مقالات

آلان واتس: الحياة معزوفة موسيقية وليست رحلة سفر

رسلان عامر

مقدمة

يأتي هذا المقال في سياق التعريف بالفيلسوف آلان واتس، الذي ما زال غير معروف تقريبًا في الأوساط الثقافية العربية، وبالطبع، لا يمكن في مقال واحد منح صورة متكاملة واضحة عن فلسفة وفكر أيّ فيلسوف أو مفكر، وهذا ينطبق على آلان واتس، ولذا سيتم التركيز في هذا المقال على أحد القضايا الأساسية في فلسفة واتس، وهي طريقة فهمه لمغزى وحياة الإنسان: يرى وواتس أنه يمكننا التعامل مع الحياة إما كرحلة سفر، يكون فيها هدف الرحلة خارج الرحلة ويتحقق عند انتهائها، أو كحفلة موسيقية أو رقص، لا يكون لها مثل هذا الهدف الخارجي النهائي، بل تكون هي نفسها هدف نفسها، يعيشها الإنسان ليس كوسيلة، بل كغاية بحدّ ذاتها، ويستمتع بها كشيء جميل وقيّم.

وواتس، كما سنرى في الفقرات اللاحقة من هذا المقال،  ينحاز إلى الأسلوب الثاني؛ إذ يرى أن التعامل مع الحياة كرحلة سفر، يجعلنا نخطئ في اختيار كيفية الحياة، التي يجب أن نتعامل معها مثل الموسيقى والرقص؛ «لأن الحياة بطبيعتها موسيقية».

من يكون آلان واتس

آلان ويلسون واتس فيلسوف وكاتب ومتحدث، عُرف بتفسيره ونشره للتقاليد الهندية والصينية واليابانية، والفلسفات البوذية والطاوية والهندوسية، للجمهور الغربي؛ ولد في الريف البريطاني في تشيسلهيرست  في ضواحي لندن في 6 يناير 1915، وكان منذ نعومة أظفاره مفتونًا بالفن الآسيوي والأدب والفلسفة.

أُرسِلَ في بواكير حياته إلى إحدى المدارس الداخلية التي تضمنت تدريبًا أكاديميًا ودينيًا مسيحيًا، لكنه لم يكن راضيًا عن ذلك، وقال عن التدريب الديني الذي تلقاه: «طوال فترة دراستي، كان تلقيني العقائدي الديني قاتمًا ومقلوبًا». وفي فترة لاحقة من حياته، بدأ واتس بالحضور إلى «المحفل البوذي» (Buddhist Lodge) في لندن وحصل على عضويته، ثم أصبح  في عام 1931 سكرتيرًا لهذا المحفل، ومحرّرًا لمجلته التي كان يصدرها «الطريق الوسطى»، رغم أنه كان ما يزال مراهقًا في السادسة عشرة من عمره. وفي عام 1932، أنتج كتيّبه الأول «خلاصة في بوذية الزن»، الذي كان ملخصًا مبنيًا على كتابات أستاذ الفلسفة الياباني داسيتسو سوزوكي، وفي عام 1938 انتقل آلان واتس إلى الولايات المتحدة، ثم حصل على المواطنة الرسمية فيها عام 1943، وبدأ التدرب على الزن (Zen) في نيويورك، كما حصل على درجة الماجستير في اللاهوت من مدرسة Seabury-Western اللاهوتية، وأصبح «كاهنًا أسقفيًا» عام 1945، لكنه ترك هذا المنصب عام 1950، وانتقل إلى كاليفورنيا لينضمّ إلى هيئة التدريس في الأكاديمية الأمريكية للدراسات الآسيوية.

ألَّف واتس أكثر من 25 كتابًا عن الدين والفلسفة، كما نشر الكثير من المقالات وألقى الكثير من المحاضرات في هذا السياق، واكتسب الكثير من الأتباع، ويعتبر كتابه «طريق الزن» الذي نشره عام 1957 أحد أكثر الكتب رواجًا عن البوذية، وفي كتابه «العلاج النفسي في الشرق والغرب» الذي نشره عام 1961، ركز على التعامل مع البوذية ليس كدين، بل كشكل من أشكال العلاج النفسي. ومن كتبه الرائجة أيضًا «الطبيعة، والرجل، والمرأة» الذي نشره عام 1958، و«الكوزمولوجيا المرحة» المنشور عام 1962، وغيرها كثير.

توفي واتس في درويد هايتس في كاليفورنيا في 16 نوفمبر 1973، وكان في الثامنة والخمسين من عمره، وبعد وفاته، استمر بشكلٍ منتظم في الإذاعات العامة بث محاضراته ومحادثاته الصوتية، التي تم تسجيل الجزء الأكبر منها  خلال الستينيات وأوائل السبعينيات، وخاصة في كاليفورنيا ونيويورك، وهذا ما حافظ على شعبية واتس ووسّعها، ثم بعد ذلك تم نشرها على الإنترنت من قبل ابنه مارك، بهدف الحفاظ على إرث أبيه وإبقائه حيًا، وهي حتى اليوم ماتزال تحظى باهتمامٍ كبير على نطاق عالمي، وعنها يقول الكاتب والناقد إريك دايفس (Erik Davis): «إنّ كتابات واتس وأحاديثه المسجلة ما تزال تتلألأ بجلاء عميق وملهم حتى يومنا هذا»([1])([2])([3]).

 

الوجود لعبة أو مسرحية مرح

البحث عن مغزى الحياة هو أحد الأهداف الأكثر جوهرية في الفلسفة والفكر بشكلٍ عام، وفي هذه المسألة تكثر التوجهات والمذاهب المختلفة، وبالنسبة لواتس، فقد كان له مذهبه المميز في هذا الشأن، الذي تدور حوله وترتبط به أكثرية نتاجاته، التي يطرح ويشرح فيها رؤيته ومفهومه للوجود، ولكيفية الحياة التي يجب أن نحياها وفقًا لذلك.

وعلى خلاف ما هو سائد غالبًا في النظر إلى الحياة كأمر ذي أهمية قصوى ويجب التعامل معه بنفس القدر من الجدية، يذهب آلان واتس في اتجاهٍ معاكس تمامًا، فيقول لنا إنّ الوجود كله، وبكل ما فيه من الظواهر والكائنات المختلفة، عبارة عن لعبةٍ أو مسرحية كونية، فـ«الكون، بجميع أشكاله، وجميع أشكال البيولوجيا، وجميع الأنواع المختلفة، والزرافات، ووحيد القرن، والبابون، والورود، وأشجار الأوكالبتوس، وما إلى ذلك، وكل شيء هو شكل من أشكال اللعبة البيولوجية، وهو رقص يحدث بأساليب مختلفة» ([4])، والأمر نفسه ينطبق على المجتمع البشري بكل بناه وتقسيماته وعلاقاته وتقاليده، فهذا أيضًا جزء من هذه اللعبة الكونية برأي واتس: «المجتمع البشري منظم بتقسيم العمل، مع الطبقات، ومع كل تعقيدات الاقتصاد، والبنوك، والنقل، وما إلى ذلك.. كل هذا هو نوع خاص من اللعب. وكل شكل من أشكاله شرعي مثل أنواع مختلفة من الرقص: الفالس، والرومبا، والفوكستروت، والفروغ، كلها أشكال مشروعة تمامًا للرقص. إذن الكون يفعل هذا»([5]).

وبرأي واتس أسوأ ما يمكننا أن نفعله هو «أن نأخذ الأمر بشكل جاد جدًا» لأن ذلك سيؤدي بنا إلى عواقب وخيمة، ويقودنا إلى صراعاتٍ مدمرة، ولذا فهو يحذرنا من خطورة هذه الجدية المفرطة، فيقول لنا: «لا تأخذوا ذلك بجديةٍ بالغة، لأنكم إذا أخذتم الأمر بجديةٍ كهذه، فسوف تدمرون بعضكم بعضًا، وتقولون هذه المدينة ضد تلك المدينة، وهذا البلد ضد هذا البلد، لأنكم متورطون للغاية»([6]).

يصف آلان واتس هذه اللعبة الكونية، بأنها «اللعبة الأخطر»، وهي تكون كذلك عندما لا نلعبها كلعبة، بل كقضية جد جدية، ولذلك ينصحنا واتس بعدم التعامل معها بمثل هذه الجدية الخطيرة، بل أن نتعامل مع الحياة ككل كلعبة، أو كمسرحية. لكن بنظر واتس، هذه المسرحية أو اللعبة ليست أمرًا عديم القيمة، بل على العكس من ذلك، هي لعبة أو مسرحية مرحة، ولذا كثيرًا ما يُشبهها بالرقص أو عزف الموسيقى، ويريدنا أن نتعامل معها وفق هذا المنظور؛ إذْ لا يرى مانعًا من وجود أهداف نسعى إليها في حياتنا، ولكن بشرط ألا ننسى أن الأمر كله هو عبارة عن لعبة، ولا يجب التعامل معها بجدية زائدة، أما عن أهمية هذه اللعبة، فيقول إنه عندما يرى كل شيء بمثابة لعبة، فهذا «لا يعني مجرد لعبة. هاملت على الرغم من أنها مسرحية، لم تكن مجرد ترفيه. أو عندما تذهب للاستماع إلى أوركسترا رائعة، فإن هذه الفرقة تعزف الموسيقى، ولا ترى ذلك شيئًا تافهًا»([7]).

الحياة بين اليقظة والمنام

يرى واتس أن ما يعدّه الناس حياةً واقعية في الأنا الفردية ما هي إلاّ حالة من الوهم الذي يشبه الحلم الذي يراه الإنسان في نومه، أو الهلوسة التي يصاب بها الإنسان لسببٍ من الأسباب، ويقول عن ذلك: «الإحساس السائد للذات كـ “أنا” منفصلة داخل كيس من الجلد هي هلوسة، ولا تتفق مع العلم الغربي، ولا مع الفلسفات الدينية في الشرق»، ويضيف: «إن إحساسنا الطبيعي بالذات هو خدعة، أو في أفضل الأحوال، دور مؤقت نلعبه، أو تم خداعنا للعبه بموافقتنا الضمنية، تمامًا كما يرغب كل شخص منوم مغناطيسيًا في الأساس في أن يكون منومًا مغناطيسيًا»([8]).

ولذا بنظر واتس تصبح الحياة البشرية كلها عبارة عن حالة وهم وهلوسة جمعية، أو حلم جماعي، يشترك فيها جميع الناس متوهمين أنّ كل منهم يعيش حياته الواقعية الخاصة في أناه الفردية المستقلة، والمنفصلة عن غيره من الناس وعن العالم، وهذا ما أصبح أمرًا منتشرًا ومتجذرًا في وعينا وثقافتنا ولغتنا، حتى صرنا عاجزين عن «اختبار استقلاليتنا إلا كشيء سطحي في مخطط الكون»، وبات هذا ينعكس حتى في عباراتنا اللغوية التي نعبر بواسطتها عن الطريقة التي نفهم بها الحياة والعالم، ونعبر فيها عن انفصالنا عن العالم في أنانا الخاصة وعن وجودنا في حالةٍ مواجهة معه، وهذا ما يقول عنه واتس: «إننا نعاني من هلوسة، من إحساس زائف ومشوه بوجودنا ككائناتٍ حيّة. معظمنا لديه الإحساس بأن “أنا نفسي” هو مركز منفصل للشعور والعمل، والعيش في الداخل ويحده الجسم المادي، وهو مركز “يواجه” عالمًا “خارجيًا” من الناس والأشياء، ويتصل من خلال الحواس مع كون أجنبي وغريب، وأنماط الحديث اليومية التي تعكس هذا الوهم: “لقد جئت إلى هذا العالم”، “يجب أن تواجه الواقع”، “السيطرة على الطبيعة”…»([9]).

أما العلاج الشافي من هذا الداء الخطير، فهو بنظر واتس لا يقتصر على استبدال وعينا وإحساسنا المتمركزين والمؤطرين في الأنا الفردية المنفصلة بإدراك أننا ننتمي إلى الكون؛ بل بإدراك أننا «نحن الكون»، وفي هذه الفكرة يكون كل شخص هو الواقع الأقصى([10]).

الحياة ليست رحلة سفر

في أيّ سفر يقوم به الإنسان، لا تكون الرحلة بحد ذاتها هي الغاية، وإنما تكون الغاية هي مكان محدد تتجه إليه رحلته، وعندما يصل إليه في ختام هذه الرحلة، يكون قد حقق الهدف من هذه الرحلة التي يقوم بها. وبرأي آلان واتس معظم الناس يتصرفون في حيواتهم بنفس الأسلوب، وهم ينظرون إلى حيواتهم وكأنها رحلة باتجاه هدفٍ محدد يسعون إلى تحقيقه، وعادة ما يعبّر الناس عن العلاقة بين الحياة وهذا الهدف بتعبير «غاية أو هدف الحياة»، وهم عادة ما يكرسون حياتهم لهذا الهدف، أو يضعونها على مسار، كما لو أنها تمضي نحو هدف محدد يجب أن تمضي إليه.

هذا الأمر يصفه واتس بالقول: «كل شيء متدرج وما نقوم به هو وضع الطفل في ممر نظام الصفوف، شيء من قبيل: “تعال إلى كيتي، كيتي”([11]). وتذهب إلى روضة الأطفال وهذا شيء رائع لأنه عندما تنتهي من ذلك تلتحق بالصف الأول. ثم، “تعال” الصف الأول يؤدي إلى الصف الثاني وما إلى ذلك. وبعد ذلك تخرج من المدرسة الابتدائية وتذهب إلى المدرسة الثانوية. والأمر يتسارع، وذلك الشيء قادم، ثم ستذهب إلى الكلية… ثم إلى الدراسات العليا، وعندما تنتهي من الدراسات العليا تخرج للانضمام إلى العالم. ثم تدخل في بعض المشاكل حيث تبيع التأمينات. وهناك معدل يجب بلوغه، وستعمل على تحقيق ذلك. وطوال الوقت ذلك الشيء يبقى قادمًا، إنه قادم، قادم، ذلك الشيء العظيم. النجاح الذي تعمل من أجله. ثم تستيقظ يوم بعد حوالي 40 عامًا وتقول، “يا إلهي، لقد وصلت. أنا هناك”. ولا تشعر أنك مختلف تمامًا عما كنت تشعر به دائمًا».

ثم يضيف: «انظر إلى الناس الذين يعيشون حتى التقاعد لينفقوا مدخراتهم. وبعد ذلك عندما يبلغون 65 عامًا، لا يكون لديهم أية طاقة باقية. إنهم عاجزون بدرجة أو بأخرى. ويذهبون ويتعفنون في مجتمع ما لكبار السن المتقاعدين. ذلك لأننا ببساطة خدعنا أنفسنا طوال الطريق. لقد فاتنا جوهر الأمر طوال الطريق»([12]).

وما يريد آلان واتس قوله هنا إننا فعليًا نضيع حياتنا بجعلها طوال الوقت سعيًا لتحقيق هدف ما، هدف قد نحققه أو لا نحققه، ولا فرق هنا، فالأمر سيان، سواءً حققنا هذا الهدف أم لم نحققه، فليس هو المطلوب، وهذا ليس لأننا نخطئ الهدف، وأننا يجب علينا السعي إلى هدف آخر، فمسألة الاعتقاد بأن ثمّة هدف منفصل عن الحياة هي من أساسها وبكليتها خاطئة، ليس للحياة هدف كهذا تسعى إليه، وهي ليست رحلة سفر إلى مكانٍ ما؛ فالحياة لا تسعى إلى هدف غيرها هي كحياة، إنها بلا هدف إذا كان الهدف يعني أن العلاقة بينها وبينه هي من نوع العلاقة بين الوسيلة والغاية؛ لكن مع ذلك فآلان واتس لا يقول إن الحياة هي نفسها عديمة الغاية، ففي نظره الحياة هي غاية نفسها بنفسها، ولكن ما من غاية خارجية تسعى إليها، إنها مثل الموسيقى والرقص، اللذين يشكلان هدفًا لنفسيهما، بنفسيهما.

الحياة مقطوعة موسيقية

يختم آلان واتس كلامه السابق، بالقول: «لقد كانت المسألة موسيقية، وكان من المفترض عليكم أن تغنوا أو ترقصوا أثناء عزف الموسيقى»، والنص الوارد في كل ذلك هو نفسه يدعى: «أنت تعزف البيانو ([13])».

هذا هو جوهر رؤية آلان واتس للكون والحياة ككل: الأمر كله لعبة، لعبة لا هدف آخر لها، ولكنها مثل الموسيقى أو الرقص، هي هدف نفسها بنفسها، وبكلمات واتس: «فكرة اللعبة، في الأساس، هي: أن طبيعة العالم موسيقية؛ وهذا يعني أنه يقوم بصنع كل هذه الأشكال من الأشجار، والنجوم، والأشخاص، وكل تعقيداتهم من أجل القيام بذلك لا غير، وليس له أي غرض آخر. والأمر بنفس الطريقة بالضبط في الموسيقى: الموسيقى ليس لها وجهة، إنها لا تستهدف المستقبل، صحيح أنها تتحرك خلال الوقت، لكنها لا تهدف إلى هدف في وقتٍ محدد. مغزى الموسيقى في كل عبارة هو ما تتكشف به عن نفسها، وكيف ترون العلاقة بين هذه العبارات والعبارات السابقة واللاحقة. لكن الموسيقى هي نفسها رقص. إنها ترقص مع الصوت. وبالمثل، في فن الرقص، أنتم لا تسافرون، ولا تستهدفون مكانًا معينًا، بل أنتم ترقصون من أجل الرقص»([14]). وهنا يكمن الفرق بنظر واتس بين النظر إلى الحياة كرحلة سفر أو النظر إليها كحفلة موسيقى ورقص!

ومن مقاربته لسؤال الحياة بمفهوم الموسيقى، نتوصل إلى نتيجةٍ مفادها أنه عندما نتعامل مع الحياة كمعزوفة موسيقية، فلن تكون عبئًا علينا، ولن يكون من الضروري اعتبارها شيئًا صارمًا ويجب أن يسعى إلى هدف خطير الشأن يجب تحقيقه، ويمكن أن نقع في عنف مع الذات أو الغير في سعينا لتحقيقه، فالموسيقى شيء جميل مسالم نسمعه بسرور لأننا نريدها كموسيقى، وليس هناك أي هدف آخر لهذه العملية. ورغم عدم وجود مثل هذا الهدف، ورغم أننا نعلم تمامًا أن الموسيقى لعبة، وليس علينا أن نتعامل معها بجدية مفرطة، وربما لو فعلنا ذلك لكان علينا أن ننصرف عن الموسيقى إلى ما هو أكثر جدية، إلا أن ذلك لا يمنعنا قطعًا من أن نتعامل مع الموسيقى بمحبةٍ واحترام كبيرين.

ألا يقودنا ذلك إلى العبثية؟

يقول آلان واتس: «يجب حلّ معظم المشكلات الفلسفية عن طريق التخلص منها، من خلال الوصول إلى النقطة التي تـُرى فيها مثل هذه الأسئلة على غرار “لماذا هذا الكون؟” كنوع من العصاب الفكري، وإساءة استخدام الكلمات من حيث أن السؤال يبدو منطقيًا، ولكنه في الواقع لا معنى له مثل السؤال “أين هذا الكون؟” […] إن مهمة الفلسفة هي علاج الناس من مثل هذا الهراء…»([15]).  كما نرى فآلان واتس لا يريدنا أن ننشغل بطرح أية أسئلة عن غاية الوجود وهدف الحياة لنفرضها على حياتنا بعد ذلك، وهو يعتبر ذلك نوعًا من أمراض التفكير، ووفقًا لمفهومه يمكننا القول إنّ طرح مثل هذه الأسئلة أشبه ما يكون بالسؤال «أين الماء؟» ونحن نغوص في البحر.

وإذا ما جاريناه في أسلوب تفكيره، نستنتج أن المسألة محلولة تمامًا، وأنّ الإنسان يمتلك الجواب دون أن يعلم، وكل ما عليه فعله هو أن يستيقظ من حالة الوهم التي يعيشها، متوهمًا أنه فرد منفصل يجب أن يضع هدفًا جديًا صارمًا لحياته، وعندما يستيقظ ويدرك حقيقة لعبة الحياة، سيدرك أنه في الهدف وفي المغزى تمامًا، وليس عليه أن يجهد نفسه في البحث عنهما والسعي إليهما، فهو نفسه من يلعب هذه اللعبة؛ لأنه والكون واحد([16])، وهو في هذه اللحظة الحاضرة يعيش في حاضر أبدي كما يقول واتس([17]). وهنا لا تكون الحياة عديمة المغزى، فالمغزى موجود في وحدة الإنسان والكون ككل، ولا يحتاج الإنسان إلا للاستيقاظ من وهم الوجود المنفصل، والاختلاف عن العالم، ليصل إلى هذا المغزى وينسجم معه تمامًا.

أيّ نوع من الفلاسفة كان آلان واتس؟

عند طرح هذا السؤال، ثمّة ثلاث نقاط رئيسية يجب التوقف عندها، وهي: مثالية فلسفة آلان واتس، وتأثرها بالفكر الآسيوي، ومسألة أكاديميتها.

من ناحية «المثالية»؛ فالمقصود بها المسألة الأساسية في الفلسفة، التي تنقسم الفلسفة بموجبها إلى «فلسفة مثالية»، و«فلسفة مادية»، ويتم التصنيف فيها بناءً على الجوهر الأساسي الذي يضعه الفيلسوف في فلسفته كأصل للعالم؛ ففي الفلسفة المادية تُعدُّ المادة هي الأساس الكلي والوحيد للعالم، ومنها تنبثق كافة ظواهر ومظاهر الوجود؛ ومنها الروح والوعي، حيث تراهما هذه الفلسفة بوصفهما خاصيتين لمادة عالية التنظيم؛ أيّ الدماغ المتطور، وليس جوهرين قائمين بحد ذاتيهما، ومن مشاهير فلاسفة هذا التيار  كان ديمقريطيس اليوناني قديمًا، وفويرباخ وماركس حديثًا؛ أما الفلسفة المثالية، فهي تفعل العكس، فهي تنفي الوجود المستقل للمادة، وتعتبرها «فكرة» أو «تصورًا»، وتمنح الجوهرية والأصالة للروح أو الوعي، وقد كان أفلاطون قديمًا فيلسوفًا مثاليًا، فيما كان هيغل حديثًا أحد أكبر الفلاسفة المثاليين.

وإذا ما نظرنا إلى فلسفة آلان واتس، فسنجد أنه «فيلسوف مثالي»؛ لأنه يعتبر العالم المادي وهمًا، ولا يعطيه حقيقة قائمة بنفسها، ولكنه مع ذلك كان «فيلسوفًا مثاليًا» بطريقته الخاصة؛ لأن فكره كان شديد التأثر بالفلسفات الآسيوية. في تأثره الشديد بالفلسفات الآسيوية، لم يكن واتس قطعًا حالة فريدة أو غير مسبوقة في الفكر الغربي، فقد سبقه في هذا على سبيل المثال، الفيلسوفان الشهيران، الألماني شوبنهاور، والأمريكي رالف والدو إمرسون.

وما يقوله واتس من أنّ العالم عبارة عن لعبة ووهم ما هو إلاّ أفكار سائدة في الفكر الهندوسي، الذي نجد فيه مفهوميّ «ليلا» و«مايا» ويدل أولهما على أن العالم ككل هو لعبة، فيما يدل الثاني على أن طبيعة هذا العالم هي الوهم، وعندما يدرك الإنسان الاستنارة، يعي الإنسان هاتين المسألتين، ويتحرّر منهما ويدرك الحقيقة المطلقة.

أما في ما يتعلق بـ«الأكاديمية»؛ فرغم أن آلان واتس حمل ماجستيرًا في اللاهوت، وكان عضوًا في الهيئة التدريسية للأكاديمية الأمريكية للدراسات الآسيوية ودرّس في كل من معهد كاليفورنيا للدراسات المتكاملة وجامعة ولاية سان خوسيه، فيما حصل على زمالة في جامعة هارفارد، فهو مع ذلك غالبًا لا يعتبر أكاديميًا رسميًا في الأوساط الأكاديمية، وهو نفسه قال في هذا الشأن إنّه «فنان فلسفي»، أكثر من أن يكون «فيلسوفًا أكاديميًا»، والمقصود بالفنان الفلسفي كما نفهمه من حياة واتس، هو أنه مثل الفنانين من الموسيقيين والشعراء والمغنيين والمسرحيين وما شابه، الذين يكون فنهم متصلاً بفاعلية مع الحياة ومندمجًا بها ومتفاعلًا معها؛ إذْ يقدمون عروضهم الفنية بشكل مباشر للناس، فهو يفعل الشيء نفسه، ويقدم عروضه الفلسفية من محاضرات وندوات وأحاديث بشكل بسيط ومباشر للناس، وهذا ما يجعلها فلسفة حياتية على غرار فنون الفنانين. وفي الواقع يمكن اعتبار هذه الطبيعة الخاصة بفلسفة آلان واتس كفلسفة حياتية مباشرة، ميزة كبيرة الأهمية فيها، فبهذا الشكل تكون فلسفته فنًا حياتيًا وطريقة حياة عملية حيّة، وهذا ما كانت عليه الفلسفة نفسها في أصولها.

خاتمة

عرضُ فكر أيّ مفكر أو مدرسة فكرية أو الاهتمام به بالطبع لا يعني مشاركة هذا الفكر، ومن ثمّ يمكننا ببساطة أن نختلف بالكثير مع آلان واتس وسواه من الفلاسفة والمفكرين المختلفين، ومع ذلك لا ينفي هذا قيمة هذا الفكر، والدليل على ذلك هو الاهتمام الكبير الذي ما تزال تحظى به فلسفة آلان واتس في الغرب، الذي تجاوز الغرب إلى مناطق أخرى في عالم اليوم، وهذا ليس بغريب في عالم معاصر تسيطر عليه ثقافة اللاثقافة، والاستهلاك، والتركيز المتضخم على الأمور المادية، الذي يجعل الإنسان الحديث يعاني بشدة من ضغوط هذا النمط المحموم من الحياة الفاقد للشروط والقيم الإنسانية، ويدفع الإنسان في المجتمعات الحديثة للبحث عن بدائل روحية؛ لذا تغدو فلسفة واتس أحد البدائل العديدة المطروحة لهذا الغرض. وبالنسبة للقارئ العربي، يأتي هذا المقال في سياق التعريف بآلان واتس، الذي رغم شهرته عالميًا، إلا أنه ما يزال غير معروف تقريبًا على الساحة العربية حتى اليوم، ولا يوجد عنه وعن فلسفته في المكتبة العربية إلا القليل.


[1] – Life of Alan Watts – Alan Watts Organization, https://alanwatts.org/life-of-alan-watts/

[2] – Alan Watts – Wikipedia, https://en.wikipedia.org/wiki/Alan_Watts

[3] -21 Alan Watts Quotes To Ponder, QuotesNSmiles.com, https://t.ly/ujlk

[4] – Alan Watts – Don’t Take Life Too Seriously, En to Ko, https://jinoochinoo.tistory.com/193

[5] – “المرجع السابق”

[6] – “المرجع السابق”

[7] – Alan Watts, The Joker , The Library of Concioudness, https://www.organism.earth/library/document/the-joker

[8] – Maria Popova, The Ego and the Universe Alan Watts on Becoming Who You Really Are, The Marginalian, https://t.ly/f34m

[9] – “المرجع السابق”

[10] – Alan Watts , The Dream of Life, Genius, https://https://t.ly/lVSt

[11]– “كيتي، كيتي” هي عبارة توددية يتم فيها مناداة القطط في اللغة الإنكليزية، وهي يمكن أن تعني «تعال يا قطيط».

[12] – Alan Watts, You Play The Piano, https://www.awakin.org/v2/read/view.php?tid=2212

[13] – “المرجع السابق”

[14] – Alan Watts, The Joker , The Library of Concioudness, https://www.organism.earth/library/document/the-joker

[15] – Maria Popova, The Ego and the Universe Alan Watts on Becoming Who You Really Are, The Marginalian, https://t.ly/f34m

[16] – Alan Watts , The Dream of Life, Genius, https://https://t.ly/lVSt

[17] – Quote by Alan Watts “Life is like music for its own sake”, Goodreads, https://https://t.ly/Znf8

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى