بقلم: كارولين ميمبس نايس
في فيلم التشويق المستقل بعنوان: 12 Feet Deep، تجد شقيقتان نفسيْهِما عالِقتين في بِركة سباحة تحت غطاء من الألياف الزجاجية الثقيلة، فهما تصرخان وتُحاولان كسر الزجاج والتفاوض مع عامل النظافة الذي يسرق أغراضهما بدلًا من تحريرهما.
تعلَّمتُ هذه التفاصيل كلّها عبر تطبيق تيك توك؛ حيث شاهدتُ -على مرّ أشهر- مقاطعَ من هذا الفيلم العشوائيّ ذي الميزانية الصغيرة وهي تنتشر في أنحاء المنصة جميعها، بعد سِت سنوات من إصدار الفيلم الذي لم يتلقَّ اهتمامًا كبيرًا (لا يوجد مراجعة للفيلم من ناقدٍ محترف على الموقع الإلكتروني Rotten Tomatoes)، لكن، يجد فيلم 12 Feet Deep مشاهديه الجدد عبر تلك المقاطع. تلقّى مقطع مدته دقيقتان نُشر على التيك توك في يناير أكثر من 90 مليون مشاهدة، ولكي تتخيل عظَمة هذا الرقم -رغم أنّه ليس مقارنة عادلة-، شاهد ما يُقارب 95 مليون شخصٍ مطاردة أو. جاي. سمبسون على الهواء مباشرة عام 1994م.
لا تُعدُّ هذه بالتّأكيد الطريقة الصحيحة لمشاهدة الأفلام، لكن بسبب تحرير حسابات “مقاطع الأفلام” لأفلامٍ مثل 12 Feet Deep، بصيغة قصصٍ متعددة الأجزاء يستطيع أيّ أحد مشاهدتها على هاتفه؛ تُقدّم تلك الحسابات لِمُستخدِمي تيك توك فرصة قضاء ساعات طويلة ومشاهدة مقاطع الأفلام المتتالية، هذه الظاهرة تُذكِّرنا بكيف يمكن لمنصاتنا -عن قصد أو عن غير قصد- أن تُملِيَ علينا عادات استهلاكنا لوسائل الإعلام، وكيف يُمكن للقيود التي تفرضها علينا أن تُولّد ثقافات جديدة غريبة بالكامل عبر الإنترنت.
تحدث العملية على النحو الآتي: يُقسّم حساب ما الفيلم أو البرنامج التلفزيوني إلى أجزاء أصغر ويرقّمها، ويتلقّى بعضنا من تلك المقاطع الدعم من النظام الخوارزمي، ثمّ يبدأ مستخدم تيك توك يتصفح التطبيق بمشاهدة الجزء 8 من ذلك الفيلم الذي صدر منذ 6 سنوات، فيُشاهد المقطع الذي مدته دقيقتان، ويريد المزيد، فيبدأ بالبحث عن الجزء الـ 9، الذي عادة ما تجد رابطًا له في التعليقات.
بدلًا من تصفّح القنوات، هؤلاء الأشخاص يتصفّحون التعليقات؛ يستخدمون قسم التعليقات ليجدوا المقطع الآتي، والمقطع الذي يليه، ثمّ المقطع الذي يلي ذلك، وقد يجد الأشخاص الذين يمضون الكثير من الوقت باستخدام التيك توك أنفسهم يُشاهدون أجزاء كاملة من أفلام أو برامج تلفزيونية بهذه الطريقة، وكأنّهم “هانسل وغريتل” وهم يتبعون دربًا رقميًا من فتات الخبز، معظم هذه الأفلام والبرامج التلفزيونية قديمة، وبعض منها يستغل الشعور بالحنين إلى الماضي بشكلٍ واضح، بينما يبدو بعض آخر منها عشوائيًا.
لا تُعدُّ مشاهدة الأفلام بهذه الطريقة وسيلة فعَّالة لاستهلاك وسائل الإعلام، لماذا لا يُشاهدون الأفلام على تطبيق نيتفلكس بدلًا من مشاهدتها من خلال 10 مقاطع فيديو منفصلة؟ ومع ذلك، يُفضّل العديد من الأشخاص الطريقة الأصعب؛ إذ ليس من الغريب رؤية حسابات لنشر مقاطع الأفلام لديها ما يقارب المليون مُتابعٍ، ومقاطع أفلام منفردة تصل مشاهداتها الملايين والمعجبين بها مئات الآلاف، يتم تغيير المقاطع وإضافة أشياء لها بطريقةٍ غربية؛ إذ ضُمّنتْ بعض المقاطع بأغانٍ لا تتعلَّق بأحداث المقطع؛ فقد أضيفت لخلق الأجواء (أو بالأحرى لتتلقّى الدعم من النظام الخوارزمي عبر ربطه بمقطعٍ صوتيّ شهير).
يُدرج بعض آخر تسميات توضيحية تُشبه طريقة تحدُّث الذكاء الاصطناعي (“تُواجه علاقة جورجي وماندي الرومانسية احتمال الانفصال بسبب الكذب بشأن السِّن” لمقطع يدّعي بأنّه من برنامج Young Sheldon)، حتى إنّ بعض هذه المقاطع تتميّز بوجود راوٍ آليّ يصف ما يحدث على الشاشة.
جزء كبير من ثقافة تصفّح التعليقات مَبنيّ على الاحتيال من أجل التفاعل -إعادة نشر المقاطع للحصول على الإعجابات والتعليقات والمشاهدات والمتابعين- ويخمّن حساب سينما جو (اسمه الحقيقي: جو أراغون) أنّ ما يُقارب نصف الحسابات التي يراها تنشر هذه المقاطع موجودة لجذب المشاهدات والمتابعين والانتباه لاستغلال المحتوى، بعبارةٍ أخرى؛ لزيادة أرقام مشاهداتهم ومتابعيهم.
تقول “كريستال آبدين” أستاذة في جامعة كيرتن ومؤسِّسة شبكة أبحاث ثقافات التيك توك، التي تربط الباحثين الذين يجرون أبحاثًا نوعية حول المنصة؛ إنّ هذا التصرف له سوابق؛ إذ سبق وأن نفّذتْ حسابات اليوتيوب وحسابات نشر مقاطع الأفلام أو برامج التلفزيون هذه العملية: عادةً ما تُدار الحسابات من قِبل معجبين يُنسِّقون مُحتوًى مُستمدًّا من برامجهم المفضَّلة (على سبيل المثال: برنامج Grey’s Anatomy) ليشاهده الهُواة الآخرون، وبعد وصولهم لعددٍ معين من المشتركين على قناتهم، قد يبدأون بقبول صفقات الإعلانات، لكنّ كريستال تميّزَ بين حسابات تنسيق المحتوى الفعلية؛ حيث يصنع المستخدمون مقاطعَ من الأفلام بِوصفه جزءًا من تقاليد المعجبين أو المجتمع الراسخة، والحسابات المزيفة. فعلى تطبيق تيك توك، لاحظت كريستال بعض الحسابات التي تنشر فقط “الجزء الـ 15″، من فيلمٍ ما لخداع المستخدمين؛ للبحث عن الجزء الـ 16 الذي لا وجود له؛ ما يزيد من تفاعل الأشخاص مع حسابهم.
يستخدمون حيلة أخرى؛ حيث يتم وضع مقاطع من المسلسل التلفزيوني الكوميدي Family Guy بجانب -على سبيل المثال- مقطع فيديو لشخص ما يعمل بحِرف عشوائية؛ حيث يتشتّت انتباهك بين الاثنين، يُعرف هذا باسم تقنية (sludge content)، وهي مُصمَّمة بشكلٍ أساسيّ للحفاظ على انتباهك لفترةٍ أطول للمُساعدة في تعزيز أداء الفيديو وتفاعل الأشخاص معه.
قبل عَصر تصفّح التعليقات، كان الجميع يتصفّح القنوات التلفزيونية. خلال حقبة بثّ القنوات التلفزيونية، تصفّح الأشخاص عبر القنوات بلا هدف، وعادةً ما يبدؤون بمشاهدة البرامج أو الأفلام في منتصفها لعدم قُدرتهم على التحكم في وقت بثّها. في عَصر وسائل التواصل الاجتماعي، كل “قناة” تعرض مقاطع تمّ تحسينها من قبل النظام الخوارزمي؛ لِتجذب انتباهك وتجعلك تستمرّ في مشاهدة الفيديوهات، النتيجة هي فيض من لحظاتٍ آسرة -من الأفلام والأخبار والحياة اليومية- تُحاول كل واحدة منها جذب انتباهك. شرحت كريستال لي: “إنّها في الواقع ليست مشكلة بسبب التيك توك، أو بسبب الجيل الجديد، إنّها الطريقة الجديدة التي نحتاج أن نستخدمها لجذب اهتمام الأشخاص؛ بسبب عَيشهم في بيئةٍ مُشبعة بالمواد الإعلامية”.
“كارل مارسي” طبيب نفسي، وباحث في علم أعصاب المستهلك، ومؤلف كتاب: “حماية دماغك في العصر الرقمي” (Rewired: Protecting Your Brain in the Digital Age)، لم يتفاجأ لسماع أنّ الناس يُشاهدون الأفلام بهذه الطريقة؛ نظرًا لأنّ الجميع يستهلك الوسائط بكمياتٍ أقصر هذه الأيام، أخبرني بأنّ “عالَم تيك توك يدور حول التسلية، كيف نخطف أنظارك؟” تُكتب القصص -الأفلام والروايات والبرامج التلفزيونية والمقالات المنشورة في المجلات- باستخدام منحنيات سردية مُصمَّمة لإيصال القصة لذروتها الدرامية، ثمّ إنهاء القصة بخاتمةٍ تُلخّص النتائج والتطورات التي شهدتها الحكاية، وتعمل مقاطع الأفلام المنشورة على التيك توك على تعطيل المنحنيات السردية هذه.
لكن، ربما يُظهر وجود حسابات تصفح التعليقات ببساطةٍ أنّنا نسأم من حدود رواية القصص التي تفرضها علينا المنصات (يفرضُ تيك توك حدودًا من جانبه أيضًا؛ حيث تبلغ مدة مقاطع الفيديو 10 دقائق أو أقل). وكما يقول “جوجو غرين” الذي يحظى حساب أفلامه Straw Hat Goofy بأكثر من 3 ملايين متابع: “إنّه لأمرٌ مضحك؛ لأنّ تيك توك بدأ كونه تطبيقًا يدور حول جذب انتباه واهتمام الشباب سريعي التشتت، لكن انتهى بهم الأمر وهُم ينشرون فيلمًا كاملًا على المنصة، ما يجعل الشباب يجلسون على الهاتف لمدة ساعة ونصف… أو أكثر”.
اتّصلتُ بمُخرج فيلم 12 Feet Deep “مات إسكندري”؛ لأرى كيف يشعر حيال إعادة توظيف فيلمه بهذه الطريقة، وعلى الرغم من سؤاله لبعض الأسئلة حول تحقيق الحسابات للأرباح عبر الفيلم (فهو يفترض أنّ هذه الحسابات تُحقّق أرباحًا عن طريق نَشر فيلمه)، فإنّه لم ينزعج من الظاهرة، بل كان سعيدًا لأنّ وسائل التواصل الاجتماعي تُشاهد وتتكلّم عن فيلمه بعد فترة طويلة من إصداره لأوّل مرة، وقال لي مات بِصفته “صانع أفلام ومُخرجًا”؛ هذا هو كل ما تسعى للوصول إليه، أليس كذلك؟ إذا كان الناس ما زالوا ينشرون مقاطعَ من الفيلم بعد 10 سنوات من الآن، فهذا أمرٌ رائع… يُسعدني ذلك كثيرًا”.
اعترفتُ لمات أنّه بالرغم من مشاهدتي لبعض مقاطعه عبر تيك توك خلال الأشهر الماضية، فإنّني لم أُشاهدْ فيلم 12 Feet Deep بأكمله بعد، أخبرتُه أنّي أخطط لمشاهدة الفيلم عبر خدمة أمازون لمشاهدة الأفلام في وقتٍ لاحق من ذلك اليوم، وقد فعلتُ ذلك بالفعل. بعد مشاهدتي للفيلم، شعرتُ بالراحة؛ فقد كنتُ سعيدًا لمعرفتي نهاية الفيلم، وراضيًا عن نفسي؛ لقدرتي على إيلاء اهتمامي لشيء مدته أطول من المعتاد، كونه نوعًا من الاحتجاج الصغير على الاقتصاد القائم على تشتت الانتباه الحديث… وإذا أردتَ أن تعرِف ما حَلَّ بالشّقيقَتيْن؛ فهما تحرّرتَا في نهاية الفيلم.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة ذا أتلانتيك).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




