ترجمة: إبراهيم الكلثم
ضع نفسك في موضع هؤلاء الأشخاص: تعمل لساعات طويلة في بيئة عمل شاقة للغاية، تجتهد في عملك لدرجة تنسى فيها إعادة شحن طاقتك أو الوصول للمصادر اللازمة للتعامل مع الضغط الشديد الذي تواجهه. تمر الأسابيع، وتبدأ بملاحظة تغير في تفكيرك! فمثلًا، قد تقتنع بأن الأشياء النافعة مثل الكاميرات الموضوعة على الطرق السريعة والتي وجدت لهدفٍ محدد بأنها تتجسس عليك. وستغدو الأصوات محسوسة في غياب أي مصدر، وستشعر ألا أحد سيحبك مرةً أخرى، ولأشهر، ستغرق روحك لما قد يبدو لك جحيمًا داخليًا، إلى أن تصل لنقطة الانهيار والتماس المساعدة.
حينذاك، وبطريقة معينة، تبدأ بالتشافي، وخلال هذه المرحلة، تبدأ بالتفكر فيما حدث، ما هو الخطأ، وماذا تريد لحياتك أن تغدو عليه مستقبلًا. عندها ستقضي وقتًا أطول في الأمور التي تعني لك بدلًا من إمضاء جل وقتك في العمل، وستبدأ بالتأمل بتركيبة الشخص الذي ترغب أن تكون عليه، وما هي القيمة التي توليها لعلاقاتك، والدور الاجتماعي الذي تتمنى تقمصه ليكون أكثر موائمة وصحة لما تؤمن بأهميته. لقد عانيت، ولا زلت تناضل مع ما يحدث لك، لكن بإمكانك رؤية ضوء الأمل في تجاربك القاتمة.
في دراسة شارك أحدنا في إنشائها، وصفَ شخص عانى من نوبة الذهان لأول مرة تغيرًا متشابهًا في المنظور:
أؤمن بأن هويتي وشخصيتي الآن، تُظهر إنسانًا أكثر وثوقًا، وقوةً، وتقديرًا لجميع الأمور التي تجعل الحياة ممكنة أكثر من أي وقت مضى. ويرجع السبب حاليًا لمعرفتي بالبدائل، التي تولد بداخلي شكوك مستمرة وتساؤلات حول أحقيتي في العيش بناءً على الاكتئاب الذي أصابني، ومعناه: إذا لم أرغب بالتواجد هنا، لن أكون هنا! إذن لا بد من خوض جميع تجاربي بتلك العقلية.
تندرج هذه التغيرات تحت مفهوم نمو ما بعد الصدمة، والتي تُعرف بالتغيرات النفسية الإيجابية الحقيقية والمتبوعة في بعض الأحيان لحدث سيئ، أو كارثة، أو صدمة. تقدم تلك التغيرات طرائق أساسية للوجود والاتصال بعالم المرء، بدلًا من الرجوع لما كان عليه قبل وقوعه في المحن. وتتضمن تعزيزًا أقوى للإحساس بالذات، وتحسين العلاقات مع غيرك، وخلق مسار حياة جديد، وزرع المزيد من التقدير للحياة، أو للنمو الروحي أو الوجودي. لُوحظت دلائل على نمو ما بعد الصدمة من خلال العديد من المحن، بما في ذلك: المرض الجسدي (كالسرطان)، والكوارث الطبيعية، لكن لا يزال هذا المفهوم غير مكتشف بصورة تقليدية في بحوث مرض الذهان.
مؤخرًا تغير ذلك الوضع مع تراكم الأدلة المشيرة إلى أن الأشخاص قد يزدهرون بعد إصابتهم بالذهان، ويشمل ذلك من عانى من نوبة الذهان لأول مرة، ومن عانى من عدة نوبات. يعزم الباحثون في مجال نمو ما بعد الصدمة على تقييم وقوع النمو من خلال الاستبيانات، مثل: Post-traumatic Growth Inventory (والتي تركز على موافقة الفرد لعدة عبارات، مثل: ‘أنشأت مسارًا جديدًا لحياتي ولدي تعاطف كبير تجاه غيري’). إلى الآن، فقط دراسة واحدة (الورقة البحثية المذكورة آنفا التي أسهم فيها واحدٌ منا) قد فحصت القواسم المشتركة لنمو ما بعد الصدمة خلال الأشخاص الذين عانوا من نوبة الذهان لأول مرة. مع ذلك، غالبية المشاركين ذكروا خوضهم لدرجة نمو معينة لما بعد الصدمة. تضمنت دراسة أخرى مقابلات مع مجموعة صغيرة من الأشخاص، بما في ذلك إقامة مقابلات لاحقة لمن أُجريت لهم مقابلة سابقة بعد قرابة السنة من وقوعها، والتي تشير بأن تجربة النمو بعد نوبات الذهان قد تستمر مع مرور الوقت.
رسمت الدراسات أيضًا صورة أفضل لكيف يبدو نمو ما بعد صدمة الذهان، فقد يتخلل بعضهم قبولًا لذاتهم أكثر من السابق، وقد يصدقون ويتزنون ويثقون بصورة أكبر حول اتخاذ القرارات المتزامنة مع قيمهم وطموحاتهم. وبعضهم الآخر قد ينمي روابط الألفة والمحبة الصادقة والمنفتحة مع الأصدقاء والعائلة. كما هو الحال مع أحد المشاركين الذي قال:
اعتدت أن أغضب من أمي كثيرًا (قبل الإصابة بالذهان)… واعتدت على مخاطبتها بأسلوب فظ، لكن ليس بعد الآن!
وعلى النقيض من ذلك، قد يقرر بعض الناس إنهاء علاقاتهم مع من يفترضون أن وجودهم يشكل ضررًا عليهم. تشير الأبحاث إلى اتجاهات لحياة جديدة بعد الذهان، والتي تتضمن مواصلة التعليم أو فرص العمل المتوائمة بشكل أفضل مع رغبات الفرد وقيمه، واكتشاف هوايات جديدة، أو الانضمام لممارسة فنية، أو ممارسة الرواية القصصية.
قال أحد المشاركين:
من اللحظة الأولى التي ذهبت بها إلى المستشفى، اعترتني الرغبة لأروي قصتي وأنشرها، وأبحث عن سبل مختلفة لفعل ذلك، وطرائق عديدة لأعبر عن ذاتي.
أظهر بعضهم شعورًا يعتريهم، كزيادة تقديرهم للحياة، والامتنان للبقاء أحياء، والقدرة على الخروج من دوامة الذهان، فضلًا عن الشعور بالتفاؤل حول المستقبل. أخيرًا، من المحتمل أن يكون هنالك أشكال للنمو الروحي والوجودي بعد الإصابة بالذهان، مثلًا: الشعور بالتقرب لله، وأداء الصلوات، أو التغيير من ديانة أو ممارسات روحانية معينة لأخرى.
بعض المرضى الذين عانوا من الذهان وجدوا قيمة في تجربتهم التي خاضوها عن طريق أداء أدوار جديدة ذات مغزى. على سبيل المثال، دور خبرة من خبير، وتعني: استعمال شخص تجربته التي خاضها في المرض النفسي أو في الإعاقة للمساعدة في تدريب المتخصصين في الصحة النفسية على تشكيل بحوث، أو التأثير على السياسات. ويستطيع الأشخاص الاعتماد على تجاربهم مع معاناة الذهان لمساعدة الآخرين على التعافي بوصفه نوعًا من عمل الأقران أو الدعم المتبادل، أو بإمكانهم استعمال العبرة المستمدة من معاناتهم لمساعدة مجتمعاتهم.
سيتمكن مريض الذهان من تشكيل معنى مختلف عن طريق اتخاذ أدوار مماثلة لما ذُكِر، وربما يعود على خلق تغيرات إيجابية إضافية تشعره بقيمته. وكما قالت مستشارة مستخدم الخدمات أليسون براينت والتي أدت دور “خبرة من خبير”، في مراجعة أجريت معها من أحدنا:
ذات مرة امتلكت فقط بذرة صغيرة من الأمل، والآن، هذه البذرة ازدهرت، وبازدهارها نما معنى جديد لهويتي، ولاتجاهاتي، وغايتي.
ليس كل من عانى من شدة المحن يذكر نمو ما بعد الصدمة، إذًا ما الذي يزيد من ارتفاع احتمالية ملاحظة الشخص المصاب بالذهان لهذا النمو الإيجابي؟ لقد بدأ يتشكل لدينا مفهوم أفضل عن هذه النقطة أيضًا.
جرى استخلاص ميسرات ممكنة لنمو ما بعد الصدمة من بعض المقابلات التي أجريت مع من عانوا من الذهان، ومن بينها:
- الموارد الشخصية، كإيجاد طرائق للتأقلم مع التوتر، أو المحاولة الفعالة لتشكيل تجربة الفرد في الذهان كتجربة إيجابية.
- الموارد الاجتماعية، كامتلاك شخص محبب يمكنك الاعتماد عليه لدعم فعال وعاطفي.
- خدمات الصحة النفسية التي توفر رعاية إعادة التأهيل، بحيث يعامل المرضى هناك بصورة إنسانية، ومحترمة، وكريمة.
- الانتماء للمجتمعات التي تتشارك تجارب مرض الذهان (مثل: مجموعات دعم الأقران)، أو التي تنشأ بناءً على هويات الناس وشغفهم (كالمنظمات القائمة على الفنون).
- مصادر روحانية، مثل الصلاة وحضور المؤسسات الدينية.
على الرغم من أن بعض هذه المصادر قد تكون حاضرة قبل الإصابة بالذهان ويمكن الوصول لها قبل وبعد الإصابة (مثل دعم الأحبة)، إلا أن هنالك بعض المصادر التي يحتمل اكتسابها خلال مرحلة التعافي (مثل الانضمام لمجتمعات الأقران).
يوجد عوائق محتملة لتجربة النمو بعد الإصابة بالذهان، فعلى الرغم من وجود شح في البحوث المباشرة لاستكشافها، أظهر أحد البحوث أن احتمالية ملاحظة الأخصائيين لنمو ما بعد الصدمة فيمن عانى الذهان أقل من ملاحظة المرضى لذلك النمو بأنفسهم. وهذا يشير لأن بعض الأخصائيين لا يؤمنون بحدوث نمو ما بعد الصدمة لمن يتلقى العناية اللازمة، فالأخصائي الذي يستعمل نموذج الطب الحيوي التفسيري خصوصًا، قد ينظر لتجربة نمو المرضى لما بعد الصدمة على أنها أعراض للمرض من دون إعطائه معنىً محتملًا، وقد يفترض افتقار المريض للرؤية الثاقبة لحالته المرضية، ورفضه ادعاءات نمو ما بعد الصدمة حتى بعد تعافيه من النوبات.
يصر بعض الذين عانوا من الذهان بأن تلك التجارب تؤدي لتشافيهم، وقد تحفزهم على تعزيز أولوياتهم، وأنظمة حياتهم، وثقتهم بذاتهم، وتعافيهم من أمراضهم. استمر بعضهم في إدراك جوانب من التغيرات التي تطرأ عليهم خلال مرض الذهان، وإعطاء تلك الجوانب أهمية عالية، والتأكيد على أن حالة التغير بعينها تعينهم على إطلاق العنان لأفكارهم ومعتقداتهم، وتعزيز شعور الأواصر والترابط. امتلاك تجربة خاصة واقتصارها على أنها فئة مرضية، وكونها مجردة بلا معنى قد يقود لتجربة مؤلمة، ومُعوِّقة للنمو والفعالية.
تخيل أنك خلال فترة تشافيك، طلبت بتقليل أدويتك تدريجيًا، لكن الأخصائي يذكرك بمرضك الجاد والمزمن، وعدم إكمال العلاج سيفاقم المرض مع مرور الوقت. إنهم يتجاهلون تأكيداتك بأنك تعلمت تقديم أولوية لتعافيك أكثر مما كنت عليه قبل إصابتك بالذهان، وأنك تشعر في أعماقك بالهدف الذي تصبو لتحقيقه، وبالامتنان لارتباط الآخرين في حياتك. لكنك تتلقى الرسائل التي تؤمن بأن تفكيرك بالنمو الإيجابي بعد معاناة الذهان أمر مستحيل، وتُعامل كراوي غير موثوق برواية تجربته، سواءً ظهرت عليك أعراض الانتكاس أم لم تظهر! فيزداد قلقك وتشعر بعدم قدرتك على الثقة بذاتك، وتشكك بالنمو وعلاماته الإيجابية التي تظهر عليك، وذلك يقودك لتقليص أهدافك وتطلعاتك للمستقبل.
لنتخيل الآن نسخة مختلفة من هذه القصة، قيل لك بأن نوع الذهان الذي أصبت به يظهر ردود فعل معقولة للصدمات التي مررت بها، والقلق الشديد، أو الظروف الاجتماعية-وهو منهج مُتبنى من مناهج مختلفة مثل الحوار المفتوح وحركة سماع الأصوات- وهذا يتماشى مع الأدلة المشيرة بأن تجارب الحياة المجهدة قد تساعد في توضيح لماذا بعض البشر في خطر محدق للإصابة بالذهان. أتيح لك مناقشة واكتشاف محتوى مرض الذهان الذي لديك، وكيفية أن شعور المراقبة من غيرك التي تعتريك، وكونك غير محبوب من الآخرين، جعلك تبصر للعداوة في محيط عملك، ولتوقعات غير المنطقية في عائلتك. وذلك يسلط الضوء على الأمور التي يجب مناقشتها من خلال جلسة المعالجة، لأنك لا ترغب في الخوض في أزمة أخرى، فتقرر خلق نمط حياة مختلف ووضع حدود صحية. بعد ذلك سيقر الإخصائي بالتغيرات الإيجابية في حياتك والمكاسب التي تحققت بصعوبة، وتبدأ في استرداد ثقتك بنفسك والإحساس بالواقع، وتعلم أن في حال حدوث نوبة أخرى، ستكون مدعومًا بصورة أفضل، وأن التعافي والنمو أمرٌ محتملٌ.
الروايات بأن المرضى يستوعبون المحن التي يخوضونها -وخصوصًا التجارب المتشابكة مع الهوية كالذهان- قد تضخم المفاهيم الكئيبة المحدودة والتوقعات المزمنة، أو تعزز فرص النمو؛ فنمو ما بعد الصدمة لا يحدث للجميع، ولا يجب أن يعامل كمتطلب، لأنه في تلك الحالة سيزيد العبء على المريض خلال فترة التعافي. لكن من خلال إدراك احتمالية النماء بعد الإصابة بالذهان- كما هو الحال بعد الإصابة بالأمراض الأخرى- يمكننا من دعم هؤلاء الأشخاص بطرائق تعزز التنمية الذاتية الإيجابية وتصادق تجاربهم.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة سايكي).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




