مقالات

الصُّورَة بنْتُ زَمَانِهَا: الفُوتُوغْرَافيا، والسِّينِمَا، والعَالَـم الافْترَاضِي

الجزء الرابع من سلسلة «مفهوم الصورة»

(4)

«الصورة بنتُ زمانها». يمكن أخذ هذا العُنوان إشارة فلسفية حول أوديسَّا الصورة في التاريخ البشري. لأن بالفعل، لم تكن الصورة سوى «على صورة» عصرها، في الفن المقدَّس الذي شهد هيمنة الأيقونة الدينية، ثم في الفن الحديث الذي تراءت فيه اللوحة الزيتية بدخول الفن مرحلة المتعة الجمالية وظهور علم الجمال. كيف ستتلوَّن الصورة في العصر الراهن؟ يمكن الانطلاق من بعض المعطيات التي جعلت الصورة تتلوَّن بالعصر وعلى رأسها «التقنية» التي بدأت أوَّلية منذ عصر التصنيع في القرن التاسع عشر وأتاحت ظهور «الفوتوغرافيا» أو «الصورة الثابتة»، إلى غاية تحسُّنها الآلي والبرمجي فأتاحت ظهور السِّينما أو «الصورة المتحركة»، وإلى غاية انهيار الفاصل بين الواقع والخيال الذي جعلته ما بعد الحداثة ممكنًا، فهيَّأت ظهور العالم الافتراضي والإنترنت أو «الصورة الاعتبارية». وصلت الصورة إلى اكتمالها التقني والميتافزيقي أيضًا، بأن طغت على الأزمنة المعاصرة تحت العنوان المثير: «حضارة الصورة».

كانت الصورة الدينية بإيعازٍ من المقدَّس وبأدوات وأصباغ مذهَّبة، ثم صارت الصورة الفنيَّة بإلهامٍ من الحكم الجمالي وبأساليب شرحها ليوناردو دافنتشي في «فن الرَّسم»، ثم أخيرًا أضحت الصورة المعاصرة بدافعٍ من العلم والتقنية وولجت في البُعد الاعتباري الذي يضمُّ التكنولوجيات الحديثة مثل الإنترنت والفوتوشوب والصورة الطيفية (هولوغرام)، والميتافيرس. الصورة المعاصرة هي «بلقيس» وقتها، تقول بلسان الحال «كأنَّه هُو»، وليس العالم الافتراضي والتقنيات المُعدِّلة سوى هذا العالم الذي نقول فيه «كأنَّه هُو»؛ فنأخذ الواقع على أنه خيال، والخيال على أنه واقع. عاد التحذير الأفلاطوني من مفاتن الصورة وأشكال تمويهها ليشغل العصر.

  1. «الحُجْرَة المظْلمَة»: الصُّورَة الثَّابتَة أو مَوْلِد الفُوتُوغْرَافْيا

عرفت النهضة الأوروبية تقنية «الحُجرة المظلمة» (camera obscura) هي أداة بصرية تتيح انعكاس النور على مسطَّحٍ ما، والحصول على فضاءٍ ذي بعدين. كانت في الأصل مفيدة لدى الرسَّامين للحصول على منظور ملائم للشيء المرسوم، لكن تعود بداياتها الأولى مع علم البصريات الذي أسهم فيه الحسن بن الهيثم (965-1039م)، وأشار إليها روجر بيكون (1220-1292م) في الإرهاصات الأولى لبروز مفهوم التجربة بالمعنى العلمي للكلمة (Gernsheim, 1969, p.13)، وإلى غاية الاستعمالات التقنية والفنيَّة مع دافنتشي (1452-1519م). الغرض من تلك الحجرة هو تقليص الفتحة التي يمرُّ منها النور للحصول على صورةٍ ناصعة يمكن تثبيتها في مسطَّحٍ مثل الورق واقتناء صورة فوتوغرافية. كانت الحجرة المظلمة تُمثِّل الآلة الفوتوغرافية آنذاك، مثلما كان الكمبيوتر قبل عقود يأخذ مساحة غرفة كاملة ليتقلَّص حجمه بفضل التكنولوجيات الحديثة ويصير محمولًا أو في صيغة هاتف ذكي ونقَّال. كانت الحجرة المظلمة معروفة بفضل علم البصريات وتطبيقاتها على الملاحظات الفلكية، لكن كان ظهور الفوتوغرافيا ممكنًا بفضل الصعود الكاسح والسريع للتقنية في القرن التاسع عشر، بالجمع بين فكرة الحجرة المظلمة والتقنيات الفيزيائية والكيميائية في تثبيت الصورة على الورق أو اللوحات الخشبية، مثل استعمال اليود من طرف الفرنسي لوي داغير (1787-1951م)، أو تقنية الصور الموجبة انطلاقًا من ورقة سالبة (calotype/talbotype)، من طرف البريطاني ويليم تالبوت (1800-1877م).

بقدر ما استفادت الفوتوغرافيا وقت ظهورها من التقنية الصاعدة آنذاك، أسهمت كذلك في تحسين الإجراءات التقنية والملاحظات العلمية، مثل تصوير الكسوف والخسوف والأجرام الفلكية على الورق، وكذلك استعمالات الفوتوغرافيا في الحفريات والأحداث التاريخية والإجراءات القضائية. في القرن التاسع عشر الذي شهد صعود التقنية وظهور الفلسفة الوضعية أو الإيجابية لأوغست كونت (1798-1857م)، كانت الفوتوغرافيا بنت هذه التحوُّلات التي شهدها القرن، لأن بقدر ما شدَّدت الفلسفة الوضعية على البُعد العلمي في دراسة الظواهر الطبيعية والوقائع التاريخية، كانت الفوتوغرافيا وفيَّةً لهذه الروح الوضعية، من حيث كونها تعكس الواقع كما هو، دون تحريف أو زيادة أو نقصان، على العكس من التحوُّلات الافتراضية اللاحقة التي تداخل فيها الواقع والخيال وأصبحت تقنية «الفوتوشوب» تحريفًا للواقع وتمويه للحقائق كما سنتوقف عند ذلك في محلّه. كانت الفوتوغرافيا إذن «الشاهد» الموثوق فيه إبَّان الحروب أو الأحداث، لأن الصورة تعكس الأمور كما جرت بأن تُثبِّت حركتها على الورق في لحظةٍ ما، ويكون هذا التثبيت دليلًا على وضعية الأشياء والأشخاص في تلك اللحظة. هكذا كانت تتصرَّف مثلًا التحقيقات القضائية باللجوء إلى الفوتوغرافيا في أمكنة الجريمة وتصوير كل ركن أو زاوية أو شيء مهما كان ضئيلًا أو تافهًا، لأنها تمثِّل كلها دلائل أو قرائن تنبني عليها تدريجيًا الحقيقة القضائية.

على الخلاف الرسم الذي كانت له أساليب في التعبير عن الواقع لتفنيد فكرة التقليد الأعمى للطبيعة، وذلك باللجوء إلى أساليبٍ باروكية أو رومانسية أو انطباعية أو تكعيبية أو سريالية تُعبِّر عن الصورة (الوفيَّة أو المعدَّلة) التي يريد تثبيتها في الرسم، فإن الفوتوغرافيا لم تكن لها أساليب على الموضوع ذاته بتعديله عبر التفخيم أو التقزيم، بزيادة الألوان أو إنقاصها، بتسليط النور أو الإبقاء في الظلمة، بقدر ما كانت أساليب نابعة من المصوِّر ذاته الذي يغتنم الوضعية الملائمة في قنص اللحظة المُثلى التي يُجمِّدها على الورق، مثل لحظة طيران عصفور أو فراشة، توالي الأمواج في البحر، طلوع الشمس أو مغيبها، عبور الغيوم أو ارتفاعها، إلخ. إذا كانت الفوتوغرافيا في خدمة الفن من حيث الوضعيات المناسبة التي تقتنصها والتي يمكنها أن تُلهم الرسَّام، لم تكن في حدِّ ذاتها فنًّا كما يرى البعض وعلى رأسهم لامارتين (Amar, 2020, p. 44). كذلك، عندما تُصوِّر الأعمال الفنيَّة وتُخلِّدها في ألبومات (مثلًا أعمال الرسَّامين شاغال أو فان غوغ)، فهي تنقل الفن بإخلاص كما ينبري بتقنياته وأساليبه، ولا تضيف عليه شيئًا. لكن هل بالفعل الفوتوغرافيا «وفيَّة» للواقع وتنقله بأمانة؟ ألا يجنح المُصوِّر إلى اختيار الوضعيات الملائمة لينقر على زر الآلة الفوتوغرافية بإبراز ما يهمُّه وحجب ما لا يخدمه؟ إمكانية أن تكون الفوتوغرافيا «خيانة» للواقع عندما تترجمه في صورة هي حصيلة سجال وقع داخل المعقولية الفوتوغرافية بين «روَّاد التشويش» (floutistes)، و«دُعاة الصفاء» (nettistes)، أيّ بين من يستعملون تقنيات في جعل الصورة غامضة أو مشوَّشة، ومن يريدون أن تبقى الصورة صافية وخالصة من كل تلاعب.

دفع هذا الأمر هنري روبنسن إلى القول: «كلُّ شَيْء مُبَاح في الفُوتُوغْرَافيا، بما في ذلك خفَّة اليد، والتَّزْييف والتَّلَاعُب» (Amar, 2020, p. 46). يُشبه النقاش الذي ميَّز الفوتوغرافيا السجال الذي طغى في الرسم كما رأينا ذلك في المقال السابق، وهو الصراع بين أنصار الشكل الذين يريدون تطهيره من الزوائد (الألوان) التي يمكن أن تميل إلى التعديل أو التزييف، وأنصار اللون الذين يرون في الشكل عبارة عن إفقار لروح الرسم. إذْ لم يكن الصراع نفسه من حيث المضامين الأيقونية (بين عُشاق الصورة والمناهضين لها)، إلا أنه نفسه من حيث الاستعمالات التقنية، وهي إمكانية التمويه، وهذا شأن التشويش الذي يُضيف على الصورة الفوتوغرافية الضباب أو الخطوط ليحجب نصاعتها الواقعية ويُبرز جماليتها المضافة. لكن، على العموم، الفوتوغرافيا هي في جوهرها «فِعْل عَدَم التَّدَخُّل» (Wells, 2015, p.57)؛ فهي تقنية محايدة في التعبير عن الواقع، تعكسه ولا تفسِّره. فهي تترك للمشاهد عناية بلوغ المعنى الذي ينبري من الصور الفوتوغرافية. كان هذا شأن الرحلات الجغرافية والدراسات الإثنوغرافية التي تستعين بالصورة الفوتوغرافية في تحديد طبيعة الاجتماع البشري: مثلًا، استعمال كلود ليفي ستروس للفوتوغرافيا في أبحاثه الميدانية الخاصة بالمجتمعات البدائية.

يصبح الفوتوغرافي هنا «الشَّاهد» على حالة العالم في اللحظة التي يدرسها ويُعالجها علميًا. لا ينحصر الإجراء على المجتمعات المسمَّاة «بدائية» كما درسها الأنثروبولوجيون من كل المرجعيات المنهجية والعلمية، وحتَّى الأيديولوجية، بل يخصُّ كذلك «الحياة اليومية» عمومًا، في ما تكشف عنه من لحظات استثنائية وأشكال مثيرة أو روتينية، بالتركيز على أشياء البشر في أبسط تجليَّاتها اليومية: فرشاة أسنان، باب منزل، دمية طفلة، إلخ. تنكشف هذه الأشياء للوعي بوصفها «ظواهر» تُعبِّر عن جوهر اليومي. الفوتوغرافيا هي «فينومينولوجيا» من نوعٍ خاص، تصف الأشياء كما هي، كما تتجلَّى بذاتها، ولا تضيف إليها زائدة تفسيرية أو تأويلية التي هي من اختصاص المتلقِّي الذي يقرأ الصورة الملتقَطة وفق أحكام أو أذواق أو ميول خاصَّة. الفوتوغرافيا هي أيضًا «سيميولوجيا»، بوصفها نسقًا من العلامات، يتطلَّب القراءة العالمة التي تفك شيفرة ما يُلتقط من صورٍ فذَّة واستثنائية.

قدَّم رولان بارت قراءة وافية لهذه السيميولوجيا التي ترى في الفوتوغرافيا طريقة في إيقاف الزمن في الصورة، لأن ما يُلتقط في لحظةٍ ما لا يتكرَّر بالصيغة عينها مهما كانت اللقطات متشابهة. ينعتها بارت على أنها «الخَاص المطْلَق، المحْتَمَل الأسْمَى» (Barthes, 1980, p. 15)، ميزتها الأساسية الإشارة: «هذا» الشيء المشهود في الصورة، أو «ذاك» الشيء المحاذي له. هذه الإشارية (deictic) في التدليل على الشيء كما هو، هي التي تُميِّز طبيعة الفوتوغرافيا. غير أن واقعية هذه الأخيرة مفتوحة كذلك على خيالية ما تشير إليه جامدًا في الصورة؛ ذلك الشخص الذي التقطت صورته حيًّا في لحظةٍ ما، لكنه «الآن» في عداد الموتى. بمضامينها في الحياة اليومية أو الأحداث التاريخية والسياسية؛ فهي نافذة على الماضي وعلى الذاكرة.

آخر صورة فوتوغرافية لسفينة «تَايْتَانيك» في رحلتها الأولى والأخيرة، قبل غرقها بتاريخ 11 أبريل 1912
آخر صورة فوتوغرافية لسفينة «تَايْتَانيك» في رحلتها الأولى والأخيرة، قبل غرقها بتاريخ 11 أبريل 1912

هذه الصورة «البَيْنيَّة»، الحاملة لنقائض الحياة «في اللحظة»، والموت «بعد ذلك»، يدعوها رولان بارت «الشبح» (spectrum)، صورة أيدولية، من «الأيدولة»، وهي ما تجمَّد مثل الصَّنم ولم يعد يحيل إلى شيء آخر سوى إلى جموده بالذات. الآلة الفوتوغرافية هي حاملة أشباح وصانعة الصور الأيدولية التي كانت في فترةٍ ما حيَّة ومتحرِّكة، «يُحَافظ ذَلك الشَّبَح عَبْر أصْله عَلَى عَلَاقَة بالمشْهَد… عَوْدَة الميت» (Barthes, 1980, p. 22)؛ فلا يتطابق الشيء مع الصورة الملتقطة له. هناك دائمًا انزياح في الزمان والمكان يجعل الصورة الفوتوغرافية عبارة عن أيدولة تحيل إلى ذاتها في محض تمظهرها، لأن ما تشير إليه «الآن» لم يعد كائنًا و«قد ولَّى». تحتفظ بجزءٍ أو شذرةٍ من تلك اللحظة الحيَّة التي أضحت الآن ذاكرة جامدة يُمكن إذكاؤها أو الاحتفاء بها. بالاحتفاء بها تعود الصورة الفوتوغرافية لإحياء الذاكرة وتحريك شغفٍ ما، في الذات المتشوقة. إنها المفارقة التي بُنيت عليها تلك الصورة: تجميد الحيّ وإحياء الجامد؛ تواقت حاضر اللقطة الفوتوغرافية وراهن الذاكرة المستحضَرة.

  1. «الشَّاشَة العَاكِسَة»: الصُّورَة المتَحرِّكَة أو بُرُوز السِّينِما

تشترك السينما مع الفوتوغرافيا في الإجراء الأيدولي نفسه بصناعة الأشباح. لأنَّا نرى في الفيديو أو الفيلم أشخاصًا قضوا نحبهم، أو أشياءً تمَّ إتلافها، أو بنايات هُدِّمت، لكن في لحظة تصويرها هي بذاتها وكينونتها، لم تفقدها بعدُ بوطأة الزمن أو الحدث (الحرب مثلًا). كما يقول بارت (Barthes, 1980, p. 123)، بُنيت الفوتوغرافيا على تثبيت اللقطة، بينما جُعلت السينما لتحريك تلك اللقطة في عَوَدٍ يتكرَّر بوجود مشاهدين على الدوام. يمكن القول إنّ السينما هي فوتوغرافيا «متحركة»، اسمًا ورسمًا، من حيث أن الكلمة cinema ترجع إلى الإغريقية kinêma وتعني «الحركة». وفي التعبير الأمريكي يُقال movie (من الحركة) بدلًا من film في التعبير البريطاني. سننتقل في السينما من «الحجرة المظلمة» إلى «الفانوس السحري» الذي كان يُعدُّ «ما قبل تاريخ» السينما، بعرض الصور على الحائط بوساطة آلة عاكسة، حيث كانت أوَّل آلة من اختراع الفلكي كريستيان يوغنس (1629-1695م). لم تكن بداية الانعكاس علمية أو تجريبية محضة، بقدر ما كانت شبه سحرية (وهذا ما يُسوِّغ اسم «الفانوس السحري»)، تثير الانتباه، وتصدم العين، وتستميل النظر، بحيث يكون للناظر الانطباع بأن الصور المنعكسة على الجدران تتحرَّك بمجرَّد أن يُحرِّك عينيه. كان هذا المشهد مثيرًا في القرن السابع عشر الذي كانت الاختراعات التقنية فيه بسيطة. ما كان في الفوتوغرافيا عبارة عن سطح تُثبَّت فيه الصور بتقنيات حمضية (أي كيميائية)، سيكون في البدايات الأولى للصورة السينمائية مفهوم «الشاشة» (screen)، بانعكاس الأشياء على الجدران. قد تبدو هذه الفكرة نُسخة من أمثولة الكهف (allegory of the cave) لدى أفلاطون، لكن فقط في الشكل وليس في المحتوى. لا يمكن القول بأن أفلاطون هو صاحب حدسٍ سينمائي، وإن كانت الأوصاف في أمثولته تشبه إلى حدٍّ كبير الإجراءات السينمائية.

أمثولة الكهف لأفلاطون، الواردة في الكتاب السابع من «الجمهورية»
أمثولة الكهف لأفلاطون، الواردة في الكتاب السابع من «الجمهورية»

أمثولة الكهف هي أوَّل ما يتعلَّمه المتفلسف لأنها تُقدِّم له أساسيات السَّعي نحو الحقيقة التي تُمثِّلها الشمس خارج الكهف، بالتخلُّص من الأوهام التي تُمثِّلها الظلال المنعكسة على الجدران، ويكون التخلُّص منها بفك الأغلال التي تشدُّ الأسرى نحو الجدران، مثلما تشدُّ الصور السينمائية المنعكسة على الشاشة انتباه المتفرّجين. يُشبه النور المنبعث خلف الأسرى الفانوس السحري (القرن 17م) أو الكاميرا اليوم، حيث تنعكس ظلال الأشياء على الجدران مثلما تبثُّ الكاميرا صور الفيلم على الشاشة. الظلال المنعكسة على الجدران هي، عند أفلاطون، عنوان الوهم والخداع وهي العالم الحسِّي الذي هو ظلّ للعالم المثالي الناصع، تمامًا مثل الفيلم الذي يحكي قصَّة شبيهة بالواقع أو مستوحاة من الواقع، لكنها ليست الواقع عينه: «ماذا يفعل أفلاطون؟ إنه يصف إجراءً شبيًها بالإجراء السينمائي. يضعه كاستعارة عن الواقع بوصفه واقعًا وهميًا أو مشكَّلًا من الأوهام المضادَّة لعالمٍ آخر هو عالم الأفكار التي عرفناها قبل مجيئنا إلى هذا الوجود… لم يخترع إذن أفلاطون السينما» (Baudry, 1978, p. 11).

لم يخترع أفلاطون السينما، لكن الطريقة التي تنعكس بها ظلال العالم الحسي، واعتبارية الأفلام السينمائية لها درجة عالية من التماثل (Andersen, 2014, p.8). كذلك يُشبه ذهول الأسرى في الكهف بسبب الظلال العابرة إلى حدٍّ كبير انشداه المتفرّجين في قاعة السينما لفيلمٍ مثير، يخطف انتباههم ويستميل عقولهم ويأسرهم في حبكة القصَّة. يسقط في الشاشة الفاصل بين الخيال والواقع مثلما يظن الأسرى في الكهف بأن الظلال العابرة هي الحقيقة عينها. يمكن الحديث عن «شَبَحية» (phantasmagoria) مشتركة يقوم فيها الخيال مقام الواقع (السينما) أو تتنكَّر فيها الظلال في زي الحقيقة (الكهف). الفارق الأساس هو أن الظلال هي أوهام حسيَّة نتيجة انعكاس الأشياء في الجدران أو أوهام ذهنية بحسبان الظلال حقيقة، أما السينما فهي تصنع الخيال وفق إجراءات تقنية تتيحها الكاميرا والكمبيوتر والمعلوماتية والتأثيرات الخاصة والفضاء الثلاثي الأبعاد (3D) المطبَّق على المشاهد السينمائية.

البُعد الثالث في السينما (3D) بفضل نظَّارات خاصَّة

كانت السينما تقاطُع طرق عوامل كثيرة أسهمت في ظهورها وتطوُّرها: 1. «الفوتوغرافيا» بجعل الصور الثابتة فيها صورًا متحرِّكة؛ 2. «الفانوس السحري» الذي كانت مهمَّته إظهار الصور في سندٍ ما (الجدران، الشاشة، إلخ) تمامًا مثل الحجرة المظلمة في الفوتوغرافيا؛ 3. «الوضعية» (positivism) -التي أسهم في تشييد فلسفتها أوغست كونت- التي تواقتت مع الصعود الكاسح للعلم والتقنية وظهور مفهوم الحياة (دليل الحركة والتطوُّر) مع سبنسر وداروين وإلى غاية نيتشه وبرغسون؛ 4. «السكة الحديدية» التي غيَّرت نظام الرؤية لدى الإنسان، حيث يُشاهد المسافر الأشياء الطبيعية (أشجار، جبال، وديان، حيوانات…)، تمرُّ بسرعة فيما هو جالس في عربته. لم يتح هذا التغيير في نظام الرؤية فحسب التفكير في عملية تسريع الصور الثابتة وجعلها متحركة لإنتاج الفيلم؛ بل أتاحت كذلك الانتقال إلى نموذج جديد (بارَادَايْم) هو «النظرية النسبية» مع ألبرت أينشتاين.

يمكن النظر إلى «الحركة» بوصفها هوية السينما وإجراءها التقني، من حيث أن العامل المشترك بين الاكتشافات الحديثة (الشاشة، مفهوم الحياة، القطار، النسبية…) هو مفعول الحركة على الوجود الإنساني في العالم. الحركة هي العنصر الأساس في السينما لإنتاج ما يُسميه دومينيك شاتو «الوَاقِعَة الفِيلْميَّة». تُعبِّر هذه الأخيرة «عن الحياة» (مبدأ الحركة إذن) بمنظومة تتيح «تركيب الصور» (Château, 2010, p. 13). أما «الوَاقِعَة السِّينِمَائيَّة»، فهي مجموع الوثائق والسيناريوهات والأحاسيس والأفكار والمشاعر التي تُشكِّل كلها المواد الخام في تشكيل الواقعة الفيلمية. يمكن القول إنّ السينما هي جُملة الشروط الموضوعية والذاتية (فكرة، إحساس، وثيقة، سيناريو، ستوديو مثل هوليوود، كاميرات، ممثلون، مخرجون…) التي تدخل في إنتاج الفيلم أو الشريط السينمائي الذي هو النص المصوَّر أو الخطاب وقد تحوَّل إلى مشهد. تعمل السينما إذن على تحويل النصوص إلى الصور بجعل الوثائق والسيناريوهات (حياة فنَّان مثلًا، أو المعيش اليومي في البادية أو المدينة، أو الحياة العاطفية، أو مظاهر العنف والإجرام، أو التحقيقات القضائية، إلخ) تتخَّذ صيغة أيقونية، ننتقل بموجبها من «المقروء» إلى «المرئي».

على غرار الفن (اللوحة الزيتية)، تُطرح في السينما مشكلة المحاكاة (التقليد) التي عيَّرها أفلاطون وسوَّغ بها نقض الصورة، وهي أن السينما (مثلها مثل الرسم) «تَحْكي» الواقع من باب أنها «تُحَاكيه»؛ أي تعيد إنتاجه أو مضاعفته في الصورة المتحركة التي هي الفيلم أو الشريط السينمائي. غير أن هذه الفكرة لا تسلم أمام النقد من وجهين: 1. لا تحاكي السينما الواقع، بل تقوم فقط بعكسه وتوزيعه على نطاق واسع: مثلًا شريط سينمائي حول الحرب العالمية الثانية (يصف الدَّمار ومهجر الملايين المتضرِّرين من الحرب، إلخ) لا يضيف شيئًا على الواقع سوى أنه يصفه كما هو، ويُسهم كذلك بنقل وقائع لم يرها المشاهد إلى الجغرافيات الأخرى. تتيح له الكاميرا بأن يطَّلع على ما يقع في العالم من أحداث. فهي تلعب دور الإعلام (التلفاز مثلًا)؛ 2. لا تحاكي السينما الواقع، بل تُعيد الاشتغال على حَدَثيته بأن تستخلص منها إمكانات فكرية لسيناريوهات قادمة ذات ثيمات أو موضوعات تتعلَّق بالمعيش من هجرة أو عنف أو صداقة؛ أي أن الواقعة السينمائية في إنتاجها للواقعة الفيلمية تأخذ من «الحَدَث» عناصر فردية أو متفرِّدة، هي قصَّة مثيرة أو سيرة مُلهمة أو تفصيل لافت للنظر والانتباه، إلخ، ثم تعيد الاشتغال عليها بإجراءات أسلوبية وبلاغية تعطي للفيلم أو الشريط هوية خاصة لا هي الواقع ولا هي الخيال؛ بل يمكن القول بأنها «الإمكان»: ما يُمكن أن يقع في هذه الصيغة أو تلك.

لم تستفد السينما فقط من الأفكار الرائجة في عصرها لتشكيل عمرانها السينمائي وبنيانها الفيلمي؛ بل أسهمت كذلك في بلورة أفكار جديدة وألهمت العديد من الفلاسفة، إلى درجة أن هنري برغسون يُسلِّم بالتماثل الكائن بين الإجراء المعرفي والإجراء السينمائي: «الإجْرَاء المألوف لمعْرفَتنَا هُو من طَبيعَة سينمَاتُوغْرَافية» (Bergson, 1959, p. 305)؛ فقط لأن المعرفة والسينما تتقاسمان مفهوم الحياة الذي أولاه برغسون قيمة فلسفية مُثلى، دليل التطوُّر الخلَّاق والحركة الطبيعية التي تُوفِّر للحركة الاصطناعية نموذجًا في إنتاج الصور. تدخل هذه الحركة في ما اصطلح عليه برغسون اسم «الدَّيْمومة» وهي الزمن النوعي والمتطوِّر النابع من أحوال الوعي الشبيهة بالصور السينمائية المتوالية. ما يتوالى على الوعي من أحوال هو نظير الفيلم الذي تتواتر فيه الصور بحركة سريعة: «لا نَقُوم سوَى بتَفْعيلِ نَوعٍ من سِينمَاتُوغْرَافي بَاطِني» كما يقول برغسون في المرجع نفسه «التطوُّر الخلَّاق». يُشبه هذا التواتر في الوعي وفي السينما الألوان المتعاقبة في المشكال (Kaleidoscope) وهي زجاجات ملوَّنة داخل المشكال تعكس النور الخارجي. بهذا المعنى، تُصبح السينما نموذج المعرفة البشرية بتواتر أحوال الوعي في إدراكه لأشياء العالم الخارجي شبيهة بألوان المشكال في عكسها للنور الخارجي.

يُفسِّر هذا الأمر اهتمام برغسون بالصورة (image) وبأنها لا تقلُّ أهميَّة في المعرفة البشرية من المفهوم (concept) المبني منطقيًا وعقليًا (تجريديًا)، أي وفق طريقة خاصة في تنظيم الأفكار المتولِّدة عن إدراك الإنسان للعالم. تقوم الصورة على الإدراك الحسِّي وتنظيم الإحساس. فهي ذات أبعاد جمالية تنعكس مفاعيلها بالضرورة على الصورة الفنيَّة (الرسم) والصورة السينمائية (الفيلم). لكن فيما المفهوم هو شأن فلسفي بالقُدرة الذاتية على الخلق والتوليد (autopoiesis)، فإن الصورة هي مرتع الانفعالات والإدراكات التي يقوم عليها العمران السينمائي والبنيان الفيلمي. شدَّد جيل دولوز على هذا الفاصل، مُبرزًا بأن فلسفة السينما ليست التفكير حول السينما، وإنما هي التفكير حول المفاهيم التي يمكن أن تثيرها السينما بقُدرتها على استخلاص الإمكان (Deleuze, 1983, p. 6). لكن في كل الأحوال، ما يجمع الفلسفة والسينما هو التفكير في الحركة التي تمثِّل عُمق التفكير الفلسفي (تحريك الثوابت الذهنية ونفث روح التفلسف في الرَّوْع البشري)، وتُشكِّل أساس التفكير السينمائي (تحريك الصور الثابتة وبث الحيوية في المعيش البشري بإعادة النظر إليه من زاوية المتفرِّج وما يمكن استخلاصه من إمكانات معيشية أخرى مثل السينما الصامتة).

تشارلي تشابلن، رائد السينما الصامتة ذات الأبعاد الإيحائية
تشارلي تشابلن، رائد السينما الصامتة ذات الأبعاد الإيحائية

هذا المشترك بين الفلسفة والسينما من شأنه أن يُبيِّن كيف أن الفلسفة تتغذَّى في صناعتها للمفاهيم من اللافلسفة، أي من الفن والعلم والطب، إلخ. تُمثِّل السِّينما «اللافلسفة» التي تأخذ منها الفلسفة إمكانات فكرية من أجل الصناعة المفهومية، على أساس أن الفلسفة هي إبداع المفاهيم كما عرَّفها دولوز، وأن مجالها ومهمَّتها هي المفهوم، فيما تلجأ المجالات الأخرى مثل الفن إلى المشاعر (الجمالية)، والعلم إلى الوظائف (الرياضية). ما ينبري من هذا العرض، وعملًا بثنائية من توظيف المفكر الفرنسي ميشال دو سارتو، هو أن العمران السينمائي يشغل دور «الاسْتراتيجيَّة» القائمة على خطاب (سيناريو، حبكة، سيرة حياة أو بيوغرافيا)، وإطار (كاميرا، ستوديو)، وفاعل بشري (ممثل، مخرج)، ويشغل البنيان الفيلمي دور «التَّكْتيكيَّة» القائمة على البُعد التداولي في ترجمة المعطيات في السياق؛ أي بنقل المادَّة السينمائية إلى الحركة الفيلمية وما ينتج عنها من شريط معروض على الاستهلاك العمومي، إمَّا من وجه التأثُّر (بَاتُوس) لدى الجمهور المتفرِّج أو من وجهة الحكم (لُوغُوس) لدى الناقد السينمائي أو من وجه الشُّغل والتسويق (بْرَاغمَا) لدى وكلاء الإعلان والعوائد المالية. معنى ذلك أن السِّينما، بعدما أن كانت ملتقى طرق العلم والتقنية والحياة في القرن التاسع عشر، أضحت اليوم ومنذ القرن العشرين ملتقى طرق الاجتماع البشري والربح الاقتصادي (حققت بعض الأفلام مثل: «حَرْب النُّجُوم أو سْتَار وَارْز»، أو فيلم «تَايْتَانيك» عوائد مالية جمَّة).

  1. «المسَاحَة الخَيَاليَّة»: الصُّورَة الاعْتِبَاريَّة أو تَدَاخُل الوَاقِع والخَيَال

إذا كانت السّينما كل هذا، أي ملتقى طرق التقنية والاقتصاد، فإن التطوُّر التكنولوجي زاد من تحسين أدائها، لكن في الوقت نفسه أبعدها عن الواقع وزجَّ بها في عالم خيالي من صُنع الآلة. يتعايش اليوم شكلان من السينما، «السينما الواقعية» التي تستلهم من الحياة مادَّتها في السيناريو والتصوير والعرض، و«السينما الاعتبارية» التي تصنع وقائع غير موجودة بناءً على قصص خيالية وتُصيِّرها واقعية في عيون المتفرِّج بتقنيات افتراضية مذهلة (مثلًا، فيلم «ميتْركْس The Matrix» الصادر عام 1999). ثمّة إذن معجم ثري يدخل في بلورة هذه الحقيقة الاعتبارية: العالم الافتراضي، والواقع المدمج، والانغمار الاعتباري، والتصوير التجسيمي، والخيال، والحلم، والإنسان الآلي، والذكاء الاصطناعي، والعالم السبراني، والبيانات الرقمية، والمعطيات الخوارزمية، والتأثيرات الخاصة، والبُعد الثالث، والبُعد الرابع، والميتافيرس، والصور الطيفية (هولوغرام)، والحلول في كل مكان (ubiquity)، إلخ. لا يمكن استنفاد المصطلحات التي تدخل اليوم في تشكيل «التصوُّر الآلي للعالم» بعدما كانت المعرفة البشرية إلى غاية اليوم تقوم فلسفيًا على «الرؤية الذهنية للعالم» في مختلف تجليَّاتها أو تطبيقاتها الإدراكية والدينية والفنيَّة والعلمية. يمكن القول جزافًا بأن رؤية جديدة للعالم تبلورت منذ أن دخلت الآلة في ترتيب نظام العالم بكسر الجدران العازلة بين الواقع والخيال.

العبارة «الواقع الاعتباري أو الافتراضي» هي تناقض في الحدود. إنها إرداف أو تضاد (oxymoron)، بما يُشبه الجمع بين «الواقع» كما نراه أو نحدس أشياءه و«الاعتباري» (virtual) الذي يمكن نعته على أنه «شبه» الواقع (quasi, near)، يُشبه الواقع لكن ليس هو الواقع بمادِّيته وحسِّيته؛ لأن هوية الاعتباري هي طَيْفيَّة، تُرى ولا تُلمَس. يمكن ترجمة هذا الفضاء الاعتباري بـ«كأنَّه الواقع»، على منوال دهشة بلقيس أمام عرشها: «قيلَ أهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَت كَأنَّه هُو» (النَّمل، الآية 42). إذا كان ما رأته بلقيس يُشبه عرشها، فلأن ما يُسمَّى «شبه الواقع» الذي هو الفضاء الاعتباري له بالفضاء الذهني والإدراكي (cognitive) رابطة دقيقة. هو بشكلٍ ما نُسخة عن الفضاء الذهني؛ لأن الإنسان لم يقُم سوى بصناعة الآلة «على صورته» عبر البرمجة: تحسُب، لكن لا تُفكِّر. أو يمكن القول إنّ تفكيرها لا يتعدَّى الحساب والعمليات الخوارزمية المعقَّدة. الآلة هي امتداد للإنسان، مثل أي أداة أو جهاز هو امتداد للأعضاء البشرية مثل اليد الموضوعة للاستعمال، والرِّجل المجعولة للسَّعي (Tisseron, 2012, p. 6). كذلك، يمكن عدّ الآلة نظير الدِّماغ البشري بقُدرتها الفائقة على إجراء عمليات حسابية متشابكة. من هنا كان هذا التماثل بين الآلة والدِّماغ؛ حيث الأولى لها خاصية الحساب والعمليات الخوارزمية، والثاني له خاصية التذهُّن ومشتقاته من تفكير وتمثُّل وتخيُّل، إلخ.

قد يبدو هذا التماثُل تقريبيًا، وخاطئًا في بعض جوانبه؛ لأنه لا يمكن المقارنة بين الإنسان والآلة، نظرًا لما يتميَّز به الإنسان من عواطف وانفعالات وتخيُّلات وإحساسات لا تنطبق على الآلة التي هي فقط جهاز في الإحصاء والعمليات الحسابية. غير أن الخيال العلمي وفَّر للسينما الاحتمال الذي تتحوَّل فيه الآلة إلى كائن يحسُّ ويُفكِّر وينفعل (مثلًا، فيلم «آيْ، رُوبُوت I, Robot» مع الممثل الأمريكي ويل سميث). تصير الآلة إنسانًا آليًا، على صورة الإنسان، تُشبهه في بعض الأفعال والإجراءات. قطعت بعض التجارب أشواطًا مهمَّة في جعل الإنسان الآلي يحسُّ ويشعُر، غير أن التجارب في الاصطناع (simulation) لتقريب الإنسان الآلي من الإنسان الطبيعي لم تنجح بفقدان ما أسميتُه «البَشَرة التي كان بها مسمَّى البَشَر». وحدها «البَشَرة»، طبقة جلدية محيطة بالكائن البشري، مثل الطبقة الجويَّة المحيطة بالأرض أو الطبقة الفكرية والتأمُّلية المحيطة بالعقل البشري (أحيل إلى كتابات الفلاسفة دو شاردان، وإدغار موران، وجيل دولوز)، أقول بأن البَشَرة بوصفها الطبقة الجلدية المحيطة بالكائن الحي هي وحدها التي تُوفِّر للإنسان أساسيات الإحساس والتحسُّس، لأنها نقطة التَّماس بين الجسد والواقع، بين الإدراك الحسِّي وموضوعات العالم الخارجي.

فلم آي روبوت
فيلم «آيْ، رُوبُوت» (2004)، حيث يكتسب الإنسان الآلي مشاعر وانفعالات

إذا لم يكن بالإمكان إيجاد تماثل بين الإنسان الآلي والإنسان الطبيعي، فإن المشكلة الابستمولوجية والإدراكية تنتقل نحو التماثُل على مستوى «التصوُّر»، بمعنى الطريقة التي يتمثَّل بها الإنسان الصور الذهنية والطريقة التي تصنع بها الآلة الصور الاعتبارية. هناك فارق لغوي بين الإنجليزية والفرنسية أشار إليه أرنالدي وزملاؤه (Arnaldi et al., 2018, p. XVI)، وهو أن «Virtual» الإنجليزي يشير إلى «شبه الواقع»، بينما «Virtuel» الفرنسي يشير إلى «الاحتمال والنيابة»، أي أن الصورة الذهنية تنوب الصورة الواقعية، تخلُفها في العقل البشري بأن تصير لطيفة أو طيفية. الصورة الذهنية هي «اللطيف» الذي يُعوِّض «الكثيف» (الشيء المادِّي في الواقع الملموس). إنها صورة واقع زائل. ما يتبقَّى منه هو الأثر في شكل صورة ذهنية (تذكُّر) أو صورة خيالية (وهم). لكن فيما يشير التذكُّر إلى الماضي وهو خاصيَّة إنسانية محضة في استحضار الأحداث والذكريات والمشاعر، فإن التخيُّل يشير إلى المستقبل وهو من اختصاص الآلة أو الإنسان الآلي. هنا يكمن وجه التماثل مع الإنسان الذي يتخيَّل عوالم ممكنة في المستقبل، في شكل يوتوبيا أو مدينة فاضلة، يُجسِّدها في الرواية أو الخيال العلمي (مثلًا، روايات جول فيرن مثل رواية «من الأرض إلى القمر» الصادرة عام 1865، ولم يطأ الإنسان سطح القمر سوى قرن بعد ذلك، عام 1969، بتطوُّر التقنية وإمكانية نقل الإنسان إلى القمر على متن مركبة فضائية).

نُدرك بلا مرية أن الصورة التي تُشكِّلها الآلة (أو الإنسان الآلي) لا يمكنها أن تكون من طبيعة ماضية في شكل تذكُّر وقائع أو أحاسيس (ليس للآلة ماضٍ بالمعنى الإنساني في أفعال وإرادات ومشاعر)؛ بل هي من طبيعة مستقبلية للنظر، بشكل مسبق، ما يمكن أن يكون عليه عالم الغد. بهذا المعنى، انطلق الخيال البشري في تصوُّر مُدُن الغد التي تكون فيها السيَّارات والمركبات طائرة، وبشر الغد، مزيج من الآلي والإنساني، ووطَّدت الآلة هذا التخيُّل بالتصوُّر التقني عبر ما يُسمَّى إذن بالفضاء الاعتباري وإلى غاية الميتافيرس. فهي تبتكر كيانات اعتبارية أو افتراضية مستقلَّة (العلاقة بعالم الأفكار المفارقة عند أفلاطون أو عالم الحروف ذات طبائع وسلوكيات عند ابن عربي هي مسوَّغة). تُحقِّق بذلك ما يمكن تسميته «مَفْعُول كأنَّ»، تجعلنا نرى الفضاء الاعتباري «كأنَّه» عالم واقعي. هنا بالضبط تتميَّز الآلة عن التخيُّل البشري. يستطيع الإنسان أن يتخيَّل كائنات غير موجودة في الواقع مثل «القَنْطُور»، وهو كائن أسطوري نصفه إنسان ونصفه حصان. إذا كان الإنسان يرى القنطور في خياله، فإن الآلة تتيح له أن يرى القنطور متجسِّدًا في العالم الاعتباري «كأنَّه» حقيقي، «كما لو» كان واقعًا؛ تُجسِّده في الشاشة أو في وسائط لطيفة مفتوحة على البُعد الثالث أو البُعد الرابع. تتيح الآلة رؤية الخيال «عَيَانًا» بهذه الوسائط، بعدما كان الإنسان يرى الخيال «وَهْمًا أو توهُّمًا» في ذاته، في باطنه.

يُمكن عدُّ هذه النُقلة في رؤية الأشياء غير الواقعية «خيالًا» إلى رؤيتها «عيانًا»، بمنزلة تحوُّل مهم وحاسم في تاريخ البشرية؛ لأنها المرَّة الأولى التي يرى فيها الإنسان ما يرغب فيه (فانتاسما) حاضرًا أو ماثلًا أمامه، لكن لا وجود فعلي له؛ لأنه «شِبْه» واقع، «كأنَّه» الواقع، لكن «لَيْس هُوَ» الواقع. تحمل هذه النُقلة التي يمكن عدُّها ثورة تكنولوجية لا مثيل لها «أنطولوجيا» خاصَّة، لأنها تعيد تعريف الكائن والكينونة وكل الدَّعائم التي يقوم عليها في الزمان والمكان والجوهر والكيف وغيرها من المقولات المعروفة من أرسطو إلى كانط. ستكون العلاقة بالمكان هي علاقة أخرى تقوم على إحساس من نوع خاص؛ وكذلك العلاقة بالزمان علاقة أخرى، تزجُّ بالإنسان في فضاء مستقبلي لم يصل إليه بعدُ، وكأن المستقبل حلَّ في الحاضر (التوقُّع) مثلما يحلُّ الماضي في الحاضر (التذكُّر). بإنتاج الآلة لمفعول «كأنَّ» فإنها تُسْهم في هدم الجدران الفاصلة بين الواقع والخيال، لأن الخيال يصير «شبه واقع»، كأنَّه الواقع. وعليه، فإن العلاقة بالصور الرقمية والاعتبارية لها المفعول ذاته للعلاقة بالصور الذهنية (Tisseron, 2012, p. 64). هذا يُفسِّر لماذا يجد الإنسان نفسه أسيرًا في شبائك الفضاء الاعتباري كما يشهد على ذلك الإدمان على وسائط التواصل الاجتماعي أو الإدمان على ألعاب الفيديو. الإنسان بطبعه كائن «يتخيَّل» وقد يُصيِّر ما يراه أو يتمثُّله «متخيَّلًا». من هنا نتحدَّث عن «تمثُّل الآخر» الذي يقوم في أغلب الأحيان على أوهام أو فانتاسمات؛ لأنه لا يرى الآخر «كما هو»؛ بل كما يصنعه في ذاته بالصور الذهنية.

إذا كان الإنسان هو كائن التمثُّل والتخيُّل، فإن الآلة ومشتقاتها من وسائط وفضاءات سبرانية واعتبارية قامت برَدْكَلَة (جعلتها جذرية أو راديكالية) العلاقة بموضوعات العالم من أشياء وأشخاص وكائنات، التي أصبحت علاقة يغزوها الخيال وقرصنة الصور الذهنية. أصبح الإنسان منغمسًا في الفضاء الاعتباري الذي ردَّه إلى أصله الخيالي أو فتح وعيه على أنه «كائن الخيال والتخيُّل». وجد في هذا الفضاء ما يُغذِّي خياله مرَّتين: الخيال النابع من الذهن، والخيال المتجسِّد في الفضاء الاعتباري مثل الميتافيرس. كما يقول تيرسون (Tisseron, 2012, p. 68)، أتاحت الآلة للإنسان نوعين من العلاقة بالوجود: «التعلُّق» (link) و«الفرار» (leak)، من جهة التعلُّق بهذا الفضاء إلى غاية التماهي معه نظرًا للطبيعة الخيالية للإنسان (الفضاء الافتراضي هو «خيال مضاعف»)، ومن جهة أخرى الفرار من الواقع الذي لا يتحكَّم فيه من أجل واقع آخر يتحكَّم فيه (تكنولوجيًا ورقميًا) وهو الواقع الاعتباري أو الافتراضي. ومن ثمَّ فإن «الخيال كأنَّه الواقع» هو ما كان يبحث عنه الإنسان في مساره التاريخي المتأزِّم بالحروب والصراعات والأضرار المتنوِّعة؛ لأن في الواقع الفائق أو شبه الواقع يفرُّ من شرطه البشري المنفعل ومصدر العنف والقلق والغضب والكراهية والحقد، ويتحكَّم فيه ويوجِّهه وفق رغباته وأهدافه.

لم يستطع الإنسان التحكُّم في الواقع الفعلي، والسيطرة عليه، لكنه استطاع ذلك في الفضاء الاعتباري. أتاح له الإنترنت بوصفه فضاء الوساطات الافتراضية تحقيق هذه السيطرة نسبيًا، عبر مجموعة من الإجراءات: 1. «السريَّة» بقدرته على إخفاء هويَّته عبر مجسَّمات أو أفَتَار (avatar) يتماهى معه ويتَّخذه قناعًا على حياته الواقعية؛ 2. «الحلول في كل مكان» (ubiquity) بأن تكون له هويَّات متعدِّدة بمجسَّمات متنوِّعة، فيمكنه أن يتقنَّع بأفَتَار رجل أو أفَتَار امرأة؛ وأتاحت له الصورة الطيفية أو الهولوغرام بأن يكون حاضرًا في كل مكان وفي الوقت نفسه. مثلًا، في سياق محاضرة أو حملة انتخابية، يكون في عدَّة أماكن (في عدَّة مُدُن) في اللحظة عينها عبر تقنية الهولوغرام؛ 3. «القرصنة» بالقُدرة على اصطياد فرائس في عنكبوت الشبكة الرقمية بتقديم صورة متحوِّرة عن الصورة الحقيقية. مثلًا، الوقوع في حبّ شخص غير موجود أو على النقيض تمامًا من الصورة التي يُظهرها. وعليه، وقع العديد من الأشخاص الذين لهم نفسية هشَّة أو عاطفة مفرطة في هذا النوع من الفخ. فهم يتعلَّقون بشيء غير موجود أصلًا، حبكوا حوله صورة طوباوية ذات جمال مثالي. ثم يكون إحباطهم على قدر صدمة اكتشاف الحقيقة.

أخيرًا، وبالمقارنة مع التحذير الأفلاطوني من خدائع الصورة، يمكن القول بأن الآلة، بقدر ما وفَّرت للإنسان التعلُّق (بالفضاء الاعتباري نظير البُعد الخيالي في نظام جهازه الإدراكي) ووفَّرت له الفرار (باختلاق عالم افتراضي هادئ يتحكَّم فيه بعيدًا عن إحباطات الواقع الملموس العامر بمضادَّات الرغبة والآهل بالإرادات المتصارعة الآيلة نحو الحروب والأضرار)، فإنها وفَّرت له كذلك وسائل تشويه الواقع بتعديل الوسائط الإعلامية والمعلوماتية التي تنقله، مثل برنامج «الفوتوشوب» (Photoshop) في إجراء لمساتٍ تُعدِّل من الصورة. يمكن القول بأن هذه التقنية أمضت على موت الصورة الثابتة (الفوتوغرافيا)، والصورة المتحرِّكة (الفيديو)، لأنها تُجري تعديلًا نسبيًا أو جذريًا في الملامح والمشاهد التي تحملها الصورة. ما يُسمَّى اليوم بالأخبار المزيَّفة (Fake news) يدخل في عداد هذه الإماتة لنظام الصورة، لأن تعديل الصور بما يتماشى مع رغبة في التشويه والتمويه، إنما هو تحوير لما هو عليه الواقع، ومن ثمَّ اختلاق واقع غير موجود. يمكن إضافة «التزييف» (to fake) إلى جانب «التعلُّق» (to link) و«الفرار» (to leak). وعليه، تصير الأنطولوجيا التي تُبنى عليها الصورة الاعتبارية كينونة لما هو مجتث عن حَدَثية الوجود؛ أي واقعيته، وفرديته، ومَلْمُوسيَّته. ربما الصيغة الباروكية لعبارة ابن عربي في «فصوص الحكم» مفيدة لفهم هذا المنعطف الآلي والاعتباري لنظام العالم: «الوُجُود كُلُّه خَيَال في خَيَال».


المراجع

Amar, Pierre-Jean (2020), Histoire de la photographie, Paris, PUF, coll. « Que Sais-Je ? », 3e éd.

Anderson, Nathan (2014), Shadow Philosophy. Plato’s Cave and Cinema, Routledge: London & New York.

Arnaldi, Bruno, Guitton Pascal, Moreau Guillaume (2018), Virtual Reality and Augmented Reality, Wiley.

Banda, Daniel & Moure, José (2012), Avant le cinéma. L’œil et l’image, Paris, Armand Colin.

Barthes, Roland (1980), La chambre claire. Note sur la photographie, Paris, Gallimard/Seuil, coll. « Cahiers du cinéma ».

Baudry, Jean-Louis (1978), L’Effet Cinéma, Paris, Albatros, coll. « Ça cinéma ».

Bergson, Henri (1959), L’Évolution créatrice, Paris, PUF, coll. « Bibliothèque de philosophie contemporaine ».

Château, Dominique (2010), Philosophies du cinéma, Paris, Armand Colin, 2e éd.

Deleuze, Gilles (1983), Cinéma. 1. L’image-mouvement, Paris, Minuit, coll. « Critique ».

Gernsheim, Hemut & Alison (1969), The History of Photography. From the Camera Obscura to Beginning of the Modern Era, Thames and Hudson: London.

Tisseron, Serge (2012), Rêver, Fantasmer, Virtualiser. Du virtuel psychique au virtuel numérique, Paris, Dunod.

Wells, Liz, ed. (2015), Photography: A Critical Introduction, Routledge: London & New York, 5e ed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى