مقالات

العودة إلى الأسسية

علي رضا

يحدث أحيانًا أن ينتقل الفيلسوف من موقف إلى الموقف النقيض. لكن يظل موقف الفيلسوف لورانس بونجور فريدًا من نوعه لأنه انتقل من موقف وضع أسسه الفلسفية بنفسه وكان صاحب الفضل في انتشاره إلى تبني الموقف النقيض بشكل دفعه لمهاجمة الموقف الأول بضراوة ووصفه بأنه «خطيئته الإبستيمولوجية». ويدور الموقفان حول أحد أقدم الأسئلة الفلسفية الإبستيمولوجية على الإطلاق: سؤال التبرير المعرفي.

في محاورة Theaetetus لأفلاطون، يسأل سقراط الشاب ثيتتوس: «ما هو الفرق بين المعرفة والاعتقاد الصحيح؟» ويصلان معًا بعد نقاش متبادل إلى النتيجة التالية: «المعرفة هي اعتقاد صحيح له مبرر». فعندما يعتقد شخص في قضية ما (أ)، فإنه من المتوقع أن يرد على الانتقادات الموجهة لهذا الاعتقاد بأن يذكر المبررات (ب) التي يستند إليها والتي تنقل إليها سمة الصحة الإبستيمولوجية. ولكن هذه المبررات هي اعتقادات أيضًا؛ وبالتالي يجوز انتقادها كسابقتها. فلابد أن يستند المرء في تبريرها إلى اعتقادات أخرى (ج)، والتي تستند بدورها إلى اعتقادات أخرى (د)، ويستمر الأمر هكذا عبر سلسلة لانهائية تعتمد الصحة الإبستيمولوجية لكل حلقة فيها على سابقتها. لكن إذا كانت السلسلة لانهائية فلن يكون لها بداية، وبالتالي سنفشل في تكوين أي معرفة على الإطلاق.

هنا يظهر أمامنا ثلاثة احتمالات رئيسية[1]:

  • يلزم أن تنتهي هذه السلسلة بمجموعة من المبررات المبررة ذاتيًا أو التي لا تحتاج إلى تبرير؛ أي أنه يلزم وجود حلقة أولية أساسية لا تستند إلى شيء إبستيمولوجيًا، وهو ما يعرف بالأسسية Foundationalism.
  • يلزم أن تنتهي هذه السلسلة بشكل دائري، أي أن القضية ستستند إلى ذاتها عند مرحلة ما بشكل أو بآخر أو إلى العلاقة التي تربط الاعتقادات معًا، وهو ما يعرف بالاتساقية Coherentism.
  • لا يمكننا تبرير أي معرفة لدينا، وهو ما يعرف بالشكوكية Skepticism، كما حاجج الشكاك أغريبا في عمله «خمسة أسباب للشك» نقلًا عن الشكاك الشهير سيكستوس إمپيريكوس.

الأسسية

كان الموقف السائد إبستيمولوجيًا عبر التاريخ هو الأسسية بداية من انحياز أرسطو إليها في كتابه Posterior Analytics، وإن كانت قد اختلفت التجليات التاريخية لهذا الموقف في كيفية تبرير عدم احتياج قاعدة هذا الهرم المعرفي إلى مبرر رغم أنه مصدر الصحة الإبستيمولوجية. فحاجج العقلانيون مثل ديكارت بالبداهة العقلية المعصومة من الخطأ، وحاجج التجريبيون بأن المعرفة التجريبية تكون بالاطلاع المباشر على الحسيات الخارجية، وحاجج بعضهم، مثل لوك، بالتأمل الداخلي للحالات العقلية دون الاستناد إلى شيء آخر إبستيمولوجيًا. لكن في كل الحالات «يكاد يتفق الجميع على أن مصدر التبرير يجمع بين العقل والتجربة معًا؛ أن العقل يبرر الاستنتاج المشتق من المقدمات، وأن التجربة تبرر طبيعة الموضوعات الحسية … وأن التبرير هو الضامن للحقيقة»[2]. إذن يلزم على الاعتقادات الأساسية أن تكون صحيحة بلا تبرير.

لكن منذ آواخر القرن التاسع عشر ظهر على يد المثالية الهيجلية أول نقد حقيقي للأسسية والذي استند إلى الخلاف الميتافيزقي حول طبيعة الواقع، كما ظهر في الجدال الشهير الذي دار بين برادلي F. H. Bradley وراسل. فبالنسبة للمثاليين لا يوجد واقع مستقل عن اعتقاداتنا يؤسس معرفتنا عبر التطابق معه. ومن ثم فإن المعيار الوحيد لدرجة الحقيقة التي نملكها هو مدى اتساق تلك الاعتقادات مع بعضها داخل النظام العقلاني الكلاني للعالم. وهو جدال انتهى مع انحصار المذهب المثالي لصالح المذهب الواقعي.

ثم عاد للظهور مرة أخرى في بدايات القرن العشرين داخل حلقة فيينا [الوضعية المنطقية]، لكنه استند هذه المرة إلى الخلاف الإبستيمولوجي حول طبيعة المنهجية العلمية. فمن ناحية، حاجج نيوراث Otto Neurath المؤيد للتجربية الجذرية بأن العلم مركب يسير في البحر، والذي رغم تعرضه لكسور وأعطال قد تغرقه إلا أنه لا يغرق لأن طاقمه يصلحونه دائمًا. ومفاد الاستعارة السابقة هو عدم وجود أساس مطلق للمعرفة، وأن الاتساق بين اعتقاداتنا التجريبية هو معيار كون العلم مبررًا وصحيحًا. من الناحية الأخرى، حاجج موريتز شليك Moritz Schlick في مقاله «أسس المعرفة The Foundation of Knowledge» بأن البناء العلمي هرم يستند إلى اعتقادات أساسية لا تستند إلى أية اعتقادات أخرى. لكن هذه المرة انتهى الجدال على يد كواين Quine عبر أطروحته الكلانية البراجماتية عام 1951، والتي شككت من منطلق تجريبي في ضرورة القبليّات مثل البديهيات العقلية، والضروريات المنطقية، وفي المفاهيم الميتافيزقية المعيارية مثل واقعية العالم والحقيقة الميتافيزيقية.

فيقول كيث ليرر: «لا تضمن عصمة اعتقاد ما أن يكون الشخص مُبرَرًا في اعتقاده. فعلى سبيل المثال، في حالة الاعتقاد بحقيقة رياضية تم الوصول إليها عبر تفكير خاطئ، قد يكون المرء غير مبرر في اعتقاده بها على الرغم من أن الاعتقاد معصوم من الخطأ»[3]. إن الاعتقادات الضرورية غير الأساسية تستلزم اعتقادات ضرورية أساسية، وما يضمن صحة الأولى هو استنباطها من الثانية، لكن المرء قد يكون مخطئًا حيال الأولى. فعلى سبيل المثال، قد استدعي من الذاكرة اعتقادًا مفاده أن 76175+827387 = 902562 دون الانتباه إلى كون النتيجة خاطئة.

لكن عند تحليل الأرقام بالمبادىء المنطقية الضرورية، بوصفها اعتقادات أساسية، سيتبين لي أن المعادلة السابقة خاطئة وأني اعتمدت مثلًا على ذكرى خاطئة عند جمع الأرقام. هنا سنجد أني لم أعتمد في استنباط الاعتقادات غير الأساسية على اعتقاداتي الأساسية الضرورية وحدها [المبادي المنطقية والرياضية]، وإنما اعتمدت على اعتقادات أساسية ممكنة منطقيًا وغير ضامنة للحقيقة كما هي في ذاتها مثل محتوى ذاكرتي الذي قد يكون خاطئًا لسبب أو لآخر. وإذا كانت الاعتقادات الأساسية غير صحيحة أحيانًا، فهي ليست ضامنة للحقيقة ولا ناقلة لها عبر سلسلة الاعتقادات غير الأساسية، وهكذا سينهار جوهر التبرير الأسسي تمامًا.

يزداد الأمر سوءًا في حالة القضايا التجريبية. فناهيك عن أن هناك فجوة فاصلة بين اعتقاد المرء أن قضية ممكنة منطقيًا صحيحة وبين كونها بالفعل صحيحة لأنه لا توجد اعتقادات ممكنة منطقيًا ضامنة للحقيقة كما هي في ذاتها، نجد أيضًا أن المعطى الحسي [مصدر بيان صحة هذه القضايا] «ليس اعتقادًا ولا يأخذ شكلًا قضويًا. إذن ما هي العلاقة بين المعطى الحسي والاعتقاد؟ الجواب هو أنها علاقة سببية فحسب. المعطيات الحسية تسبب بعض الاعتقادات وبهذا المعنى هي أساس تلك الاعتقادات. لكن التفسير السببي لاعتقاد ما لا يُظهر كيفية أو علة تبرير الاعتقاد»[4].

تُعرف تلك الأطروحة باسم «خرافة المُعطى Myth of the Given» للفيلسوف ولفريد سيلارز Wilfrid Sellars عام 1956: الانطباعات الحسية لا تكفي وحدها لتكوين قضايا، وإنما تحتاج إلى قضايا أخرى تحتوي على مفاهيم مناسبة صفاتيًا للتعامل مع هذه الانطباعات، وتلك المفاهيم الأخرى تحتاج بدورها إلى قضايا أخرى حتى تتشكل، وهكذا نجد أنفسنا أمام تسلسل لانهائي، ومن ثم نخلص إلى عدم وجود اعتقاد أساسي بلا تبرير قضوي. ومن ثم يبدو أنه لا يمكن أن يكون هناك اعتقاد أساسي بلا تبرير قضوي. فالاعتقاد القائل بـ «هناك دائرة حمراء» يحتاج إلى اعتقاد آخر «أنا أعتقد أني أرى دائرة حمراء» والذي بدوره يحتاج إلى تبريرات ومفاهيم قضوية.

الاتساقية

من ثم انحسرت الأسسية الكلاسيكية تدريجيًا وحل محلها النظرية الاتساقية التي تحاجج بعدم وجود اعتقادات أساسية لأن الاعتقادات تبرر بعضها بعضًا، فيكفي أن تتسق هذه الاعتقادات فيما بينها منطقيًا وتربطها علاقات استدلالية [استقرائية واستنباطية واحتمالية] حتى تبرر معارفنا، ولهذا كان البناء المعرفي في الاتساقية على شكل شبكة.

لكن عانت صياغة كواين للاتساقية الكلانية من التناقض المنطقي[5] وغياب بعض التفاصيل التقنية، ولهذا اضطلع مجموعة من فلاسفة الإبستيمولوجيا في سبعينات القرن الماضي لتطوير نظريات معرفية في الاتساقية بشكل منهجي محكم بداية من كيث ليرير Keith Lehrer عام 1974 في كتابه «المعرفة Knowledge» الذي حاجج بأنه «في محاولة تبرير اعتقاداتنا، نجد أننا لا نملك شيئًا سوى الاعتقادات. فلا يمكننا الخروج أبدًا من دائرة الاعتقادات». ومن ثم أتت صياغته للاتساقية على صورة نسبية وغير موضوعية في ضوء قوله إنّ قبول اعتقاد معين يستند إلى كونه الأكثر احتمالية من بين البدائل المتاحة، وهو ما يعني أنه الأكثر اتساقًا مع الشبكة المعرفية فحسب، فيقول: «نحن لا نفترض وجود أي ضمانة لصحة هذه المعتقدات أو تلك التي تبررها»[6].

لكن لم تنتقل الاتساقية من مجرد أفكار غير مترابطة دافعها أيديولوجيا تجريبية إلى نظرية معرفية متكاملة الأركان إلا على يد لورانس بونجور Laurence BonJour عام 1985 في كتابه «هيكل المعرفية التجريبية The Structure of Empirical Knowledge». رفض بونجور كل محاولات الاتساقية السابقة عليه لعدة أسباب:

  • بدون علاقة معيارية بين الاتساقية والحقيقة ستتساوي جميع الشبكات المعرفية المتعارضة، سواء أكانت قصة خيالية أو حقيقة واقعية، طالما أن مبرر قبولها هو الاتساق الداخلي فحسب.
  • تعاني هذه الصياغة من الاستدلال الدائري الذي دفع الفلاسفة القدامى نحو الأسسية. فمهما اتسعت دائرة التبرير فهي تظل دائرة لا تبرر شيئًا بذاتها. والمشكلة الأكبر أن اتساق قضية ما مع مجموعة صغيرة من القضايا داخل النسق لا يستلزم اتساق النسق بأكمله. وإذا حوى النسق تناقضًا داخليًا فقد يقبل أي اعتقاد على الإطلاق Principle of Explosion.
  • لا يوجد مبرر لتبني قواعد معينة للتعامل مع الاحتمالات إذا كانت الاتساقية نفسها تستند إلى تلك القواعد، مما يتركنا أمام استدلال دائري على المستوى الميتا-إبستيمولوجي.

من أجل حل المشكلتين الأولى والثانية، عاد بونجور إلى صياغة كواين للاتساقية. فاعتبر أن ملاحظةَ وقائع العالم الخارجي بحيث ترتبط قضايا الشبكة المعرفية معياريًا بها شرطٌ أساسي لا غنى عنه، لكنه لم يكن براجماتيًا وإنما كان واقعيًا، «صحة التصور الواقعي للحقيقة بوصفها اتفاق مع الواقع المستقل عن العقل»[7] وهو التصور الذي اعتبره ضرورة لا غنى عنها لأي نظرية إبستيمولوجية نقدية قادرة على أن تؤدي دورًا معياريًا. كما تبنى بونجور الكلانية، التي أرجعها إلى الهيجلي البريطاني برنارد بوزانكيت Bernard Bosanque، حيث «تتصل جميع الاعتقادات بعلاقات دعم وتبرير متبادل، فتقف جميعها على نفس المستوى الإبستيمولوجي في درجة التبرير. وبهذه الطريقة، يزعم برنارد أنه قد تجنب أي استدلال دائري»[8].

تلافى بونجور التناقض المنطقي الموجود في نسخة كواين عبر التمييز بين القضايا القبليّة الضرورية منطقيًا وبين القضايا البعدية الممكنة منطقيًا مثل قضايا التجريبية. وحاجج بأن الاتساقية قد تفسر البناء المعرفي للأخيرة، لكنها تفشل تمامًا في تفسير البناء المعرفي للأولى، و«السبب هو أن المعرفة القبليّة ضرورية لتوفير مكونات مفهوم الاتساق، والذي يمثل الاتساق المنطقي إحداها فحسب، حتى لا نقع في الدور إذا قلنا أنها تستند إلى الاتساق»[9]. ولهذا اعتبر البناء المعرفي للقضايا القبليّة «أسسي خالص».

لكنه رفض أيضًا أن يشكل هذا البناء «الأسسي الخالص» القضايا الممكنة منطقيًا مثل قضايا التجربة الحسية لأنه وجد أن أطروحة خرافة المعطى تتجاوز المعطى الحسي وتمتد إلى أي سمة إبستيمولوجية تؤدي إلى كون اعتقاد ما أساسيًا [لا يحتاج إلى تبرير]؛ لأن المرء يحتاج إلى إدراك اتصاف الاعتقاد بهذه السمة حتى يقبله بوصفه اعتقادًا أساسيًا؛ أي أنه سيحتاج إلى تبرير كون هذا الاعتقاد أساسيًا مما ينفي عنه كونه أساسيًا [لا يحتاج إلى تبرير]. إن إدراك عدم الاحتياج إلى تبرير يحتاج إلى تبرير مُدرَك. وإذا اعتبرنا أن التبرير الجديد هو الاعتقاد الأساسي الصحيح، فإنه سينطبق عليه نفس الحال السابق. وبالتالي نجد أنفسنا أمام تسلسل لانهائي أيضًا، لأن «الأسسية في محاولتها لتجنب التسلسل اللانهائي أعادت إنتاجه بشكل آخر»[10].

أدرك بونجور حجم النقد الذي طرحه بشكل صحيح لأنه وجد أن نقده السابق سينطبق على الاتساقية ذاتها. فيلزم على المرء الاعتقاد بكون الاتساق الكلاني هو ما يجعل الشبكة المعرفية صحيحة، وبكونها متسقة كلانيًا مع الاعتقاد الجديد[11]، وهما الاعتقادان المبرران للاتساقية. وإذا تغاضينا عن مشكلة امتلاك المرء لاعتقاد لحظي يتكون من المجموع الكلاني لشبكته المعرفية بأكملها حتى يحدد المرء مدى اتساقها مع الاعتقاد الجديد[12]، فسنجد أن المشكلة الأكبر هي انعدام إمكانية أن يبرر الاتساق هذين الاعتقادين دون الوقوع في الدور[13]، مما يضع أسسًا ميتا-إبستيمولوجية للاتساقية ويعرضها لنفس نقد بونجور للأسسية؛ في محاولة المرء تبرير اعتقاده باتساق شبكته المعرفية: يلزم على المرء العودة إلى اعتقاد أساسي [بلا تبرير] فتتحول الاتساقية إلى أسسية[14] والتي ما تلبث أن تتحول إلى تسلسل لانهائي.

كان حل بونجور لتلك المشكلة هو تبني افتراض عقائدي Doxastic Presumption مفاده اعتقاد المرء بصحة إدراكه للمجموع الكلاني لشبكته المعرفية، بحيث يؤدي دور الاعتقاد الميتا-إبستيمولوجي المؤسس للاتساقية. يعترف بونجور أنه لا سبيل للمرء في الاعتقاد بهذا الافتراض سوى عبر الاستبطان، لكنه يحاجج في ضوء الاتساقية بأن الاستبطان بوصفه عملية تأسيسية لا يبرر هذا الافتراض العقائدي داخل النسق الاتساقي[15]. وهو عين ما يفعله أمام شرط الملاحظة الخارجية الذي يستلزم وعيًا مباشرًا باكتساب المرء لاعتقادات تجريبية تلقائية يفرضها علينا العالم الخارجي، رغم أن ذلك يتم بشكل تأسيسي وسابق على بحث اتساق هذا الاعتقاد مع الشبكة المعرفية[16] حتى يتسنى للمرء تغيير الشبكة المعرفية عند حدوث تناقض بينها وبين ذلك الاعتقاد، مما يجعل الاتساقية عرضة أيضًا لخرافة المعطى.

فيمكن القول إنّ نظرية بونجور نظرية هجينة؛ تجمع بين الاتساقية على المستوى الإبستيمولوجي والأسسية على المستوى الميتا- إبستيمولوجي. وهو ما يعترف به بونجور قائلًا: «يتبين لنا في ضوء المشاكل السابقة أن أي نظرية اتساقية خالصة ستكون فاشلة. ومن الواضح أيضًا أن الدافع الرئيسي لتبني النظرية الاتساقية ليس وجود أي معقولية مستقلة مرتبطة بفكرة الاتساق وإنما فشل الأسسية بجميع أشكالها. وبالتالي فإن السؤال الحاسم أمامنا الآن هو ما إذا كانت نظريتنا تحافظ على التبرير المعرفي وتتجنب الأسسية. إنها ليست نظرية اتساقية خالصة تمامًا بالفعل ولكني لا أرى ما يدعو للقلق حيال ذلك»[17].

العودة إلى الأسسية

لكن الحقيقة أنه كان هناك الكثير مما يدعو للقلق، بداية من الشكوكية التي تثيرها إمكانية رفض الافتراض العقائدي طالما أنه اعتقاد غير مبرر، إلى حجم العناصر الأسسية التي تستند إليها النظرية الاتساقية بشكل يطرح علينا السؤال التالي: إذا كان الاتساق جزأ من التأسيس الإبستيمولوجي بحكم كونه علاقة منطقية ضرورية، فما الذي يمنع هذه النظرية الاتساقية أن تكون نظرية أسسية؟ ظل بونجور يفكر في السؤال الأخير حتى عام 1997 عندما أعلن تراجعه عن الاتساقية وتبنيه لنسخة أضعف من الأسسية كانت قد ظهرت على يد ويليام ألستون عام 1976 لكن لم تنتشر كثيرًا بسبب موجة التجريبية الجذرية المهيمنة على الأوساط الفلسفية حينها.

ميز ألستون بين كون المرء مبررًا في امتلاك اعتقاد ما وبين كون المرء قادرًا على صياغة هذا المبرر والتفكير فيه بشكل قضوي. فقد تبرر تجربتي رؤيتي لدائرة حمراء ماثلة أمامي، لكن التجربة الحسية ذاتها ليست اعتقادًا إبستيمولوجيًا حتى أبررها بالمفردات القضوية، وإنما هي التي تنتج تلك الاعتقادات التي يمكن صياغتها والتفكير فيها بشكل قضوي. ومن ثم يقاوم ألستون هجوم الشكوكية بقوله إنه طالما لا يوجد مبرر قضوي موجب للشك فلا احتياج إلى مبرر قضوي موجب للاعتقاد على نمط براجماتية بيرس.

وهو ما يمثل عودة إلى تمييز مشابه لتمييز راسل بين المعرفة بالاطلاع التي لا تحتاج إلى مبرر قضوي والمعرفة بالوصف التي تحتاج إلى مبرر قضوي في إطار نظريته «الاطلاع المباشر» Direct Acquaintance التي صيغت حجة خرافة المُعطى ضدها في المقام الأول [لكن بدون نظرية البيانات الحسية sense-datum]. إن الإطلاع المباشر بسيط وأوليّ لدرجة لا يمكن تعريفه بمفردات الفكر القضوي لأنه مرتبط بانتباه الوعي من منظور الشخص الأولى إلى موضوع معين.

لكن يظل هناك احتمال أن تكون إحدى الاعتقادات الأساسية التي ظننا أنها صحيحة هي في الحقيقة خاطئة لسبب أو لآخر، مثل حالة إدراك أن الدائرة الحمراء أمامي هي وهم ضوئي. ومن ثم حاجج ألستون أن الاعتقادات الأساسية الممكنة منطقيًا [المبررة بشكل أوليّ ومباشر عبر التجربة الحسية، والاستبطان، واستدعاء الذاكرة] ليست معصومة من الخطأ وإنما عرضة للتكذيب والمراجعة على نمط براجماتية بيرس أيضًا[18].

وفي ضوء هذه النسخة الضعيفة من الأسسية، حاجج بونجور بأن ما يعنيه امتلاكنا لاعتقاد واع هو «أن يكون لدينا انتباه واع Awareness لمحتوى ذلك الاعتقاد، وأيضًا لصفة القبول التي تأتي معه Assertory Character، ليس على صورة وعي تأملي من الدرجة الثانية وإنما كجزء بِنْيَوِيّ Constitutive في حالة الاعتقاد المنتمية للدرجة الأولى»[19]. فذلك الحدس يشكل جزءًا من إدراك محتوى الاعتقاد لحظة الانتباه إليه دون الحاجة لتبرير، وكأن محتوى الاعتقاد من الدرجة الأولى أن «هناك دائرة حمراء أمامي» يبرر كونه وصفًا مفاهيميًا للواقع غير المفاهيمي الماثل أمامي، دون أن أفكر على الإطلاق في محتوى الاعتقاد من الدرجة الثانية «أعتقد أني أرى أمامي دائرة حمراء»[20]. فأنت لا تبرر رؤيتك للون معين بشكل قضوي إلا إذا تراءى لك قضية شكوكية حياله، حينها -وفقط حينها- تفكر في صفات الشيء، وفي قوة بصرك، وغيرها من الظروف.

الحقيقة أنه بعد الجهود السابقة هيمن النزوع إلى الأسسية على الأوساط الفلسفية، بوصفها نظرية تقول إن التبرير يعتمد دائمًا وبشكل ضروري على اعتقادات أساسية مصدرها العقل والتجربة بشقيها الخارجي والداخلي، لكن بعد حل مشكلة معصومية تلك الاعتقادات الأساسية باستخدام التخطئة البراجماتية وأيضًا التأكيد على التبرير المتبادل بين الاعتقادات، فظهرت عدة صور مختلفة منها:

  • الصورة متعددة الطبقات الموجودة في نظرية سوزان هاك Susan Haack والمعروفة باسم Foundherentism، والتي يتم تشبيهها عادة بعملية حل الكلمات المتقاطعة. فاللاعب يرى الأدلة بعينيه، ويستعمل عقله وذاكرته لإيجاد الكلمة المطلوبة، (الاطلاع الحسي المباشر والاستبطان العقلي بوصفهما عمليات أسسية)، ثم يتأكد من أن الكلمة المطلوبة تتسق مع بقية الكلمات [الدعم المتبادل بين الاعتقادات] وعدد الحروف المتاح في اللعبة وإلا ستكون خاطئة [الاتساق داخل البناء المعرفي].
  • الصورة الأكثر شيوعًا والمعروفة باسم الأسسية المعتدلة Moderate Foundationalism، فيقول روبرت أودي Robert Audi: «يمكن أن تكون الأسسية معتدلة، ولا-معصومة، وحسية عامة، وواقعية من الناحية النفسية … وعندئذ سنكشف عن كون زوال الأسسية مجرد خرافة … إذا كانت تعتمد محرك لا يتحرك، فلا داعي لفرض كونه غير قابل للحركة؛ بل أنه يمكن أيضًا من أعلى أن نصحح الأسس التي تحمل البنية الفوقية … لا تتمتع جميع الاعتقادات الأساسية بنفس درجة حصانة حقائق المنطق الواضحة بذاتها»[21].

أدرك بونجور أن الدافع وراء صعود الاتساقية هو أيديولوجيا التجريبية الجذرية، فحاجج ضدها في كتابه الثاني «في الدفاع عن العقل المحض» مبينًا أن حججهم تعتمد دومًا على تناقض ذاتي، وهو عين ما وجده في الحجج المؤيدة للاتساقية كما يذكر في اعترافه: «حان الوقت للاعتراف بخطيئتي الإبستيمولوجية … لقد أديت دورًا في تقبل الاتساقية، حيث قدمت بعض الحجج ضد الأسسية وحاولت تقديم بديل متماسك والدفاع عنه؛ هو الاتساقية. لكنني مقتنع الآن بأن رفض الأسسية هو خطأ جسيم، خطأ يأخذ نظرية المعرفة في الاتجاه الخاطئ … يبدو لي أنه حان الوقت للاعتراف بأن محاولات تطوير الاتساقية لن تنجح ولا يمكن أن تنجح … لأنه من الواضح أن مناصري الاتساقية، بما فيهم أنا، قد استسلموا في هذه المرحلة للخطأ الفلسفي الأكثر شيوعًا والأكثر صعوبة في تجنبه: الاستمرار في الاعتماد ضمنيًا وبشكل غير مقصود على أمر ما رغم كونهم يحاججون ضده بالأساس، وفي هذه الحالة ما هو إلا الإدراك التأسيسي [المباشر] للحالات الذهنية الخاصة بالفرد»[22].


[1] تظهر أيضًا عدة احتمالات ثانوية أخرى مثل قبول لا-نهائية الاعتقادات، وهو ما لا يتسع المجال لذكره ونقده.

[2] Keith Lehrer, Knowledge, Clarendon Press, Oxford, 1974, P. 78

[3] Keith Lehrer, Theory of knowledge, Westview Press, Colorado, 2000, p. 68

[4] Davidson, “A Coherence Theory of Truth and Knowledge”, 1986

[5]  نقد مراجعة المنطق، علي رضا، موقع منصة معنى، 2021

البراجماتية والمأزق المعرفي

[6] Keith Lehrer, Knowledge, Clarendon Press, Oxford, 1974, P. 192

[7] Laurence BonJour – Ernest Sosa, Epistemic Justification, Blackwell Publishing, Oxford, 2003, p. 5

[8] Laurence BonJour, Epistemology – Classic Problems and Contemporary Responses, Rowman & Littlefield, 2009, p. 189

[9] Laurence Bonjour, The Structure of Empirical Knowledge, Harvard University Press, Cambridge, 1985, p. 193

[10] Laurence BonJour, Epistemology – Classic Problems and Contemporary Responses, p. 185

[11] Laurence Bonjour, The Structure of Empirical Knowledge, p. 101

[12] Ibid., p. 102

[13] Ibid., p. 102

[14] Ibid., p. 146

[15] Ibid., p. 127

[16] Laurence BonJour – Ernest Sosa, Epistemic Justification, p. 58

[17] Laurence Bonjour, The Structure of Empirical Knowledge, p. 149

[18] البراجماتية والمأزق المعرفي، علي رضا، موقع منصة معنى، 2022

البراجماتية والمأزق المعرفي

[19] Laurence BonJour, Epistemology – Classic Problems and Contemporary Responses, p. 197

[20] Laurence BonJour – Ernest Sosa, Epistemic Justification, p. 72, 73

[21] Robert Audi, The Structure of Justification, Cambridge University Press, 1993, p. 13, 134

[22] Laurence BonJour – Ernest Sosa, Epistemic Justification, p. 8, 9, 56

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى