور التي تكون رهينة الحظ. في الحقيقة أتجنب إقحام مواضيع تعتبر جذّابة لشريحةٍ أكبر بقصد استمالتهم فحسب، ولو أضحت حاضرة فستكون في سياق الحكاية التي أعتزم حكيها. وتخطر في ذهني مقولة المخرج كوينتن تارانتينو: «أعمل على أفلامٍ أحبّ مشاهدتها، والبقية هم مدعوّون لمشاركة المتعة». وبالفعل أرى نفسي في ذلك أيضًا. وقد يُنظر إلى هذه الحالة بوصفها أنانية، لكني أعدّها شفافية؛ لسبب قد ذكرته ألا وهو أن المخرج فرد وجزء من مجموعة تشاركه ذات الذائقة والكيفية التي يتستمتع بها، ولذلك حرصت على ذكر أهمية أن يحبّ الفريق العمل ويستمتع به مع المخرج. ولله الحمد وُفّقت في التجارب السابقة بوجود فريقٍ يحتفي بالعمل ويفخر به في أوساطه.

9- «أنا إنسان». كيف حاول «أغنية الغراب» شرح محاولة خلاص الإنسان الهامشي التقليدي من القيود المجتمعية في ظلّ التيارات الفكرية وتخبط الطرق، وهل وصل هذا الإنسان المتمثّل في «شخصية ناصر» إلى مرحلة التنوير؟ 

أحبّذ استخدام كلمة «ناقش»، عوضًا عن شرح، فلم يكن هدف الفيلم أن يشرح أمرًا بعينه، بل كان يناقش حالة كشخصية ناصر وسط تياراتٍ فكرية مثيرة للاهتمام أثناء فترةٍ زمنية لها ملامحها الخاصة في السعودية. وبالنسبة لي فإن وضع شخصية بسيطة مثل ناصر وسط هذه البيئة منح منظورًا حياديًا وساخرًا تجاه أيّ تيار فكري كان في أوساطه، وهذه هي التركيبة التي عملت عليها ومسرور بمخرجاتها.

كثيرًا ما نرى في الأفلام الشخصية الرئيسة قوية وذات صلابة تقهر بها جميع التحديات. أما في حالتي فقد قررت العكس، إذ خلقت شخصية عزلاء لا تملك مقوّمات تتغلّب بها على تحدياتها الصعبة، وعلى مسيرة الفيلم سنرى ناصر كيف يتفاعل مع ما يواجهه بطرقٍ قد تبدو غير متوقعة. وما أتمناه حقًا هو أن يرتبط المشاهد بشخصية ناصر، ويفهم بنية البيئة التي كوّنته، وبناءً على ذلك يتمكن من التعاطف مع أحاسيسه – لا الاقتصار على الضحك عليها فحسب- كما أودّ أيضًا أن يشعر بهذا الاتصال مع جميع شخصيات الفيلم الأخرى.

وحقيقةً لا يمكنني الإجابة حول ما إذا كان ناصر قد وصل إلى مرحلة التنوير أم لا؛ لذا أترك الإجابة لتجربة المشاهِد وحكمه.

10- من خلال النظرة الوجودية للحياة باعتبارها مسرحية، هل اختزلت الحمامة عبثية الزمن المفقود ما بين الواقع والحلم، كيف رمز «أغنية الغراب» إلى ذلك بشكلٍ مباشر وغير مباشر؟ 

أتحفّظ على إيضاح الرمزيات؛ ذلك أنّ جزءًا كبيرًا من المتعة المتمثّلة في المشاهدة تعود إلى عملية التفكير في المعاني، وأن يناقشها المشاهد مع مَن رافقوه لمشاهدة الفيلم. وأعلم أنّ الكثير من الأمور أثناء المشاهدة قد تحتمل عدّة أوجه للفهم، لذا لا أودّ طمس أحد هذه الأوجه بتصريحٍ عن مقاصد شخصيةٍ ما. وحتى عدم فهم بُعد الرمزيات لا يؤثّر على التجربة ككل، فخطّ القصة في الفيلم سلس ويُسهل الاتصال به.

11- كيف أثّرت قوة هوية السيناريو بجانب اكتمال تحديد الزمكان بتداخل التصميم البصري وعنصر المؤثر الصوتي واختيار فريق العمل وعامل الوقت في تدَرّج الاتجاه الإبداعي لفنيّة «أغنية الغراب»؟

سنة 2002، فترة يتذكّرها مواليد الثمانينات والتسعينات، وأعمار الفريق تتراوح بين هاتين الفترتين. ولا تزال نقاشاتي مع أحمد باعقيل، ونورة باعقيل، وعادل الشهراني حاضرة في ذهني. فصنع فيلم يتناول حقبة معينة، عملية ممتعة تتطلّب أن ينعش الفريق ذاكرته لنعود معًا لأيام الطفولة والمراهقة ونقطف من الذكريات ما نحتاجه. لذا كانت المناقشات مُثرية اختلفنا واتفقنا فيها على بعض تفاصيل هذه الحقبة وما تحتويه من الظواهر والمظاهر. وأتذكّر أني طلبت من والدي ألبوماتٍ قديمة من أجل البحث عن صورٍ أميّز بها معالم باب بيتنا القديم؛ لاستعماله كمرجع. ولم أتصوّر يومًا أني سأبحث بهذا التدقيق الشديد حول تلك الحقبة لأيّ سببٍ من الأسباب، إلى أن زارني هاجس الفيلم، فحاولت الإلمام بكل ما يتعلق بهذه الحقبة من أجل حكي حكايةٍ تدور داخل أبعاد ملعبها.

عملت مع مدير تصوير تأقلم بشكلٍ سريع مع اللغة السينمائية الصورية التي اخترتها، إذ كنت أبحث عن لغةٍ توصل الحسّ الساخر أو الشاعريّ عند حاجتهما في الموضع المناسب، وذلك بواسطة الشكل الذي تتخذه اللقطات، ولا أنسى اليوم الذي أطلعته في لحظة تساؤلٍ، حول ما إذا كان يجدر بي تغيير رأييّ في طريقة أخذ لقطةٍ معينة، فجاءني رده بنبرةٍ واثقة: «لو نسوّي كذا مارح يكون إحساس فيلمنا». وأسرّني رده، إذ لم يكن إلاّ دلالة على تشرّبه للغة الفيلم الصورية.

وحقيقةً أنا من الأشخاص الذين يعملون على قائمة لقطات الفيلم قبل التصوير، وعادةً يكون ذلك عبر زيارتي لمواقع التصوير، فأقضي هناك زمنًا ألحظ فيه جميع تفاصيل المكان وأتخيّل فيه الحكاية بطريقةٍ تعكس سيكولوجية الشخصية الرئيسة التي سيكون الفيلم عبر منظورها، إذ لا يوجد مشهد واحد لا تظهر فيه – ومن ذلك ذهبت لمستشفىً مغلق في ذلك الحين الذي كنت أقصّ فيه الحكاية – والشاهد هنا: عندما تقف في مكانٍ جذوره قديمة، سيتوّفر عامل الزمكان الذي يترك إحساسًا تشعر به ومن ثمّ تجتهد لإيصاله.

12- إلى ماذا يعود اتّكاء أعمالك على تأمّل الواقعية الاجتماعية من خلال الصدق الفني لسرد واقع المحيط المحلي بموروثاته الاجتماعية والثقافية، هل هو محاولة لتقصّي ما وراء الواقع بالفعل؟

فعلًا كما ذكرت سابقًا في عدة مواضع فيما يتعلّق بالصدق الفني والرجوع للواقع كونه الملهم الأساس؛ ذلك لأني أؤمن بأنّنا نملك ثقافة وبيئة خصبة، تصلح للكتابة ولم تظهر على الشاشة بعد.

لاحظت في جميع أعمالي أني عندما «أتحمّس» أثناء الكتابة، غالبًا ما تدفعني الظاهرة الاجتماعية والإنسانية التي أنوي مناقشتها، وهذه الرحلة كرحلة باحث اجتماعي يعمل على سبر أغوار مجتمعه – ولمّا يسيطر عليك هذا الهاجس وتمتد فكرة الكتابة خارج حيّز طاولة الكتابة، ستنظر للحياة بعينٍ راصدة تلتقط كل ما يتعلّق بموضوعك – فحتى أحاديثي مع الأهل والأصدقاء بمَن فيهم الزملاء، كانت تتمحور حول عناوين أناقشها. في فيلم «لسان»، كان موضوعي السحر، بينما في «ستارة»، كان الستر. والأمر ليس مجرد كتابة قصة إنما كتابة مشاهدة تحليلية للمجتمع بشخوصه وظروفه. ونظرًا لذلك أتمنى أن تصبح أفلامي المستقبلية مرجعًا ثقافيًا يعود إليه الأشخاص الذين يرغبون برؤية حكايةٍ متخيّلة في حقبةٍ معيّنة بتجلّيات واقعها.

فيلم «27 من شعبان»، في عرضه الأولى تلقّى تفاعلًا كبيرًا من جيل الثمانينات والتسعينات خاصةً. هناك زملاء أخبروني أنهم تأملوا واقع أنهم ضحكوا وشعروا بالسخرية تجاه أمرٍ صادق وحقيقي، ولو عُرض الفيلم في حقبته الزمنية لما كانت المشاهدة مدعاةً للضحك لهذه الدرجة. وبالفعل لم تكن تلك الظاهرة قديمة جدًا، لكننا من تغيّر بسرعةٍ وفجأةً، فكانت التجربة شبيهة بالتقليب في ألبوم صورك القديمة منتبهًا لملامح المكان، والأزياء، والموضة السائدة حينها، ولا تملك إلاّ أن تضحك متعجبًّا: «كيف كنّا كذا؟».

 

13- «الطير ما يضيع». ما القيمة التنافسية التي يرتكز عليها فيلم «أغنية الغراب» التي ستتغلّب في اعتبار الاختيار للقائمة الطويلة والقصيرة للأوسكار، وهل هناك ثمّة تهديد بوجود أفلام مرشحة لمخرجاتٍ في ظل الجوّ العام لتفضيل الإخراج النسائي عالميًا؟

توجد أجندة معينة لأشخاصٍ يصنعون أفلامًا لكنّي لست منهم، إذ أعتقد بأنّ الجوائز لا يجب أن تكون المحرّك والهدف الأساس. ففي آخر الأمر الحكّام هم قلّة من الناس الذين يدلون برأيهم في العمل الفني فيما قد تتباين الأذواق والآراء أو تتشابه. وحقيقةً لا تعني لي الجوائز بشكلٍ شخصي، إنما تعنيني فيما يتعلق بمسيرتي المهنية؛ إذ تعدّ نوعًا من التزكية التي تساعد في استمرارية صناعة الأفلام. لذا لديّ نظرة استراتيجية خاصة في موضوع الجوائز، لكن بشكلٍ عام لست متابعًا جيدًا لأخبار تلك الجوائز.

أرى أنّ ما يهمّ صانع الفيلم هو أن يخرج بعملٍ يحبّه ويودّ أن يشاهده الناس، وأن يكون متاحًا للمشاهِد، حيث يسهل الوصول إليه سواءً بعرضه في السينما أو في المنصات الرقمية. وتلقّي التقدير من جهاتٍ في المجال نفسه أمرٌ إن أتى كان منفعة، وإن لم يأتِ فهو بالتأكيد ليس بمضرّة.

وبشأن العنصر النسائي فإني أعتقد بأنّ الفنون بطبيعة الحال تتأثّر بالمشهد الاجتماعي والسياسي ونحوه من المواضيع الساخنة، لكن مجملًا لا أُعير لذلك اهتمامًا ولا أعمل على أخذه بالحسبان.

14- باعتبار «أغنية الغراب» أحد اكتشافات المواهب الجديدة في مسابقة ضوء للأفلام وأول تجربة فيلم طويل لك، بجانب ترشّحه للأوسكار وعرضه أيضًا في مهرجان البحر الأحمر الدولي بالتزامن مع فيلم «مثلث الحزن» الذي حاز سعفة كان لهذا العام، هل نستطيع القول بأنك وجدت اللحن للأغنية التي ستلوّن أعمالك المستقبلية؟ 

سِمَة المرحلة القادمة هي التأمّل. فحين ينتهي صانع الفيلم من عمله، تلقائيًا يراجع نفسه وقراراته على مدار رحلة الفيلم. وما أنا متيقنٌ منه هو أن نبرة السرد في أفلامي تتطوّر بصورةٍ أنا راضٍ عنها. ولا أعلم إن كنت قد وجدت اللحن؛ لتغيّر هذه الأمور بفعل الوقت، لذا فأنا شخصيًا أتحرّى المتعة والشغف في صناعة الأفلام، ومن ثمّ لن يكون مسليًا العزف بلحنٍ واحد، لكن مجملًا أنا سعيد باللحن الذي سردت فيه «أغنية الغراب»، وأتمنّى أن ينال إعجاب المشاهدين.

وأتطلّع للعمل القادم بالمتعة التي تتمثّل في البناء على ما عملته بالإضافة إلى استحداثه، حيث اكتشاف مناطق جديدة مجهولة مع كل عمل جديد، سواءً في الأسلوب السردي للقصة أو فيما يتعلّق بتركيبة الشخصيات وتحديد المفاهيم.

15- كلمة أخيرة لمعنى، وما المشاريع والتطلّعات السينمائية التي سنرى نتاجها قريبًا؟ 

شكرًا لمعنى على إجراء هذا الحوار. وأُرسل تحية إلى بدر الحمود المخرج الجميل ومؤسس مؤسسة معنى الثقافية. كانت الأسئلة تدل على تمعّن المحاورة بلقيس الأنصاري وتذوّقها الجيد للفيلم، ما أسعدني خلال عملية التفكير والإجابة. لذا صدًقا أتمنّى أن يكون الحوار مُثريًا.

وأمّا ما يخصّ المشروع المُقبِل، فقد بدأت بالفعل برسم الخطوط العريضة للفيلم القادم، معتزمًا تصويره في المنطقة الشرقية، تحديدًا مدينتي الأحساء، حيث تدور أطراف الحكاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى