مقابلات وحوارات

«النوم عند قدميّ الجبل» – حوار مع أمجد أبو العلاء

حاورته: بلقيس الأنصاري

لتحميل الحوار : حوار مع أمجد أبو العلاء


1- أستاذ أمجد أبو العلاء، يشرّفنا ويسعدنا استقبالك لإجراء هذا الحوار؛ بدايةً حدّثنا عن بداياتك مع السينما، ما الذي دفعك لهذا المجال، ومتى شعرت بأنكَ وصلت لحكايتك التي تستحق أن تُروى؟

لطالما كان الخيال محركيّ الشخصي في طفولتي للعبور بمشاعري وأفكاري وأحلامي لشطٍّ أوسع وأكثر جمالًا، كان الخيال وسيلتي لبناء عالم بديل أو قوقعة ألجأ  إليها حين يكتشف الطفل بداخلي قسوة الواقع وعدم سهولة مجاراته، لذا رسمَ عالمًا آخر هو الحلّ الأكثر واقعية حينها من الواقع. وأعتقد بأنّ كل ذلك بدأ عندما كانت والدتي تعمل كأمينة مكتبة عامة في الإمارات، كانت تصحبني معها وكنتُ أجلس لمدة ساعات بين أنهار الكتب التي لا تنتهي. وأذكر أنّ صديقتها الفلسطينية -التي ما زلت على تواصل معها- كانت تضع أمامي كتب عديدة فيما تحدّثني عن الكتابة. في عمر العشر سنوات لم يكن سهلاً أن أفهم ما بداخل هذه الكتب، ولكن خيالي كان قادرًا على تحويلها لصورةٍ ولأُناس من لحمٍ ودم. خيالي كان مركبي الذي عبر بي من شاطئ الطفولة إلى شواطئ السينما وعوالمها.

بدأتُ صناعة الأفلام في عمر السابعة عشر، ولم أجد الحكاية التي وددتُ حكيَها في فيلمٍ طويل إلاّ في عمر السابعة والثلاثين، هذا المشوار كان طريقًا للفهم وللاستيعاب وهضم الأفكار وقراءة مشاكل وأحلام البشر، وبالمقام الأوّل كان طريقًا أيضًا لفهمي أنا واستيعابي وتقبّلي بحسناتي وعيوبي. مرورًا بالعديد من التجارب الفنية كمخرج ومنتج وكاتب لأفلام قصيرة، وكمبرمج لمهرجاناتٍ سينمائية، ما جعلني أُعامل السينما معاملة العاشق المُحبّ وليس كمهنة فقط. ولذا كنت أبحث عن حكايات مختلفة أودّ حكيها في السينما السودانية، وقع اختياري حينها على حكاية من وحيّ الواقع السياسي للبلاد، وصادف عملي عليها أنني قرأت قصةَ الروائي السوداني حمّور زيادة «النوم عند قدميّ الجبل»، وكان ذلك مزامنًا لوفاة جدتي، حيث قرأتها وأنا في طريقي إلى العزاء، وفقط حينها وجدتُ حكايتي التي وددتُ سردها سينمائيًا. فقد وجدتُ فيها العديد من التساؤلات حول الحياة والموت والفقد والحزن، وعن السودانيين، ومَن وصل منهم لمنزلة الاحتفاء بالموت. وجدتُ ضالتي في ذلك العالم الصوفي الذي بنَاه حمّور، وفي سؤالي المفضّل دائمًا عن ماهية الفرد وعلاقته بالمجتمع والدين والسياسة.

 

2- ذكرتَ أنك تأثّرت بمخرجين كِبار كثيو أنجيلوبولوس، وتاركوفسكي، ويوسف شاهين، حدّثنا عن ملامح هذا التأثّر وكيف ظهر في أعمالك؟

أعتقد بأنّ الفنّ عدوى؛ لكنه العدوى الأنقى، لكونها قابلة للانتقال بالنظر وبالسمع وبالقلب. أن تكون طفلاً فينشغل قلبك بصوت آلة يعزفها عازف ماهر ثم تنتقل إليك عدوى العزف هذا هو بالضبط ما حدث معي، عندما شاهدت أفلام شاهين وأنا في سن الحادية عشر، ومن حينها أذكر بأني عندما أقابل بسؤال ماذا تودّ أن تُصبح عندما تكبر، تكون إجابتي سأصبح يوسف شاهين، سأصبح مخرجًا صانعًا لهذه العوالم الساحرة، وفي أحيان العوالم المستفزة كعوالمه، شاهين كان مدخلي لحُبّ السينما ومن متابعتي لأخباره، بدأتُ أقرأ عن السينما هنا وهناك في الصحف والمجلات فاكتشفت منافسيه في المهرجانات وقتها، وأعني التسعينات وبداية الألفية؛ كثيو أنجيلوبولوس، وجان لوك غودار الذي تعرّفت من خلاله على الموجة الفرنسية الجديدة، ثمّ على السينما الفرنسية عامةً بمحاربيها القُدامى؛ كتروفو، وبريسون، وجون رينوار، وأجنيس فاردا، أو المعاصرون؛ كفرنسوا أوز، وأوليفر أسياس وغيرهم، ثمّ دخلت لعوالم العظيم أندريه تاركوفيسكي وهنا وجدتُ الرابط بين حبّي للشِّعر وحبّي للرواية وللصورة، نعم تاركوفيسكي قادرٌ على ربط كلّ ذلك ولم ينافسه في ذلك عندي إلّا اليوناني العطيم ثيوأنجلوبولس. كل ذلك كان بجانب حبّي لمشروعٍ لم يكتمل يحمل عنوان: «شادي عبدالسلام»، الذي أحتفظ اليوم فيّ منزلي بكلّ ما حقَّق حتى ورق تصميم الأزياء والديكور في الأفلام التي عمل بها كمصمم مشاهد، وبالتالي عندما قرّرت أن أصنع فيلمًا اتخذتُ السينما نافذةً يطلّ بها بطل الفيلم حبيس قريته لعالمٍ أوسع وأرحب، ثمّ وجدتني تلقائيًا أتبنّى مشروع الاقتباس المُعلن لبعض مشاهد هؤلاء، أو فلنقل وجّهتُ تحيّة بصرية لهم ولعوالِمهم الساحرة.

3- برأيك، كيف تتجلّى علاقة المخرج بالفكرة السينمائية ما بين النصّ وتجسيدها كصورة، وسينمائيًّا، ما اللغة البصرية الخاصة لكل فيلم والتي لا يمكن اختزالها في مجرد فكرة؟

ما بين الفكرة والرؤية السينمائية طريقٌ طويل يبدو سهلاً مستقيمًا ومعبّدًا، لكنّه طريقُ سفر غير واضح وبه العديد من المحطات والمطبّات والثقوب السوداء التي لن يتخطاها إلّا صاحب موهبة حقيقية ورؤية في الحياة. هذا الطريق بين النقطتين هو الذي يحدّد من أصبح مخرجًا لكونه مليء بالرؤى والأفكار، أو من غدا مخرجًا موظفًا لوضع الكاميرا هنا وقطع اللقطة هناك بأقلّ شروط الإنجاز. من السهل أن يكون لديك فكرة جيدة تصلح لأن تتحوّل فيلمًا، ولكن ليس من السهل أن يكون لدى الجميع رؤية ثاقبة ووجهة نظر تصلح لتنفيذ تلك الفكرة.

أعتقد بأنّ الطريق بين الفكرة والفيلم يحكمها خلفية المخرج وعلاقته بالفن من الأساس، كمثل، لو قدّمنا ذات الفكرة لمخرجين مختلفين: «امرأةٌ تبحث عن رفات ابنها، بعد مجزرة فضّ الاعتصام في السودان»؛ فلن يخرجها أصغر فرهادي بنفس أسلوب أرنوفيسكس، أو كما سيحلِّلها صهيب قسم الباري، أو دولان، لكلٍّ من هذه الأسماء سينما خاصة يتقنها نابعة من خلفيته هو، حتى وإن قدّمنا لهم ذات النصّ السينمائي! وبالمقابل كيف سيخرجها سينمائيًا مخرجٌ برؤيةٍ محدودة لم يملأ قلبه وروحه بلوحات العظماء، أو بموسيقى متنوعة من مكتبات العالم، أو بقراءة روايات من هنا وهناك. أعتقد بأنّ السينما هي عصارة كلّ الفنون وسُدرة منتهاها، ولذا مفهومي للرؤية السينمائية كما أحبّ هو أن أفهم تنوعها واختلافها بين مخرجٍ وآخر.

4- لماذا تشكّل الأفلام مرجعًا مشتركًا لتحليل القيم والقضايا الأخلاقية والتساؤلات العامة بين أفراد المجتمعات، وهل تعتبر السينما أداة تعليمية؟

أحُبّ أن أتعامل مع السينما وكأنها مرآة نضعها أمام المجتمع، ليعيد قراءة نفسه وليواجهَ حقائق قد يحاول إغفالها والتغافل عنها بحججٍ متنوعة ومختلفة، كإلقاء اللوم دائمًا على الظروف والأوضاع والتاريخ والسياسات، وكلّ ما سبق له دور في ذلك، ولكن ما يهم هو أن يساعد الفنان جمهوره على الرؤيا وعلى الاعتراف بالمشكلة أو بالواقع أيًّا كان. ليس على السينما أن تقوم بدور المحلِّل لأصل تلك المشكلات ولا أن تسعى لحلّها، فالسينما فنُّ الحكي، كالنبراس المضيء الذي يسلّط ضوئه على مواطن الجرح والخلل. السينما ليست أداة تعليمية، أو على لأقلّ السينما التي أحبّ ليست كذلك، أو لا تُصنع بهدف التعليم والتوجيه، ولكن بالتأكيد لدى صانع السينما أفكار وأجندة، نعم. لدى كلّ فنان أجندةً ما تخصّه ويودّ إيصالها، أو على الأقلّ أن يرى العالَم يشاهدها بغضّ النظر عن إمكانية فرضها على الآخر.

5– حدّثنا عن قوّة السينما وعن تأثيرها وتأثّرها؟ وما هي المزايا والمخاطر التي تنطوي عليها السينما بالنظر إلى جاذبيتها للجماهير وقدرتها العالية في إثارة المشاعر القوية؟

السينما وسيطٌ قويّ يتسرّب تأثيره عبر السنوات، ليصنع التغيير بتأنيّ وروية، وسيطٌ ذكي يخاطب المشاعر والعقل في ذات الوقت، قادرٌ على إثارة الأسئلة وتحريك كلّ ما هو ساكن، لهذا تسمع الأصوات المرتعبة تطالب ليلاً نهارًا بطلبات المنع والتكميم وإسكات صوتها الصارخ، وذلك لإيمانهم بقوتها وقدرتها على تسريب الأفكار كالحقن تحت الجلد. وعندما أتنبّه لحقيقة هذه القوة للسينما أستشعر لمَ أحببتها ولمَ اخترت أن أكون جزءًا من صُنّاعها.

 

6– في بناء شخصيات الفيلم ما الذي يحتاجه صانع الأفلام لبنائها، ومِمَن استلهمت شخصيات «ستموت في العشرين»، من بينها ما الشخصية المفضلة لديك؟ ومِن ماذا استمد الفيلم هذه الجاذبية ذات الطابع الشِّعري الفلسفي؟

بناء الشخصيات السينمائية يحتاج أولاً من الكاتب فهمه للإنسان ولطبائع البشر، فهمه وتفهّمه، نرى فيلمًا كاملاً يستخرج شخصية الجوكر الشريرة من عوالم باتمان ليضعها في فيلمٍ منفصل ويحاول استيعابها وهضم تاريخها ودوافعها لنتفاجأ بنجاح التجربة وحبّ الجمهور لها، بنفس المبدأ أحاول الاشتغال على الشخصيات في أفلامي، لقد درست بجانب الإخراج علم النفس الاجتماعي وعلم النفس التربوي، تعمّدت الإبحار في ذلك بجانب هوايتي الأخرى لتأمّل البشر في الشوارع والمقاهي وحانات العواصم ومطاراتها، كل تلك الحكايات المخفية والوجوه الباسمة والشاحبة تحمل بداخلها السينما التي لم ننجزها بعد.

في فيلم «ستموت في العشرين»، تقاسمتُ خلق الشخصيات بيني وبين شريكي في الكتابة السيناريست الإماراتي يوسف إبراهيم، وقبلنا كان صاحب القصة الأصلية حمّور زيادة. انطلقت الشخصيات من خلفية محددة وأرضية مشتركة لأرواح تائهة في عالمٍ يطوف حوله الموت، الموت هنا ليس شبح حرب أو كارثة طبيعية، بل نبوءة بسيطة تُرمى ككرة ثلج في أول الفيلم، ولكن حسب وقعها عليهم وحسب قوة اعتقادهم، كانت تكبر شيًئا فشيًئا كلما اقتربنا من سِنّ العشرين. نبوءة دارت في فلكها كل الشخصيات ورسمت مسارها وقراراتها وشكّلت علاقاتهم معًا.

لا أستطيع تحديد شخصية مفضّلة بسهولة، حيث أجدني هنا وهناك، ففي سليمان منّي الكثير وفي مزمل القليل منّي أو ربما جانبًا آخر لا أعترف بوجوده، ثم منّي أيضًا في تفاؤل نعيمة، والكثير من ذكرياتي انعكس على الشخصيات كحالة الحداد لدى سكينة، ونفيسة مستوحاة من حداد جدتي وخالاتي على خالتي الراحلة سهام.

حاولنا في الفيلم تقديم هذا التنوع الثقافي الكبير بما تحتمله الحكاية فاستلهمنا عوالم القرية البسيطة بجانب المشهدية المحفورة في وجداننا للنيل ولم نتقصّد الإغراق في الفلكلورية ولكن الحكاية توجبّت حضور الحضرة الصوفية بجانب الوار وطقوسه مثلاً، هناك سِحر خاص في عوالم الصوفية وأدبياتها وفنونها وموسيقاها وقد تكون العنصر الجذّاب خلف جاذبية الفيلم. هناك هوية مميزة يسهل استلهامها سينمائيًا ولا تنفصل عن تاريخ الأدب الصوفي أو الرسم والأزياء في عوالم الصوفية، وأعتقد بأن الفيلم استفاد كثيرًا من كل هذا الإرث، بالإضافة للسودان نفسه كبقعة ساحرة بتنوعها وتفاصيلها غير المكتشفة بعد، وبتداخل كل ما سبق إضافةً إلى استلهام الذاكرة البصرية الشخصية لي كمخرج ولزملائي في تصميم المشاهد، وأعتقد أيضًا أن الفيلم كان قادرًا بشكلٍ ما على هضم كل تلك التفاصيل بما يلائم حكايته.

7–  «أمرُ الله نافذ يا سكينة». هذه الحياة الروحية التي تخلَّلت الفيلم، كيف أثّرت في فتور بنائه الدرامي، كيف أثّرت مسألة اقتباس النبوءة على حبكة وسرد «ستموت في العشرين»، ما النظرة التي عكستها  الصوفية، وكيف أثّرت هذه الأفكار على المجتمع السوداني؟

للصوفية في السودان نفوذٌ كبير بالتأكيد وهذا النفوذ له إيجابياته وسلبياته، وأغلب السودانيين يفتخرون بأن وجدانهم صوفي حتى ولو لم يتبعوا طُرقًا من طُرق الصوفية، ولكن هناك شيء راسخ تسلل إلى طباع الشعب وأغنياته وممارساته المستمدة من التراث الصوفي، وأحسب هذا الانعكاس من الإيجابيات، ولكن من كثر سطوة الصوفية في السودان، أصبح لها نفوذًا كبيرًا سواءً في السياسة أو متغلغلاً في تفاصيل المجتمع، فتراهم تارةً حاجزًا ضد الفكر السلفي وتلقي الطلقات عن السودانيين حول دفة الصراع إلى أراضٍ بعيدة، أو استغل بعضهم هذا النفوذ ليمارس الاستغلال والدجل والشعوذة والذي لا يقتصر على القرى النائية، كما في الفيلم بل يمتد لقلب المدن المتحضّرة، وليس بمستبعدٍ رؤية شباب وفتيات على قدرٍ من الثقافة والتعليم يقبّلون يد شيخٍ ما في قلب العاصمة!

فتناول هذا التأثير من خلال النبوءة وتداعياتها، كانت ملهمة لي عند قراءتي لنصِّ زيادة. ولذا نعم، هناك من يخبر تلك السيدة أنها لن تنجب أبدًا، وهناك من يعدها بالخلاص من ضرّتها أو بالشفاء من مرضٍ عضال. وتمحوَر سؤال الفيلم حول: ما الذي يحدث بين النبوءة ووقتها المقرّر للتحقّق؟

8– حدّثنا عن قوّة المرأة السودانية التي جُسّدت في شخصية سكينة ونساء الفيلم مقارنةً بشخصية الرجل الهامشية، وما الرسالة التي يريد «ستموت في العشرين» أن يوصلها بخصوص المرأة؟

في كتابتنا للشخصيات النسائية في النصّ، أعتقد أن كل منّا حاول أن يعكس نظرته للمرأة كما هي في حياتنا، يوسف شريك الكتابة أدعوه بأبو البنات هو أبٌّ لسبع فتيات، ودائمًا ما تحمل أعماله هذا التقدير الخاص للمرأة الخليجية. أنجزنا سويًا فيلم «تينا»، عن أم لسبع فتيات وصراع إحداهن مع مجتمع كان يتمناها ذكرًا. وكل متابعيّ حمّور يعلمون كيف يكتب المرأة في أغلب أعماله كقديسة وكبطلة. أما أنا فقد كنت محاطًا بالنساء في طفولتي ضمن بيت العائلة الكبيرة، وتربيت بينهن، وبطبعي كنت مراقبًا ومستمعًا جيدًا لكل الحكايات ومتفهمًا محللًا للتصرّفات والانفعالات والمشاعر بشكلٍ قد يكون انعكس على شخصيات الفيلم.

نساء عائلتي قويّات وعنيدات وغير خاضعات إلاّ لقناعتهنّ، ومن هنا استلهمت نعيمة التي أسميتها تيمنًا بجدتي نعيمة، ومن إحدى خالاتي استلهمت قوّة سكينة، وأعتقد حتى ستّ النساء ونفيسة تمتعن بقوتهن الخاصة في مجابهة الحياة وظروفها المفروضة عليهن! هكذا أرى المرأة السودانية بصفةٍ عامة قوية رغم التحديات الذكورية التي ما زالت تُفرض عليها.

9– من وجهة نظرك، ما المشهد الذي مثّل اختزالًا لجميع الدلالات التي سعى إليها «ستموت في العشرين»؟ وما النصوص التي تحتوي على مفاتيح الفيلم؟

لستُ متأكدًا من أن هناك مشهدًا واحدًا يمكنه اختزال كل الفيلم ودلالاته، فلربما وجدت الإجابة لدى كل مشهد على حدة. وقد تختلف الاختيارات من مشاهدٍ للآخر كلّ حسب خلفيته وإحساسه وفهمه للفيلم، ولكنّي كمخرج أعتقد بأن لدي قائمة من المشاهد التي أحبّ دلالاتها والتي بالمناسبة لا يهم لأن تصل كما هي للمشاهد طالما لن يصله المعنى الذي أحمله وجدانيًا فيلتوي المعنى لديه، ولكني أحبّ أن يتعامل الناس مع فيلمي كلّ على حده يحلله كما يشاء، فيما احتفظ شخصيًا بدلالاتي لنفسي، كي لا أفرضها على الآخرين إن لم تصل بصريًا كما يجب!

10- كونك متأثِّر بفنتازيا الطيب صالح، كيف اُستلهم الآسر الطيب صالح في السرد الإبداعي والملامح الفولكلورية لـ«ستموت في العشرين» بالرغم من عدم الإشارة إليه بشكلٍ مباشر، كيف تمّ تجسيد مصطفى سعيد ما بين سليمان ومزمِّل، هل «ستموت في العشرين» هو الصورة الفنية لـ«موسم الهجرة إلى الشمال»، ما رمزية الشمال هنا؟ وأين موقع قصة حمّور زيادة بينهما؟

الطيب صالح روائي سوداني عظيم وأحبّه كثيرًا، وأنا في طور التحضير لعملٍ من أعماله ومتحمس جدًا لذلك، ولكن «ستموت في العشرين» مستوحىً من قصة قصيرة لحمّور زيادة الروائي السوداني الشاب والمهم جدًا، الذي لن أبالغ إن قلت بأني أستمتع بقراءته ويناسب ذوقي أكثر من لحظات قرائتي للطيب صالح! أنا أميل إلى الحداثة وإلى الجديد، ولا أحبذ تقديس الماضي وذلك الشعور العربي العام بأن ما كان لا يمكن أن يكون مجددًا. وأعتقد أن مقاربة الناس فيلم «ستموت في العشرين» للطيب صالح سببها الأوّل شهرته ومكانته في الوجدان السوداني والعربي، ممّا جعل القرية دائمًا مرتبطة بدومة ود. حامد، وبالتالي كلّ عائد من الخارج هو مصطفى سعيد. والحقيقة الأخرى حمّور لم يكتب سليمان كما ظهر في الفيلم إطلاقًا، إنما كانت هذه معالجتنا في السيناريو للشخصية وحتى الوحي لها لم يكن هو، بل كنتُ أنا بشخصي أمجد أبوالعلاء، هو الوحي الحقيقي للشخصية، لدرجة أني دخلت في حوارات مع زملاء الفيلم لحذف مشاهد لأقلّل منّي ومن تواجدي، ولذا ربما كنتُ أنا مصطفى سعيد وسليمان دون أن أشعر.

11– ما الثقل الذي فرضه هذا الحضور القوي للشأن الغيبي الماورائي وانعدام الزمن الذي ساعد على التمويه في «ستموت في العشرين»، وكيف أعاد ابن الموت الحياة للسودان، كيف جمع «ستموت في العشرين» ما بين رمزية نهر النيل كرمز للخصب والتجديد على مرّ القرون، ورمز للفناء؟ وما وجه الحداثة والتحرّروالانعتاق الروحاني الذي شكّله كل ذلك؟

بين الواقعية والغيبيات أخذت الحكاية مكانها في عالمٍ شديد القسوة بواقعيته، ولكن كل هذا التمحور حول نبوءة صوفية أضاف ذلك البعد الماورائي للحكاية، وحاولت الاشتغال على ذلك بصريًا بتداخلات الرؤى التي ظهرت بين حينٍ وآخر، وأنا عمومًا مغرم بالواقعية السحرية التي تشرّبتها من الأدب اللاتيني وروايات غابرييل غارسيا ماركيز، وإيزابيل الليندي وغيرهم.

لعبة الزمن في النصّ كانت هي المفتاح لكل تفاصيل الفيلم الإخراجية والمحور الرئيس للشخصيات وصياغتها. الزمن.. كل الحكاية بُنيت على عنصر الزمن المفقود بدءًا من العنوان: «ستموت في العشرين»، تلك النبوءة التي بدأت العدّ ليتحرك الزمن في اتجاه المجهول، فيما تمارس سكينة فعل تعذيب الذات بخطوطٍ مرسومة على حائط غرفة أشبه بغرف مدافن ملوك الفراعنة التي كان يشرف على هندستها الفراعنة ذاتهم. تمامًا كما كان مزمل يراقب مهندسة موته سكينة! وكل ما تعلق بأسئلة الزمن في الفيلم لا تجاوب، فحين سألها زوجها بعد عودته: «كم أصبح عمر ابننا الآن؟» أجابت: «كعدد أيام غيابك، أحسبها إن استطعت!». فيما تتساءل نفيسة عن عمرها الذي نسيت أن تحصيه، وفي النهاية عندما يحسم حساب عمره من الحائط تتشكك سكينة وتردد بانهيار لربما أخطأت الحساب! الزمن تائه وغريب ومهمل في هذا النصّ، وكان هذا مفتاحنا لمعالجة الحكاية ومفتاحي كمخرج للتعامل مع كل التفاصيل الأخرى.

12- من خلال قدرة «ستموت في العشرين» على جعل المشاهد يغرق في سيكولوجية مزمِّل فيما ينتظر حتفه دون القدرة على فعل شيء، كيف بنى الفيلم هذه الشخصية النفسية لمزمِّل، وما الذي أنقذه من مسألة طابور الإعدام؟

فكرة ولد الموت في السودان ومصر هي فكرة راسخة ولقب يطلق جزافًا على كل من مات صغيرًا، أو شُخّص بمرض في سنٍ مبكرة، أو فقط كان طيبًا كملاك على الأرض! شيء غريب لطالما أثار فضولي وغضبي أحيانًا، ولا أعلم كيف راودني ذلك الإحساس. الحديث عن الشعب السوداني الذي يُتهم بالطيبة كتهمة تنقص من إنجازه ومن قدرته على انتزاع حقّه أو على الأقل يأتي متأخرًا لأخذ ذاك الحق، من هنا رأيته ورأيت مزمل كممثّل لإنسان السودان بدءًا من نبوءة مصيره المحكوم بقدرٍ ما، مرورًا بوضعه داخل الصندوق ثم الاستسلام لذلك، ثم دعوات العقلاء للخروج منه، وانتهاءً بكسر حلقة الجنون والركض خلف وسيلة الخروج دون الالتفات إلى الماضي بكل إحباطاته وتعثّراته. وما حدث أن الفيلم تمّ تصويره في أيام الثورة حين انتفض السودانييون على صندوقهم، ما تزامن مع خروج الفيلم، ليشكل بذلك ثنائيةً مع الثورة مقصودة وغير مقصودة! مزمل لم يكن يريد شيئًا ولا حتى العيش بشكلٍ طبيعي كما الآخرون، لأنه لم يعرف أصلاً معنى كلمة طبيعي وما تعنيه الحُريّة، وحين عرفها تخبط، لكن أليس هذا هو وضع سودان اليوم، بعد الثورة؟

13- ما هي الصعوبات والتحديات التي واجهتكم أثناء كتابة وإخراج الفيلم؟ وما هي المآخذ التي أُخذت على «ستموت في العشرين» من قِبل النقاد؟

واجهتنا العديد من المشاكل التي لا تواجه عادةً صُنّاع الأفلام في دولٍ أخرى صانعة للسينما، أن تصنع فيلمًا في دولةٍ لا تمتلك صناعة السينما، بالتالي لا تحتوي على أدنى مقومات البُنية التحتية لصناعة السينما لهوَ شيء مرهق، ولذا تطلّب منّا إعادة بناء واكتشاف ذاتي لكل الخطوات التي عادةً ما توفرها المؤسسات وتدعمها بأنظمة واضحة، ناهيكِ عن صناعة الفيلم في عهد نظام إخوانيّ أول ما فعله عندما سيطر على البلاد في التسعينات، إيقاف المؤسسة العامة للسينما وتجفيف دور العرض لتغلق أبوابها. وما فعلناه نحن هو مواجهة نفس ذلك النظام لانتزاع التصاريح انتزاعًا، ولتسهيل دخول شركاؤنا الأجانب من فرنسا والنرويج ولبنان ومصر، وكل هذا تزامن مع بدء شرارة الثورة السودانية مع أول أيام التصوير، لندخل في مرحلةٍ أخرى من الخوف على إيقاف الفيلم بعد أن أُغلقت الممرّات في المطار، ناهيكِ عن أفراد الأمن الذين زُرعوا بيننا أثناء التصوير وكنّا نعرفهم جيدًا، ولكن لا سبيل سوى المضيّ قدمًا بأقل الخسائر.

14- ما نظرة المجتمع السوداني لـ«ستموت في العشرين»، وكيف ترى الإنتاج السينمائي الدرامي في السودان ما بين الواقع والمستقبل؟

أعتقد أنّ السودانيين انقسموا حول الفيلم بين معجبٍ وفخور بنجاحاته حول العالم، خصوصًا من يعيشون خارج السودان، الذين وجدوا أنفسهم يجلسون في نفس السينمات التي يشاهدون فيها أفلامًا عالمية ليشاهدوا فيلمًا سودانيًا، بينما سمع العديد داخل السودان عن الفيلم دون أن يشاهدوه، ومع تسريب بضع لقطات منه بنوا حكمهم على 3 دقائق من المشاهد الجريئة، وانتفضوا ضدها دون مشاهدة كاملة للفيلم، وربما كان ذلك مفهومًا في ظلّ غياب سينما مستقرّة في السودان، وبالتالي تمّ التعود على مشاهدة أفلام التلفاز المقطعة والمنقحة أو الدراما التلفزيونية المحافظة! في العموم أحبّذ ما صنعته التجربة في السودان، وأعتقد بأنها منحت أملاً عظيمًا لصُنّاع الأفلام هناك لمشاريعهم المستقبلية، ولن يكتمل ذلك كما نودّ إلاّ حين يصبح الحراك السينمائي صناعة محلية، لذا يجب أن يتوفر صندوق لدعم السينما السودانية، وأن يؤمن رجال الأعمال قبل الدولة بأهمية هذه الصناعة ومستقبلها.

15– ما شعورك تجاه هذا الصدى وهذه الجوائز التي حصل عليها «ستموت في العشرين»، وتجاه ترشّحه للأوسكار بشكلٍ خاصّ؟ 

في الحقيقة حصل الفيلم على حالةٍ عجيبة من شبه إجماع النقاد على إعجابهم بالفيلم، ووجد احتفاء نقدي عظيم عربيًا وغربيًا على حدٍّ سواء، وهذا لا يمنع أن يتواجد مقال للنقد المضاد هنا أو هناك وملحوظات ضد الفيلم، هذا طبيعي ويهمني جدًا قراءتها، ومنها على سبيل المثال: التعليق على كون البطل مزمل شخصية سلبية طوال الفليم، بخلاف ما اعتادت السينما تصويره للبطل الذي يتخذ قرارات في لحظةٍ ما. لا أوافقهم هنا، فالفيلم عن ذلك أصلاً ولقد اتخذ البطل قراراته مرارًا خلال الفيلم من خلال التخلّي عن نعيمة، أو باستمرار علاقته بسليمان رغم رفض والدته، أو القرار الأكبر بتجربة ما لا يشبهه عندما اكتشف أو قرّر بأنّه يومه الأخير فذهب للاعتداء على حبيبة أستاذه، كل هذه القرارات اتخذها بطلنا السلبي. كما ذُكر نقد لفت نظري لناقدةٍ مصرية يتمحور فقط حول أن كل ما هو إنتاج مشترك مع الغرب فلا بد أن يكون الغرب وراء كل ما فيه، وهنا لا أوافقها حسب تجربتي، حيث كنت محظوظًا بشركاء لم يحاولوا مطلقًا أن يطلبوا أو يرفضوا شيئًا، ولم يكن الفيلم استشراقيًا كما رأت بسبب وجودهم، بل ربما لأني أنا نفسي أتيت من خارج السودان برغبةٍ عارمة في الاحتفاء ببعض الطقوس هناك وهذا في عين البعض يعتبر استشراقًا، فيما رأيته أنا حنينًا واحتفاءً بتفاصيل تميّز السودان الذي أحبّ، واكتمل ذلك بترشيح السودان الفيلم لجوائز الأوسكار في سابقةٍ هي الأولى من نوعها لبلدٍ مجمل الأفلام السينمائية الطويلة فيه لا يتعدى السبع أفلام. وبجانب العديد من الجوائز المهمة التي بالتأكيد تعني الكثير لكل صانع أفلام، حيث تعتبر تقديرًا لجهده واعترافًا ضمنيًا بالسينما التي أردنا تصديرها من السودان للعالم.

16- قلتَ بأنك وقّعت عقدًا مع شركة إدارة أعمال عالمية تدير أعمال جورج كلوني، وبراد بيت وغيرهم، ما السينما المختلفة التي تنوي التحضير لها، ما نسبة المعايير الهوليوودية فيها، وحدّثنا أيضًا، عن المشاغل والتطلّعات التي سنرى نتاجها قريبًا.

أنا الآن، أحد عملاء شركة «سي أي أي»، وتقريبًا نحن سبعة من الوطن العربي ننتمي إليها كعملاء وهي من أهم شركات إدارة أعمال الفنانين في العالم، أمثال: جورج كلوني، وبراد بيت، وجيمس كاميرون، وودي آلن وغيرهم الكثير. تواصلوا معي قبل عامين لنبدأ سويًا مشوارًا، أنا سعيدٌ جدًا، حيث نرسم سويًا  شكل المشاريع القادمة وشكل الشراكات القادمة ومجرد الإحساس أن لديك ظهرًا تستند عليه هو مفيدٌ للفنان ومطمئن، حيث لا أحتاج أن أشغل بالي بالعقود القانونية والاتفاقات المالية، وحتى التعرّف على شركات الإنتاج الكبرى حول العالم، حيث سيقومون بهذا الدور مع كل مشروع بعد أن نضع قائمة بمن يجب أن أقابلهم سواءً منتجين أو ممثلين كبار وفي الأغلب ينتمون لنفس الشركة، هذا يجعلني حُرًّا وجريئًا ومنطلقًا في رسم خطط المستقبل بدون حسابات معقدة. ونحضّر الآن للعديد من المشاريع المتنوعة بين السينما والتلفزيون، بين الوطن العربي وخارجه، ولكن دائمًا تدور في فلك الحكايات التي أودّ حكيها عن السودان أو التاريخ العربي، كما انشغلت أكثر بعد «ستموت في العشرين»، بالإنتاج رغبةً في دعم مشاريع سترى النور قريبًا منها، الفيلم اليمني «المرهقون»، المتوقّع عرضه عالميًا هذا العام، وأيضًا الفيلم السوداني «وداعًا جوليا»، من إخراج محمد كردفاني الذي نسعى لتصويره شهر أكتوبر القادم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى